الضمانة الحقيقية لحقوق الإنسان
محمد نور الدباس
17-02-2026 08:26 PM
الضمان الحقيقي لحقوق الإنسان لا يتحقق بالنصوص وحدها، بل بمنظومة متكاملة تجعل انتهاك الحقوق مكلفًا للجهات المنتهكة لحقوق الإنسان وللضحايا والجهات المعتمة بمنع وقوع انتهاك لحقوق الإنسان، وحمايتها مصلحة عامة تهم كل الأطراف لتشمل الضحية والمدافعين عن حقوق الإنسان والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني والسلطات الحكومية، ويمكن الحديث عن هذه الضمانات في المحاور عدة؛ منها المحور الأول المتمثل بسيادة القانون واستقلال القضاء، فلا قيمة لأي حق إذا لم يكن قابلاً للإنفاذ، واستقلال القضاء، وحياده، وسرعة الفصل في القضايا، هي الضمانة العملية الأولى، فالقاضي المستقل هو من يحول الحق من نص مكتوب إلى حماية فعلية على أرض الواقع.
والمحور الثاني الذي يمكننا الحديث عنه هو محور الإرادة السياسية الصادقة؛ فالدساتير قد تكون متقدمة، لكن دون إرادة سياسية تحترمها تبقى حبراً على ورق، وذلك لأن احترام حقوق الإنسان يبدأ من أعلى هرم السلطة، ويظهر في الالتزام بعدم توظيف القانون لقمع الخصوم أو تبرير الانتهاكات، بمعنى أن الإرادة السياسية من المستويات العليا في الحكومة والسلطات الأخرى تنقل الضمانة الفعلية لحقوق الإنسان من مرحلة القول إلى مرحلة العمل والتطبيق، لتصبح نهج عام في المجتمع.
والمحور الثالث الذي يمكننا الحديث عنه يتمثل بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب؛ بمعنى أن الضمانة الحقيقية لحقوق الإنسان هو أن يُحاسَب المنتهِك مهما كان موقعه، وغياب المحاسبة يُحوِّل الانتهاك إلى سياسة، بينما العدالة الرادعة تحوِّله إلى استثناء، مع الإشارة إلى المساءلة من أهم مبادئ الحاكمية الرشيدة.
ووعي المجتمع ودور الإعلام يمثل المحور الرابع الذي ندّعي أنه من أهم المحاور الخاصة بضمانات حقوق الإنسان، فالمجتمع الواعي بحقوقه هو خط الدفاع الأول، بما يشمل الإعلام الحر، والتعليم الحقوقي، ومنظمات المجتمع المدني، أدوات رقابية تمنع تطبيع الانتهاك وتكشفه للرأي العام، فالشخص العارف بحقوقه وواجباته وسلطاته وصلاحياته لن يقبل أن يكون مرتكباً لأي انتهاك لأي حق من حقوق الإنسان ومخالفة القانون، والتلازم لن يقبل أن يكون ضحية ترتكب عليها الانتهاكات لحقوق الإنسان، لأنه يعرف حقوقه التي يجب على الجميع احترامها وعدم انتهاكها.
والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، يمثل المحور الخامس من محاور الضمانة الحقيقية لحقوق الإنسان؛ فالفقر، والبطالة، والتبعية الاقتصادية تجعل الإنسان أقل قدرة على المطالبة بحقه، لذلك فإن العدالة الاجتماعية ليست ترفًا، بل شرطًا من شروط التمتع الفعلي بحقوق الإنسان، ومن هنا تبرز علاقة الفقر بالبطالة، فمن حصل على حقه في العمل والحصول على أجر يخرج من دائرة الفقر، ليكون عنصراً فاعلاً في المجتمع، ومشاركاً في التنمية، ومحافظاً على البيئة، وبالنتيجة لن يقبل أن يكون ضحية تُنتهك حقوقها، ويكون مدافعاً عن حقوق الإنسان.
أما المحور السادس من محاور الضمانة الحقيقية لحقوق الإنسان يتمثل "بالمنظومة الدولية… بين النص والواقع"؛ فعلى الرغم من وجود مواثيق وصكوك دولية ومؤسسات كبرى مثل الأمم المتحدة، وآليات حماية حقوق الإنسان بما يشمل الآليات الدولية والآليات الإقليمية والآليات الوطنية/ والآليات القضائية الدولية كالمحكمة الجنائية الدولية، والآليات القضائية الإقليمية، والآليات القضائية الوطنية، إلا أن فاعليتها تظل مرهونة بتوازنات السياسة الدولية، فحقوق الإنسان عالميًا ما زالت تعاني من ازدواجية المعايير.
خلاصة القول، إن الضمانة الحقيقية لحقوق الإنسان ليس وثيقة دولية، ولا مادة دستورية فقط، بل دولة قانون، وقضاء مستقل، وإرادة سياسية، ومجتمع واعٍ، وعدالة لا تعرف الاستثناء، فعندما تُصبح كلفة انتهاك الحق أعلى من كلفة احترامه، عندها فقط يمكن الحديث عن ضمان حقيقي، لا شعارات.