الأردن: لا تبتسم .. الكاميرا “ذكية”
بسام بدارين
18-02-2026 12:25 AM
المواطن الأردني بطبعه نادرا ما يبتسم لكن الكاميرات التي تترصده اليوم لم تعد خفية.
الجدال بين الناس والسلطات بعد التوسع الاستثنائي في تركيب الكاميرات لمراقبة الالتزام بالنظافة ومخالفات السير يتزحلق إلى مناطق مغرقة في الطرافة ومثيرة للتساؤل.
رضا الجمهور غاية لا تدرك لكن يمكن القول إن تركيب نحو “5” آلاف كاميرا في العاصمة ومحطيها لرصد مخالفات أغلبها داخل المركبة والسيارة تطور إيجابي لصحة المجتمع، ولمنهجية الالتزام القانوني شريطة اقتناع الجمهور المستهدف بأن الأهداف لا علاقة لها لا بالجباية. ولا بحل مشاكل المديونية التي تضخمت عند بعض المؤسسات مع أن أحدا في البرلمان والإيقاع الحزبي ثم السياسي والشعبوي لم يعد يسأل أو يرجع للسؤال المركزي الأعمق حول المسؤولين عن تراكم المديونية وكيف تمت محاسبتهم أو حتى الاستفسار منهم؟
قبل نحو عقدين انتشرت موضة برنامج اسمه “ابتسم… الكاميرا الخفية”.
ما نذكره جيدا عند محاولة تطبيق نسخة محلية في الشوارع الأردنية قفزة باتجاه الدراما بدلا من الحس الفكاهي حيث هدد ولوحق وأحيانا ضرب مراسلون ومصورون حاولوا إظهار خفة الدم والظل قبل أي ابتسامة.
على كل حال الابتسامة عزيزة خصوصا هذه الأيام. ولا أحد على المستوى الشعبي يبتسم لتلك الكاميرات التي تم تركيبها بالآلاف لمراقبة مخالفات الصحة والبيئة والسير على الطرقات، والشعور العام ليس سرا عند المواطن أن هذه الكاميرات هدفها الجباية فقط مع التأسيس لمقاربات ومقارنات تطرح أسئلة من طراز: من يراقب المراقبين؟
مطالبة الأردنيين بتغيير سلوكهم البيئي وأنماط سلوكهم أثناء قيادة السيارة هدف نبيل. لكن الكاميرات يفترض أن يسبقها شوارع مخدومة وفقا لمعيار قانوني قابل للقياس وموظفون ثمة من يراقبهم عند ممارسة المراقبة للمجتمع.
ثمة من يحاجج بأن تعزيز مساحات الالتزام القانوني عند المواطنين في أي مجتمع تحت عنوان المراقبة الإلكترونية حصرا وعبر الكاميرات الذكية يتطلب ثقة المواطنين بأن من يتخذون قرارات مصيرية تخصهم في الإدارة العامة يتمتعون أيضا بقدر من الذكاء يفوضهم لاستخدام التقنيات الذكية.
على المواطن الشعور بأن الدولة تختار الأذكى والأفضل والأكثر إنتاجية ومهنية لمراقبته وضبط سلوكه وإزعاج محفظته المالية البائسة وتطبيق قاعدة “من أمن العقوبة أساء الأدب”.
بدون معالجة أزمة الأدوات وعدم فهم من يتخذ ماذا من القرارات ومتى ولماذا؟ سيستمر شعور الجمهور بأن هدف المراقبة والكاميرات هو الجباية وهذا طبعا ينطوي على مبالغة وتشويه، لأن النهاية في صالح المجتمع كما يفترض الكثيرون.
يحاجج آخرون بأن أصحاب القرار المفوضين في اتخاذ قرارات العقوبة والغرامات والمخالفات المالية في المجتمعات الديمقراطية هم منتخبون في الأصل لأن الناخب.
إن ضبط سلوك المواطن إلكترونيا وعبر الذكاء الصناعي يتوجب أن يتوازى مع ضبط سلوك الموظف من حيث الأداء.
يحاسب ممثله صاحب القرار في النهاية عن أي تقصير في الانتخابات التالية عندما يتعلق الأمر بخدمات القطاع العام.
لذلك يصبح تركيب كاميرات تضبط مخالفات المواطنين داخل السيارة وليس خارجها فقط مثل الأكل والشرب والتدخين واستعمال الخلوي خطوة تطويرية وقفزة حضارية وقانونية فقط في الحالة التي تشمل وجود طرق بأعلى المعايير.
وكوادر مراقبة تتميز بقدرات إضافية على المتابعة والرصد خلافا لخدمات سلاسل تزويد على الطرق وعند الإشارات الضوئية أو بالقرب من تلك الكاميرات ومنطق مفهوم في ترخيص المركبات.
ليس سرا لدى المواطنين شعور عام يعتبر الخدمات العامة من حيث النوعية والكفاءة تتراجع في الصحة والتعليم وفي الأشغال.
وليس سرا القول إن ضبط سلوك المواطن إلكترونيا وعبر الذكاء الصناعي يتوجب أن يتوازى مع ضبط سلوك الموظف من حيث الأداء والإنتاجية في القطاع العام من طرف مقابل.
عندما تقوم المؤسسات بواجبها تجاه مجتمع فقير، وتزداد الرواتب لأول مرة منذ 15 عاما مقارنة بارتفاع مستوى التضخم يصبح تركيب الكاميرات خطوة في الاتجاه التكاملي السليم.
الواقع أن الكاميرا منصفة ولا تخطئ.
لكن من يخطئ قد يكون الموظف الذي يديرها.
البيئة أيضا مثل النظافة مهمة جدا لكن الوزارة التي قررت ضبط سلوك المواطن في إلقاء النفايات عليها القيام بواجبها مع المؤسسات البلدية في مراقبة الحاويات وفئات الموظفين المكلفين بتنظيف الأزقة والحارات.
لا أحد يمكنه الاعتراض على مسطرة قانونية عبر كاميرا ذكية تطبق على الجميع وبدون استثناء. تلك خطوة منشودة في الإصلاح الإداري العام.
لكن مراقبة المراقبين مطلوبة ووجود أساس لاختيار كبار الموظفين مفهوم وقابل للقياس غطاء مؤسسي لا يمكن الاستهانة بأهميته وبصمته ودوره خلافا دوما لكاميرات تراقب الذكاء وهي تقرر التعيينات.
تحسين بيئة خدمات القطاع العام يحتاج لكاميرات أذكى من تلك المزروعة في الشوارع أو التي ستزرع لاحقا.
رفع رواتب موظفي القطاع العام خطوة تجذب الاستثمارات وتحسين الخدمات هو المدخل لوقف الوصفات الشعبوية التي تتهم الكاميرات الذكية قبل تركيبها.
المسألة باختصار أبعد وأعمق وأذكى من الكاميرات الذكية المنصوبة اليوم في الشوارع العامة.
"القدس العربي"