facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




خريجون بلا ذاكرة: حين تنفصل الشهادة عن الوعي


د. ربا زيدان
18-02-2026 12:31 AM

في إحدى المحاضرات، خرج السؤال خارج سياق المادة، لم يكن جزءًا من الاختبار، ولا من الخطة التدريسية، كان مجرد محاولة لفتح نافذة. سألت: هل يعرف أحدكم من هو مارتن لوثر كينغ؟ ساد الصمت. انتظرت قليلًا، ثم سألت عن صلاح الدين، ثم عن غاندي، لم يكن الصمت هذه المرة علامة تردد، بل علامة مسافة. كأن هذه الأسماء تنتمي إلى زمن آخر، لا يمتد أثره إلى الحاضر، ولا يمس حياة الجالسين في القاعة.

في تلك اللحظة، لم يكن القلق متعلقًا بمعلومة غائبة، بل بشيء أعمق. لأن غياب هذه المعرفة لا يعني فقط فقدان أسماء أو أحداث، بل فقدان الإطار الذي يمنح الإنسان موقعه في العالم. كيف يمكن للفرد أن يفهم نفسه، إن لم يفهم الطريق الذي قاده إلى هنا؟ كيف يمكنه أن يكون جزءًا من الحاضر، إن كان معزولًا عن الماضي الذي شكّله؟

الجامعة، في جوهر فكرتها، لم تكن يومًا مجرد محطة للحصول على شهادة. كانت دائمًا مساحة لإعادة تشكيل العقل. مكانًا يكتشف فيه الطالب أن تخصصه ليس جزيرة منفصلة، بل جزء من سياق أوسع. طالب الإعلام، مثلًا، لا يدرس فقط كيف يكتب خبرًا أو ينتج محتوى، بل يفترض أن يفهم كيف تشكّلت المجتمعات التي يخاطبها، وكيف أثّرت الأفكار والكلمات، عبر التاريخ، في مسار الشعوب. لأن الإعلام، في جوهره، ليس نقلًا للواقع فقط، بل تفسيرًا له.

المعرفة العامة، أو ما يمكن تسميته بالمعرفة الأفقية، ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي البنية الأساسية لأي وعي حقيقي. هي التي تسمح للفرد أن يربط بين ما يتعلمه وما يعيشه. أن يفهم أن الأحداث لا تقع بمعزل عن سياق، وأن الواقع ليس لحظة منفصلة، بل امتداد لتاريخ طويل من التحولات. بدون هذا الامتداد، تصبح المعرفة مجزأة، بلا عمق، وبلا قدرة على إنتاج معنى.

تشير تقارير دولية عديدة إلى أن هذه الظاهرة ليست محلية فقط، بل جزء من تحوّل أوسع في طبيعة التعليم المعاصر. تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أشار إلى أن أحد التحديات الأساسية التي تواجه التعليم اليوم هو تراجع المعرفة العامة لصالح التركيز على المهارات التقنية القابلة للقياس. وفي دراسة أخرى، تبيّن أن نسبة ملحوظة من الشباب، رغم حصولهم على تعليم جامعي، تفتقر إلى معرفة أساسية بأحداث وشخصيات شكّلت العالم الحديث. لم يكن هذا مؤشرًا على ضعف القدرة، بل على تغيّر في طبيعة العلاقة مع المعرفة نفسها.

المشكلة لا تكمن في الطلبة وحدهم، بل في السياق الذي يتشكلون داخله. نحن نعيش في زمن السرعة، حيث تختزل المعرفة في مقاطع قصيرة، وحيث تصبح المعلومة شيئًا يُستهلك، لا شيئًا يُبنى عليه. في هذا السياق، يصبح الهدف هو اجتياز الامتحان، لا توسيع الأفق. تصبح الشهادة نهاية الرحلة، لا بدايتها.

لكن الجامعة، في معناها الحقيقي، لم تُنشأ لتكون مكانًا للعبور فقط، بل مكان للتحول. التحول من متلقٍ إلى مفكر، من مستهلك للمعلومات إلى قادر على تحليلها. لأن المهارة، مهما كانت متقدمة، لا تكفي وحدها. يمكن لأي شخص أن يتعلم كيف يستخدم أداة، لكن فهم متى ولماذا يستخدمها يتطلب وعيًا أوسع. الوعي لا يُختزل في تخصص، بل يتشكل من تراكم المعرفة، ومن إدراك أن لكل فكرة جذورًا، ولكل واقع تاريخًا.

القلق الحقيقي لا يتعلق بالحاضر فقط، بل بالمستقبل القريب. لأن هؤلاء الطلبة أنفسهم سيصبحون، بعد سنوات قليلة، صحفيين، ومعلمين، وصناع قرار. سيكتبون، وسيشرحون، وسيؤثرون في وعي الآخرين. والسؤال الذي يفرض نفسه: أي نوع من الوعي سينقلونه، إن كان هذا الامتداد الثقافي غائبًا عن تجربتهم التعليمية؟

الأمم لا تُبنى بالمهارات وحدها، بل بالوعي. الوعي الذي يجعل الفرد قادرًا على أن يفهم مجتمعه، وأن يدرك قيمة ما ينتمي إليه. لأن الثقافة، في النهاية، ليست مجرد معرفة بالماضي، بل هي ما يمنح الحاضر معناه، وما يسمح للمستقبل أن يكون امتدادًا، لا انقطاعًا.

الشهادة قد تفتح بابًا إلى وظيفة، لكنها لا تفتح بالضرورة بابًا إلى الفهم. والفهم، وحده، هو ما يجعل الإنسان أكثر من مجرد خريج. هو ما يجعله فردًا قادرًا على أن يرى أبعد من اللحظة، وأن يدرك أن وجوده ليس مجرد نقطة عابرة، بل جزء من قصة أطول. قصة لا يمكن أن تستمر، إن لم يكن هناك من يعرفها .

"الرأي"





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :