الذكاء الاصطناعي وانتحال الهوية: عندما تصبح صورتك جريمة
المحامي الدكتور محمد خليف المجالي
18-02-2026 12:49 AM
تخيل أن تستيقظ صباحا لتجد مقطع فيديو لك تتحدث فيه بكلمات لم تقلها، أو صورة تظهر فيها في موقف لم تعشه. هذا السيناريو لم يعد خيالا، بل أصبح واقعا فرضته تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي فتحت الباب أمام نوع جديد من الجرائم الرقمية يعرف بالتزييف العميق((Deepfake، حيث يمكن توليد صور وأصوات ومقاطع فيديو مزيفة بدقة عالية يصعب اكتشافها.
صورة مزيفة وجريمة حقيقية
لم يعد التلاعب الرقمي مجرد وسيلة للترفيه، بل تحول إلى أداة للتشهير والابتزاز والاحتيال المالي وانتحال الهوية. فقيام شخص بإنشاء صورة أو صوت أو شخصية رقمية لشخص آخر دون علمه أو إذنه يعد اعتداء مباشرا على حقوقه الشخصية، ويؤسس لمسؤولية قانونية مدنية وجزائية. وتكمن خطورة هذه الجرائم في سرعة انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن لمحتوى مزيف أن يصل إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق قليلة.
الأساس القانوني لحماية الخصوصية
تشدد التشريعات الحديثة، ومنها التشريع الأردني، على حماية الخصوصية والسمعة والهوية الرقمية للأفراد. فالاسم والصورة والصوت تعد من عناصر الشخصية القانونية، ولا يجوز استغلالها دون موافقة صريحة. ويكفل القانون حق الإنسان في حماية حياته الخاصة وكرامته، ويعد أي اعتداء عليها فعلا غير مشروع يستوجب المساءلة.
النصوص القانونية في التشريع الأردني
يحمي القانون الأردني الأفراد من هذه الاعتداءات من خلال عدة نصوص قانونية، من أبرزها المادة 256 من القانون المدني الأردني التي تقرر أن كل إضرار بالغير يلزم فاعله بالتعويض، سواء كان الضرر ماديا أو معنويا. كما تجرم نصوص قانون العقوبات الأردني أفعال الذم والقدح والتحقير إذا مست شرف الإنسان واعتباره.
ويضاف إلى ذلك قانون الجرائم الإلكترونية رقم 17 لسنة 2023، الذي يجرم نشر المعلومات الكاذبة أو المحتوى المسيء عبر الوسائل الإلكترونية، ويعاقب على انتحال الشخصية الإلكترونية واستخدام البيانات الشخصية دون إذن.
مسؤولية جزائية ومسؤولية مدنية
من الناحية القانونية، يترتب على استخدام الذكاء الاصطناعي دون إذن نوعان من المسؤولية.
أولا، المسؤولية الجزائية، إذ قد يشكل استخدام المحتوى المزيف للتشهير أو الإساءة أو الاحتيال جريمة يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامة، خصوصا إذا أدى ذلك إلى تضليل الجمهور أو الإضرار بسمعة الشخص أو مصالحه.
ثانيا، المسؤولية المدنية، حيث يحق للمتضرر رفع دعوى تعويض عن الضرر المادي والمعنوي، والمطالبة بإزالة المحتوى المزيف ووقف نشره. ويكفي لإثبات هذه المسؤولية إثبات الخطأ والضرر والعلاقة السببية بينهما.
خطر يهدد الثقة في المحتوى الرقمي
أن انتشار التزييف العميق قد يقوض الثقة في المحتوى الإعلامي والأدلة الرقمية، ويجعل من الصعب التمييز بين الحقيقة والزيف. كما يفتح المجال أمام الابتزاز الرقمي والاحتيال وانتحال الهوية، ما يشكل تهديدا للأمن القانوني والاجتماعي، ويطرح تحديات جديدة أمام القضاء في إثبات الجرائم الإلكترونية.
الحاجة إلى تشريع خاص بالذكاء الاصطناعي
أرى الى ضرورة سن تشريعات خاصة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحدد المسؤوليات القانونية للمطورين والمستخدمين والمنصات الرقمية. وضرورة و أهمية رفع الوعي المجتمعي بمخاطر التزييف العميق وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات قبل تداولها، لحماية الأفراد والمؤسسات من التضليل الرقمي.
يبقى الذكاء الاصطناعي سلاحا ذا حدين، فهو أداة للابتكار والتقدم العلمي والاقتصادي، لكنه قد يتحول إلى وسيلة خطيرة لانتهاك الحقوق إذا استخدم دون ضوابط قانونية وأخلاقية. ويجب ان يتجه المستقبل القانوني نحو تشديد الرقابة والعقوبات على إساءة استخدام هذه التقنيات، حماية للخصوصية والكرامة الإنسانية في العصر الرقمي، وضمانا لثقة المجتمع في التكنولوجيا الحديثة .