تصاعدت المواقف السياسيّة بين واشنطن وطهران، خصوصًا وأنّ وزير الخارجيّة الأميريكي ماركو روبيو أبدى تشاؤمه من التوصّل لاتفاق، في وقت أبدت فيه طهران من خلال مسؤوليها استعدادها للمفاوضات، شريطة أن تكون عادلة.
كل ذلك جاء وسط رسائل عسكريّة أوصلها الحرس الثوري الإيراني من مضيق هرمز.
فهل تحدث المعجزة الدبلوماسيّة ويصل الطرفان إلى اتفاق؟ أم أنّ الطريق تتجه نحو التصعيد وهو الأقرب؟
وزير الخارجية روبيو قال بأنّه من الصعب إبرام صفقةٍ مع إيران، في وقت أكّد فيه أنّ رئيس بلاده دونالد ترامب يفضل الخيارات السلميّة، والذي أبدى استعداده للقاء وحديث مع أيّ طرفٍ أو شخصيّة إيرانيّة.
أمام تشاؤم روبيو خرج وزير الخارجيّة الإيراني عباس عراقجي في جنيف بأنّ بلاده تحمل أفكارًا واقعيّة للتوصل إلى اتفاقٍ عادلٍ ومنصف، مضيفًا بأنّ ما يطرح على الطاولة هو الخضوع للتهديد.
طهران تمسّكت بشروطها، المتضمنة رفع العقوبات بشكلٍ مباشر، وحقّها في التخصيب السلمي لليورانيوم.
وبينما كانت تلوّح واشنطن بضرب إيران في حال فشل الاتفاق، كان الحرس الثوري الإيراني ينفذُ مناوراتٍ عسكريّة في مضيقِ هرمز والذي كانت تهدد إيران بإغلاقه، رغم أنّه الشريان المهم لعبور نحو عشرين بالمئة من الانتاج العالمي للنفط. المناورات جاءت لاختبار جاهزيّة القوات، في ظل التهديدات الأميريكيّة.
وعلى وقع المفاوضات في جولتها الأولى في عُمان، والثانية في جنيف، يكمن التساؤل حول إمكانية بقاء القوات الأميريكيّة في حالة من الاستنفار خلال مدّة زمنيّة طويلة؟
فهل تحسم المفاوضات نفسها؟ وهل تقدّم إيران تنازلاتٍ بالفعل أم أنّ الضربة العسكريّة باتت واقعا لا مفرّ منه؟.
إيران قاربت على خط النهاية، وساعة الصفر أوشكت، في وقت نجح الرئيس ترامب في تهيئة الرَّأي العام الأميريكي لهذهِ الحرب المتوقعة في أيّ لحظة.
خلال الأيام الماضية تمسّك وزير الخارجيّة الأميريكي روبيو في تصريحاته بأهمية المفاوضات، وكأنّه أراد بذلك التخفيف من حدّة الضغط السياسي في الداخل الأميريكي، باعتبار أنّ واشنطن استنفدت خياراتها السلميّة، قبل التوجه لهذهِ الحرب المحتملة، التي من الممكن أن تصل مدتها الزمنية إلى نحو الشهرين في حدها الأقصى؛ لأنّ الحرب إذا كانت ستستمر أكثر من هذهِ المدّة تحتاج إلى موافقة الكونغرس الأميريكي، حسب القانون الأميريكي؛ رغم أنّ الضربات العسكريّة الأميريكيّة في حال وقوعها قد تكون لأيام وربما تصل إلى أسبوعين أو أكثر.
رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير قال في تصريحاتٍ له أمس الأول إن الجيش سيواصل خلال العام الجاري تنفيذ عمليات هجوميّة مكثفة؛ وهو ما يشير إلى الدور الإسرائيلي المحتمل في توجيه ضربات عسكريّة لإيران، سيما وأنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فشل بعد أحداث السابع من أكتوبر لعام 2023، من شل إيران وأذرعها في المنطقة، بقدر ما تمكن في اضعافها.
تل أبيب التي زوّدت واشنطن بمعلومات استخباراتيّة تجاه أهداف إيرانيّة في غاية الأهميّة، تنتظر من واشنطن المبادرة في شن الضربات العسكريّة. وربما تتجه إسرائيل إلى ضرب منشآت الصواريخ الإيرانيّة البالستيّة في حال لم تقصف من قبل القوّات الأميريكيّة.
كما أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفع سقف الضغط، مطالبًا بتفكيك البنية النوويّة وإخراج اليورانيوم المخصب من إيران.
أمام هذهِ الأحداث المعقدة يكمن التساؤل أيضًا حول مدى استفادة واشنطن من تجاربها الحربيّة السابقة في العراق وأفغانستان، والتي أفضت إلى سنواتٍ من الفوضى في المنطقة. وهل استخلصت واشنطن الدروس والعبر من الحروب التي خاضتها في منطقة الشرق الأوسط سيما أمام طبيعة تضاريس إيران المعقدة؟
مما لا شك به بأنّ الولايات المتحدة في حال اتجهت إلى خيار الحرب أو الضربات العسكريّة، فإنّ ذلك يكون من خلال البحر والجو، دون اللجوء إلى إدخال قواتٍ بريّة، حتى تتجنب الخسائر الفادحة، في وقت تهدف واشنطن إلى تدمير القدرات النوويّة الإيرانيّة وكذلك البالستية، وإنهاء علاقة طهران مع أذرعها في لبنان والعراق واليمن.
كما أنّ سياسة الرئيس ترامب ترنو إلى خلخلة النظام الإيراني، بما يكفل إسقاطه من تلقاء نفسه، خصوصًا في ظل الضغوط الاقتصاديّة التي تتعرّض لها إيران، إضافة إلى الحرب النفسيّة التي تعيشها.
ورغم أن الجانب الإيراني الذي يتقن فن شراء الوقت من خلال المفاوضات، إلا أنّ الأيام المقبلة ستشهد مفاجآت، في وقت من المستبعد فيه أن يتقبّل الرئيس ترامب فكرة إضاعة وقته في المفاوضات التي يؤمن بأنّها عبثيّة، وهو أمر تدركه طهران التي انكشف أمرها، دون أن تقدّم تنازلات مقبولة لدى الجانب الأميريكي الذي يرفض فكرة تخصيب اليورانيوم ويطلب إنهاء المشروع النووي، أو وجود الصواريخ البالستيّة، وإعلان الطلاق مع الأذرع الإيرانيّة في المنطقة. ما تريده واشنطن هو أبعد من ذلك، من خلال تشديد العقوبات الاقتصاديّة بهدف تضييق الخناق على طهران عسكريًا واقتصاديًا.
الضغط العسكري ليس الورقة الوحيدة بيد واشنطن لدفع طهران للرضوخ للقبول بمطالبها بشأن برنامجها النووي وصواريخها البالستيّة، فهناك أدوات أخرى تستخدم بالفعل أبرزها سلاح العقوبات، سيما المفروضة على قطاع النفط وتقييد بيع النفط إلى الصين التي تستورد وحدها نحو ثمانين بالمئة من صادرات النفط الإيراني، في وقت يتجاوز إنتاج إيران ثلاثة ملايين برميلٍ يوميًا. وتستخدم العائدات من المشتريات الصينيّة في تمويل الأنشطة العسكريّة لطهران، وتعزيز نفوذها ونفوذ وكلائها في المنطقة.
وبعد الجولة الثانية من المفاوضات، تدور تساؤلات حول إمكانيّة عرض تسويات اللحظة الأخيرة، وهل ستأخذ واشنطن أيّ تسويات إيرانيّة يمكن أن تقدّم على محمل الجد؟
وماذا بعد الخيارات الأميريكيّة تجاه إيران والتي يعد أحلاهما مُر؟!
"الرأي"