بين العدالة الاجتماعية والانضباط المالي: قراءة في إصلاحات الضمان 2026
د. مثقال القرالة
19-02-2026 11:19 AM
يمثّل مشروع القانون المعدّل للضمان الاجتماعي لسنة 2026 نقطة تحوّل مفصلية في البنية المالية الاكتوارية لمنظومة الحماية الاجتماعية، ليس بوصفه حزمة تعديلات تنظيمية معزولة، بل باعتباره إعادة تأسيس ضمنية للعقد الاجتماعي بين الدولة والمشتركين على قاعدة الاستدامة طويلة الأجل بدلاً من منطق الإشباع الآني للمطالب الاجتماعية. فأنظمة التقاعد، في جوهرها، لا تعمل كأوعية ادخار فردية بقدر ما تمثل التزامات سيادية مؤجلة التمويل، تُدار عبر آلية تحويل الموارد بين الأجيال (Intergenerational Transfers) ، حيث تموَّل حقوق المتقاعدين الحاليين من اشتراكات القوة العاملة النشطة. وفي ظل هذا التصميم، فإن أي اختلال مزمن في التوازن بين التدفقات الداخلة (الاشتراكات وعوائد الاستثمار) والتدفقات الخارجة (المنافع التقاعدية) يتحول تدريجياً إلى عجز اكتواري تراكمي قد يتجاوز حدود الصندوق ليشكّل خطراً كامناً على الاستقرار المالي الكلي للدولة. من هذا المنظور، يمكن قراءة التعديلات المقترحة كمحاولة واعية لإعادة معايرة المعادلة الاكتوارية للنظام عبر تضييق فجوة التمويل المستقبلية وتحسين نسبة كفاية الأصول إلى الالتزامات (Funding Ratio) ، وهي فجوة تتسع بطبيعتها تحت ضغط عاملين بنيويين: الارتفاع المطّرد في متوسط العمر المتوقع من جهة، والتباطؤ النسبي في نمو القوى العاملة نتيجة التحولات الديموغرافية وأنماط العمل الحديثة من جهة أخرى. وعليه، فإن رفع سن التقاعد تدريجياً لا يُعد إجراءً إدارياً بحتاً، بل أداة مالية مزدوجة الأثر؛ إذ يطيل أفق التحصيل التأميني ويؤخر في الوقت ذاته لحظة بدء الاستحقاق، ما يفضي إلى خفض القيمة الحالية للالتزامات المستقبلية (Present Value of Liabilities) وتحسين المركز الاكتواري للصندوق دون المساس المباشر بمستوى المنافع الاسمية.
وبالمثل، فإن زيادة عدد الاشتراكات اللازمة لاستحقاق التقاعد تمثل، في جوهرها، إعادة تسعير ضمنية للمنافع التقاعدية بحيث تصبح أكثر التصاقاً بحجم التمويل الفعلي الذي يقدمه المشترك طوال مسيرته المهنية. هذا التوجه ينسجم مع مبادئ العدالة الاكتوارية التي تربط بين الاشتراك والمنفعة، ويحد من أنماط الدعم المتقاطع غير المرئي بين الأجيال أو بين فئات الدخل المختلفة داخل الجيل الواحد. أما تضييق نطاق التقاعد المبكر وتحويله من مسار شائع إلى استثناء مشروط، فيُعد من منظور محاسبة نظم التقاعد إجراءً تصحيحياً حتمياً، نظراً لأن التقاعد المبكر يمثل أحد أهم مصادر الاستنزاف المالي؛ إذ يفرض صرف معاشات لفترات أطول مقابل مدد اشتراك أقصر، مولّداً ما يشبه “التزامات ضمنية غير ممولة” (Implicit Unfunded Liabilities) تتراكم ببطء حتى تتحول إلى عبء ثقيل على الاستدامة. في المقابل، لا يغفل المشروع بعده الاجتماعي؛ فرفع الحد الأدنى لمعاشات المتقاعدين من ذوي الدخول المتدنية يعكس توجهاً نحو إعادة توزيع داخلية تستهدف تحصين الفئات الهشة ضد مخاطر الفقر في الشيخوخة. غير أن هذه السياسة، رغم مشروعيتها الاجتماعية، تترتب عليها زيادة مباشرة في المصروفات الجارية، ما يستدعي موازنتها عبر أدوات ضبط أخرى، مثل توسيع قاعدة المشتركين أو تحسين كفاءة إدارة المحافظ الاستثمارية للصندوق. وهنا تبرز أهمية إدماج فئات جديدة، ولا سيما العاملين في أنماط العمل غير التقليدية والعمل الحر والمنصات الرقمية، حيث إن توسيع الوعاء التمويلي يُعد من أكثر الآليات فعالية لتعزيز الاستدامة دون اللجوء إلى رفع معدلات الاشتراك أو تقليص المنافع.
كما أن منح مؤسسة الضمان استقلالية مؤسسية أوسع في اتخاذ القرار، على غرار النماذج المعتمدة في إدارة السياسات النقدية، يحمل دلالة مالية تتجاوز الشكل التنظيمي؛ إذ يهدف إلى تحييد القرارات الاستثمارية والتأمينية عن الضغوط السياسية قصيرة الأجل التي قد تدفع نحو توسيع المنافع دون توفير مصادر تمويل مقابلة. فالاستقلال المؤسسي يعزز جودة الحوكمة، ويمكّن من إدارة الأصول وفق معايير احترافية تركز على تعظيم العائد المعدل بالمخاطر (Risk-Adjusted Return)، وهو عنصر حاسم في قدرة أي صندوق تقاعدي على الوفاء بالتزاماته المستقبلية في بيئة تتسم بتقلبات الأسواق وتراجع العوائد الحقيقية على المدى الطويل. وفي السياق ذاته، فإن تشديد الغرامات على المنشآت التي تتحايل عبر عدم شمول العاملين أو التصريح بأجور أدنى من الأجور الفعلية يعكس إدراكاً متزايداً بأن التهرب التأميني لا يضر بحقوق العاملين فحسب، بل يقوض الأساس المالي للنظام بأسره من خلال تقليص الإيرادات الحالية وخلق التزامات مستقبلية غير ممولة. إن رفع مستوى العقوبات بالتوازي مع منح فترات تصويب دون جزاءات فورية يجسد مزيجاً محسوباً من الردع والتحفيز على الامتثال الطوعي، بما يسهم في إدماج الاقتصاد غير المنظم ضمن المنظومة الرسمية دون إحداث صدمات تشغيلية مفاجئة.
أما على مستوى المشتركين، فإن القانون يطرح معادلة دقيقة بين المكاسب الآنية والتضحيات المؤجلة؛ فهو من جهة يعزز موثوقية النظام ويزيد احتمالية استمرارية صرف المعاشات للأجيال القادمة، ويحمي أصحاب الدخول المحدودة، ويحافظ على الحقوق المكتسبة قبل نفاذ التعديلات، لكنه من جهة أخرى يفرض واقعاً جديداً يتمثل في إطالة العمر المهني وتقييد مسارات الخروج المبكر من سوق العمل. وقد يثير هذا التحول تساؤلات حول أثر بقاء كبار السن لفترات أطول في سوق العمل على ديناميكيات تشغيل الشباب، ما يجعل نجاح الإصلاح رهناً بتبني سياسات اقتصادية موازية قادرة على تحفيز خلق فرص عمل جديدة وتعزيز إنتاجية الاقتصاد.
في المحصلة، يعكس مشروع القانون انتقالاً واعياً من نموذج “التوسع الاجتماعي غير الممول” إلى نموذج “الاستدامة المالية المنضبطة”، وهو انتقال تمليه التحولات الديموغرافية والاقتصادية العالمية بقدر ما تفرضه الاعتبارات المحلية. فالأنظمة التقاعدية التي تتجاهل الحسابات الاكتوارية الدقيقة قد تحقق رضاً مجتمعياً مؤقتاً، لكنها تؤجل أزمة أعمق إلى المستقبل، في حين أن الإصلاحات الهيكلية الصعبة اليوم، رغم كلفتها الاجتماعية قصيرة الأجل، تمثل بوليصة تأمين ضد مخاطر الانهيار غداً. وعليه، يمكن النظر إلى هذا المشروع بوصفه سعياً لإعادة ضبط التوازن بين كرامة المتقاعد وكفاءة المالية العامة، وبين العدالة بين الأجيال واستدامة الموارد، وصولاً إلى بناء نظام تأميني قادر على الصمود لعقود مقبلة، لا مجرد اجتياز استحقاقات مرحلية.