الضمان الاجتماعي: قراءة تحليلية في تعديلات القانون على ضوء الدراسة الاكتوارية
د. حمد الكساسبة
21-02-2026 10:50 AM
أثارت التعديلات على قانون الضمان الاجتماعي نقاشًا واسعًا، ولم يكن الجدل فنيًا بحتًا، بل مسّ جوهر العلاقة بين المشترك والنظام. فالقضية لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل بدرجة الثقة في قدرة النظام على الاستمرار والوفاء بالتزاماته. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل تمثل هذه التعديلات إصلاحًا استباقيًا يعزز الاستدامة، أم أنها استجابة متأخرة لاختلالات تراكمت عبر الزمن؟
ولفهم أبعاد هذا النقاش، لا بد من العودة إلى طبيعة النظام ذاته، فالضمان الاجتماعي ليس حسابًا ادخاريًا فرديًا، بل نظام تضامني يقوم على تمويل الجيل العامل لرواتب الجيل المتقاعد. وعليه، فإن استدامته ليست مسألة سياسية بقدر ما هي معادلة مالية واضحة، فإذا اختل أحد عناصرها فرضت الأرقام منطقها في النهاية. ومع ارتفاع متوسط العمر المتوقع في الأردن إلى أكثر من 74 عامًا، أصبحت مدة صرف الرواتب التقاعدية أطول، وهو ما يزيد الضغط على التوازن المالي ويجعل مسألة الإصلاح أكثر إلحاحًا.
وفي هذا السياق جاءت التعديلات استنادًا إلى الدراسة الاكتوارية، فتضمنت رفع سن التقاعد تدريجيًا إلى 65 عامًا للذكور و60 عامًا للإناث، وزيادة مدة الاشتراكات اللازمة للتقاعد الوجوبي إلى 240 اشتراكًا، واشتراط 360 اشتراكًا للتقاعد المبكر، إضافة إلى رفع الحد الأدنى للراتب التقاعدي إلى 200 دينار، والعمل على توسيع الشمول التأميني. وهي خطوات منطقية من زاوية الحسابات المالية، غير أنها تركز على شروط الاستحقاق أكثر من تركيزها على البنية الاقتصادية التي تحكم قدرة النظام على التمويل.
ومن هنا يتقدم السؤال الأعمق: هل يكفي تعديل شروط الاستحقاق لضمان الاستدامة؟ فالتحدي الحقيقي لا يكمن في سن التقاعد وحده، بل في نسبة المشتركين الفاعلين إلى المتقاعدين الذين يتقاضون رواتب تقاعدية. وهذه النسبة تمثل المؤشر الأهم لسلامة التوازن المالي، وكلما تراجعت قاعدة المشتركين مقارنة بعدد المستفيدين ازداد الضغط على الموارد وتعقد تمويل الالتزامات المستقبلية. ولذلك فإن أي إصلاح لا يتعامل مباشرة مع هذه المعادلة يظل إصلاحًا جزئيًا مهما بلغت أهميته.
وعند هذه النقطة يتداخل الإصلاح التأميني مع واقع سوق العمل، فلا يمكن فصل نجاح التعديلات عن مستويات التشغيل في الاقتصاد الوطني. فارتفاع معدلات البطالة، واتساع نطاق العمل غير المنظم، وضعف خلق فرص العمل الرسمية، كلها عوامل تقلص قاعدة الاشتراكات وتحد من نمو الإيرادات التأمينية. ومن ثم فإن الإصلاح التأميني، مهما كان دقيقًا حسابيًا، سيبقى محدود الأثر ما لم يترافق مع سياسات تعزز التشغيل الرسمي وترفع الإنتاجية وتدعم الاستثمار المنتج.
ومن هذا المنطلق فإن توسيع الشمول التأميني وزيادة فرص العمل الرسمية لا يُعدّان إجراءات مكملة فحسب، بل يمثلان شرطًا جوهريًا لتعزيز الاستدامة. فكل وظيفة رسمية جديدة تعني مساهمًا إضافيًا يدعم التدفقات المالية الجارية، وفي المقابل فإن استمرار خروج فئات من سوق العمل عن المظلة التأمينية يعني تأجيل فجوة تمويلية قد تتسع بمرور الوقت وتتحول إلى عبء أكبر في المستقبل.
غير أن الاستدامة لا تعتمد على الاشتراكات وحدها، بل تتأثر كذلك بكفاءة إدارة الموارد المتراكمة، فالأداء الاستثماري للمؤسسة يمثل ركيزة أساسية لدعم التمويل طويل الأجل، وكل تحسن في العوائد الحقيقية المستقرة يخفف من الضغوط المستقبلية. وإذا كانت التقديرات تشير إلى ضغوط قادمة، فإن جزءًا من المعالجة يرتبط برفع كفاءة القرارات الاستثمارية وتعزيز الحوكمة والشفافية، لأن هذه الأموال تمثل مدخرات أجيال، وأي ضعف في إدارتها ينعكس مباشرة على أفق النظام وثقة المشتركين به.
وإلى جانب ذلك يبرز بعدٌ آخر يتعلق بإدارة المخاطر الاقتصادية الدورية، فالاقتصاد قد يمر بفترات تباطؤ أو ارتفاع في البطالة تؤثر مؤقتًا على الإيرادات التأمينية. ومن هنا يمكن التفكير في إنشاء آلية استقرار تأمينية أو صندوق احتياطي مخصص لامتصاص التقلبات قصيرة الأجل، بحيث يُستخدم لدعم التوازن المالي في فترات الانكماش دون اللجوء إلى تعديلات مفاجئة في شروط الاستحقاق، وهو ما يعزز مرونة النظام ويمنحه استقرارًا مؤسسيًا أعلى.
وأخيرًا، فإن الاستدامة ليست قرارًا تشريعيًا لحظيًا، بل عملية توازن مستمرة بين شروط الاستحقاق، وقوة سوق العمل، وكفاءة الاستثمار، وإدارة المخاطر. ولذلك فإن التعديلات الحالية تمثل خطوة مهمة ضمن مسار إصلاحي أوسع، لكنها ليست نهاية الطريق. فالأنظمة التقاعدية لا تنهار فجأة، لكنها تتآكل تدريجيًا إذا تُركت اختلالاتها دون معالجة، ومن ثم فإن الخيار اليوم ليس بين تعديل القانون أو الإبقاء عليه، بل بين إصلاح متكامل الآن أو تحمل تكلفة أعلى لاحقًا، والاستدامة في نهاية المطاف لا تُقاس بحجم النقاش، بل بقدرة النظام على الوفاء بوعوده للأجيال القادمة دون أعباء غير ممولة.