facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الضمان الاجتماعي: نحو إصلاح هيكلي يحمي الأجيال ولا يثقل كاهل العمال


د.عبدالله القضاة
21-02-2026 10:57 AM

يشكل النقاش الدائر حول تعديل قانون الضمان الاجتماعي، وتحديداً مقترح رفع سن التقاعد، لحظة مفصلية في مسيرة الدولة الاجتماعية الأردنية. إن هذا القرار لا يمثل مجرد مسألة فنية محايدة، بل هو قرار يمس العقد الاجتماعي ويعيد تعريف مفهوم العدالة بين الأجيال.

لا يختلف اثنان على أولوية الاستدامة المالية لمؤسسة الضمان الاجتماعي. فجميع الدراسات الاكتوارية، محلياً ودولياً، تؤكد أن أنظمة التقاعد التي لا تُراجع معادلاتها في الوقت المناسب، تتحول إلى عبء على الأجيال الشابة. وقد أكدت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن الإصلاحات الناجحة لأنظمة التقاعد لا تقوم على أداة واحدة، بل على مزيج متوازن من السياسات، تشمل سن التقاعد، ومعادلات الاحتساب، وعدالة توزيع المنافع.

والسؤال هنا : هل رفع سن التقاعد هو الخيار الوحيد ؟الإجابة الموضوعية هي: لا. ففي تجارب دول عدة، لم يكن تمديد العمر الوظيفي هو المدخل الأول للإصلاح. بل أعيد تصميم “معامل المنفعة” لاحتواء الكلفة الاكتوارية، وتحقيق عدالة أكبر داخل النظام. واتجهت بعض النماذج إلى تخفيض معامل الاحتساب للشرائح العليا، وربط جزء من المنافع بعوامل الاستدامة طويلة الأمد، بدلاً من تحميل الجميع عبء تمديد سنوات العمل.

في الأردن، تكمن الإشكالية تاريخياً في كلفة التقاعد المبكر وتضخم المنافع لدى فئات معينة، مقارنة بحجم الاشتراكات الفعلية. ومن واقع خبرتي كمدير لإدارة الدراسات والتخطيط الاستراتيجي في المؤسسة، فإن الخلل لا يكمن في إكمال سن الستين بحد ذاته، بل في المعادلة التي تتيح تراكم منافع مرتفعة بكلفة مستقبلية كبيرة.

لذلك، فإن الإصلاح الذكي لا يكون بتمديد سن التقاعد إلى 65 عاماً بشكل شامل، بل بإعادة ضبط معامل المنفعة. فإذا كان الراتب التقاعدي – للمبكر والوجوبي – يُحتسب اليوم بمعامل منفعة (2.5%) لأول 1,500 دينار، و(2%) لما يزيد على ذلك، فإن إدخال معامل جديد بنسبة (1.5%) للجزء الذي يتجاوز 3,000 دينار، مع رفع الاشتراك بنسبة (1%) على هذا الجزء، يحقق توازناً عملياً لعدة أسباب: الحد من تضخم الرواتب التقاعدية المرتفعة دون المساس بذوي الدخول المتوسطة، وتعزيز الإيرادات التأمينية مباشرة، وخلق مساحة مالية تسمح برفع الحد الأدنى للرواتب التقاعدية إلى ما لا يقل عن 220 ديناراً ؛ وهو تجسيد حقيقي لمبدأ التكافل الاجتماعي.

أما صحة المعيار العمري لشيخوخة التقاعد، فأقترح سناً معدلاً ومتوسطاً، وهو 62 عاماً للرجل و58 عاماً للمرأة، مع اشتراك لا يقل عن 20 عاماً. هذا التعديل يراعي طبيعة سوق العمل الأردني، حيث تتراجع فرص التشغيل مع التقدم في السن، ويصعب في كثير من القطاعات ضبط الموظف حتى سن الخامسة والستين.

إن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على تعميم العبء، بل على إعادة توزيع المنافع بعدالة. وتؤكد الأدبيات الحديثة في إصلاح أنظمة الضمان أن العدالة العمودية بين مستويات الدخول لا تقل أهمية عن العدالة بين الأجيال. إن تمديد السن قد يحسن المؤشرات الحسابية على الورق، لكنه قد يولد توترات اجتماعية إذا لم يكن جزءاً من حزمة إصلاح متكاملة. أما تعديل معامل المنفعة، فهو إصلاح هيكلي يعالج أصل الخلل بدلاً من تأجيله.

إن الضمان الاجتماعي ليس مجرد صندوق أرقام، بل هو ركيزة استقرار وطني. ولا تتحقق استدامته بإطالة سنوات العمل وحدها، بل بتصحيح معادلة توزيع العائد التأميني، بما يحمي الصندوق ويعزز الثقة العامة به. إن الإصلاح المطلوب اليوم ليس قراراً سهلاً، لكن يجب أن يكون قراراً عادلاً. والعدالة تبدأ من المعادلة.

* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :