facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ما تمنحه الأديان وما لا تمنحه


القس سامر عازر
24-02-2026 11:38 AM

الأديان في جوهرها ليست دساتير سياسية ولا طابو عقارية، بل رسائل هداية تُعنى بخلاص الإنسان وبتقويمه من الداخل، وترسيخ القيم الروحية والأخلاقية التي تحفظ كرامته وتسمو بسلوكه. فهي تُعنى بالإنسان وضميره وقلبه وسلوكه. لكن يبقى السؤال مطروحاً: هل تمنح الأديان حقوقاً دينية للشعوب والأمم؟ وهل هناك ما يمكن تسميته "حقوقاً دينية"؟

إذا عدنا إلى الرسالة الأساسية للكتاب المقدس، نجد أن الكرامة الإنسانية تنبع من كون الإنسان مخلوقاً على صورة الله ومثاله. هذه الكرامة سابقة لأي انتماء قومي أو عرقي أو جغرافي. فالحق الأول الذي تعلنه السماء هو حق الإنسان في أن يكون إنسانا حراً ومسؤولاً، مدعواً إلى الخير والعدل. ومن هنا، فإن ما تمنحه الأديان ليس "حقوقا دينية" أو "صكوك ملكية" بل "هوية ورسالة".

قد يُستند إلى وعد الله لإبراهيم في سفر التكوين 15 باعتباره منحة أرض لشعب بعينه. غير أن القراءة الإيمانية العميقة لا تقف عند حدود الجغرافيا، بل تنفذ إلى مقاصد الله الخلاصية. فالوعد لم يكن مجرد تحديد مساحة، بل إعلان بركة: "ويتبارك في نسلك جميع قبائل الأرض، أي أن الغاية لم تكن احتكاراً بل شمولاً، ولم تكن إقصاءً بل امتداد نعمة.

ويأتي نور العهد الجديد ليكشف البعد الأوسع للوعد. ففي رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية يوضح الرسول بولس أن المواعيد تحققت في المسيح، وأن الانتماء إلى إبراهيم هو بالإيمان. هنا تتحول الأرض من حدود ترابية إلى أفق روحي، والميراث يصبح ملكوت الله الذي لا تحدّه خرائط.

وإذا كان الله قد وعد بأرض، فماذا عن المعمورة بأسرها؟ أليست "للرب الأرض وملؤها" ؟ إن النظرة الكتابية الشاملة تؤكد سيادة الله على الكون كله، وأن الإنسان وكيل لا مالك مطلق. فالملكية في المفهوم الإيماني مسؤولية أخلاقية، لا امتيازاً استعلائياً.
وهنا تبرز حكمة الفيلسوف جاك ماريتان إذ يقول: "الدين لا يمنح نظاماً سياسياً جاهزاً، لكنه يمنح المبادئ التي بدونها يفسد كل نظام."

وهذا القول يلخص المسألة بدقة: فالدين لا يضع خرائط ولا يرسم حدود دول، لكنه يؤسس الضمير الذي يحكم العدل داخلها. إنه لا يمنح "حقوقاً دينية ودنيوية" بالمعنى القانوني الحديث، لكنه يغرس القيم التي تُبنى عليها تلك الحقوق: الكرامة، العدالة، الرحمة، والمساواة أمام الله.

في ضوء رسالة الخلاص بيسوع المسيح، تتبدل المفاهيم: لم يعد الانتماء إلى أرض هو الضامن للبركة، بل الاتحاد بالمسيح هو المدخل إلى الميراث الحقيقي. فالمسيح لم يأتِ ليؤسس مملكة جغرافية، بل ليعلن ملكوتاً "ليس من هذا العالم" . ومن هنا نفهم وعد الله لإبراهيم لا كامتياز قومي مغلق، بل كبداية مشروع خلاص يشمل البشرية جمعاء.

الأديان إذا لا تعطي "صكوك امتلاك" ، بل تعطي دعوة إلى القداسة والعدل. لا ترسم حدوداً على الخريطة، بل ترسم حدوداً في الضمير. والحق الديني الأسمى ليس حق امتلاك أرض، بل حق معرفة الله والسير في نوره.

وحين يستعيد الإنسان هذا البعد، يدرك أن السماء أوسع من أن تُختزل في وطن، وأن الله أسمى من أن يُحصر في جغرافيا، وأن الوعد الإلهي بلغ كماله في المسيح، الذي به صار العالم كله مدعواً إلى شركة المحبة والسلام.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :