facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الحسن والفكرة المؤسِّسة: من فلسفة “الإنسان أولًا”


أ.د احمد منصور الخصاونة
02-03-2026 01:03 PM

سرّني، بصفتي أكاديميًا، أن يصلني كتاب من المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا يتناول توجّهًا وطنيًا واضح المعالم لتعزيز دور البحث العلمي والابتكار، وربطه بصورة منهجية بأهداف التنمية المستدامة. لم يكن الخطاب مجرد تعميم إداري، بل عكس رؤية استراتيجية تسعى إلى مواءمة السياسات الوطنية في مجالي العلوم والتكنولوجيا مع أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، ضمن إطار تكاملي يربط المعرفة بالفعل التنموي، والبحث العلمي بالأولويات الوطنية.

إن مواءمة السياسات الوطنية للعلوم والتكنولوجيا مع أهداف التنمية المستدامة تمثل انتقالًا من منطق العمل القطاعي المجزّأ إلى منطق الحوكمة المتكاملة. فالتحديات المعاصرة – من الأمن الغذائي والمائي، إلى التحول الرقمي، وصولًا إلى الاقتصاد المعرفي – لا يمكن معالجتها إلا عبر منظومة بحثية مترابطة، تُسهم فيها الجامعات والمراكز البحثية والقطاع الخاص والمؤسسات الحكومية ضمن شبكة تعاون فعّالة. وهذا ما أكّد عليه الكتاب من خلال الدعوة إلى تعزيز التكامل بين هذه الأطراف، بما يضمن تعظيم الأثر التنموي للبحث العلمي.

وفي هذا السياق، يبرز دعم منظومة الابتكار الوطني كأحد المحاور المركزية في التوجه الجديد. فالابتكار لم يعد نشاطًا هامشيًا، بل أصبح ركيزة للنمو الاقتصادي وتعزيز التنافسية الوطنية. ويتطلب ذلك بنية تحتية رقمية متقدمة، وأطرًا تشريعية مرنة، وآليات تمويل تحفّز الريادة، فضلًا عن بيئة أكاديمية صحية تشجع على التفكير النقدي والإبداعي. إن ربط الابتكار بالأولويات الوطنية يضمن توجيه الجهود البحثية نحو قضايا ذات أثر مباشر في المجتمع، بدل الاكتفاء بإنتاج معرفي غير موصول بالسياق المحلي.

ومن أبرز ما يُثري هذا التوجّه الوطني اختيار اسم منصّة الحسن للتعلّم ، أن يحمل اسمًا يرتبط بفكر ورؤية الأمير الحسن بن طلال، وهو اسم اقترن على مدى عقود بالعمل الفكري العميق، والحوار الحضاري، والدعوة إلى بناء منظومات معرفية عربية قادرة على مواكبة العصر دون التفريط بالهوية. الحسن، هذا المفكر العربي الإصلاحي قبل أن يكون صاحب موقع دستوري سابق؛ فقد انشغل مبكرًا بقضايا التنمية المستدامة، والأمن الإنساني، وإدارة الموارد، وحوار الأديان والثقافات. وتميّزت أطروحاته بالجمع بين البعد القيمي والبعد المؤسسي، إذ كان يؤكد دائمًا أن التنمية ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل هي عملية تراكمية ترتكز إلى الإنسان وكرامته ومعرفته.

الحسن، المفكّر ورجل الدولة، الذي أطلق ورعى عددًا من المبادرات والمؤسسات الفكرية والبحثية التي تحوّلت إلى منصّات راسخة للحوار وصناعة الأفكار. من أبرزها منتدى الفكر العربي، الذي شكّل فضاءً عربيًا للحوار الاستراتيجي حول قضايا النهضة والهوية والتكامل الإقليمي، وكذلك المعهد الملكي للدراسات الدينية، الذي يُعدّ نموذجًا مؤسسيًا رصينًا للحوار بين الأديان والثقافات على أسس علمية ومعرفية بعيدة عن الانفعال أو التسييس. وهو أيضًا صاحب الدور المحوري في تأسيس ورعاية الجمعية العلمية الملكية، التي غدت نموذجًا إقليميًا في إدارة العلم والمعرفة، إلى جانب إسهامه في تأسيس المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، واضعًا بذلك حجر الأساس لبناء سياسة وطنية في مجالي العلوم والتكنولوجيا قائمة على التخطيط الاستراتيجي وتوجيه البحث العلمي نحو أولويات الدولة. ومن خلال هذا الإطار المؤسسي ترسّخت فكرة أن العلم ليس نشاطًا نخبويًا معزولًا، بل أداة سيادية لإدارة الموارد وتعزيز الاستقرار وصناعة المستقبل.

وهو الحسن الذي يرتكز في رؤيته على مفهوم “الإنسان أولًا”، مؤمنًا بأن الاستثمار الحقيقي يكمن في بناء العقول، وتعزيز التفكير النقدي، وترسيخ ثقافة الحوار. وفي مؤلفاته ومحاضراته يؤكد ضرورة الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى التخطيط الاستباقي، ومن العمل الفردي إلى العمل الشبكي المؤسسي، ومن استيراد النماذج إلى إنتاج معرفة منبثقة من السياق المحلي. ومن هنا فإن إطلاق منصّة وطنية للتعلّم المفتوح تحمل اسمه لا يُعدّ مجرد تكريم رمزي، بل تجسيدًا عمليًا لفلسفة متكاملة ترى في التعليم المستمر ركيزة للنهضة، وفي البحث العلمي أداةً لخدمة التنمية، وفي الحوار أساسًا للاستقرار؛ وهو امتداد عضوي بين الرؤية الفكرية والمأسسة العملية يمنح هذه المبادرات بعدًا استراتيجيًا يتجاوز اللحظة الراهنة نحو بناء منظومة معرفية عربية قادرة على التفاعل الخلّاق مع العالم. إن استحضار هذا الإرث الفكري يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية المعرفة كقيمة حضارية وإنسانية، لا كأداة تقنية فحسب.

اذ تشكّل المنصّة مرجعًا مفتوحًا للفكر والمعرفة، وتضم مكتبة معرفية عربية تُبرز النتاج الفكري للأمير الحسن بن طلال من كتب ومقالات وخطابات ومحاضرات، بما يتيح للطلبة والباحثين الاطلاع على رؤية عربية تنويرية في قضايا التنمية، والحوار الحضاري، والاستدامة. ومساقات تعليم جامعي تسهم في دعم منظومة التعليم العالي، وتوسيع دائرة الوصول إلى المعرفة، وتكريس مفهوم العدالة التعليمية ودعم المنظومة الوطنية من خلال توفير موارد معرفية مفتوحة ومتنوعة، تتماشى مع أولويات التنمية الوطنية ورؤية الأردن المستقبلية في الابتكار والتقدم العلمي.

إن ما يعكسه هذا التوجه هو إدراك عميق بأن التحول الرقمي وبناء القدرات ليسا مجرد مشاريع تقنية، بل مسارًا استراتيجيًا لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمعرفة والمجتمع. فحين تتكامل السياسات، وتتوحّد الجهود، ويُفعّل دور البحث العلمي في خدمة التنمية، يصبح بالإمكان الانتقال من مرحلة الاستجابة للتحديات إلى مرحلة صناعة الفرص.

إن منصّة الحسن للتعلّم تحمل دلالة رمزية وعملية في آنٍ واحد. فهي تؤكد أن الأردن، برؤيته المستقبلية، ماضٍ في ترسيخ موقعه كمركز إقليمي للمعرفة والابتكار، مستندًا إلى إرث فكري راسخ، وإلى مؤسسات وطنية واعية بدورها الاستراتيجي. ولعل أهم ما في هذا المسار أنه يعيد الاعتبار للعلم كقوة ناعمة فاعلة، وللبحث العلمي كأداة سيادية في تحقيق التنمية المستدامة.

من هنا، فإن هذا الكتاب الوارد من المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا ذي الرقم (1/5/7/322) والمؤرخ في السادس من رمضان 1447هـ الموافق 24/2/2026، لا يُقرأ بوصفه إجراءً إداريًا اعتياديًا، بل باعتباره وثيقة ذات دلالة استراتيجية تعبّر عن ثقة مؤسسية رفيعة بكفاءة الأكاديميين والباحثين وقدرتهم على الإسهام الفاعل في رسم ملامح المستقبل الوطني.

إن مضمونه يتجاوز حدود المخاطبات الرسمية ليؤسس لشراكة معرفية حقيقية، قوامها التكامل بين مؤسسات التعليم العالي والهيئات الوطنية المعنية بالبحث والتطوير، بما يعزز من توحيد الجهود، وتوجيه الموارد نحو أولويات وطنية واضحة، وترسيخ منظومة ابتكار قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا. كما يشكّل دعوة صريحة للانخراط المسؤول في بيئة معرفية مفتوحة، تُكرّس التعلم المستمر، وتدعم إنتاج المعرفة وتطبيقها، وتربط البحث العلمي باحتياجات التنمية المستدامة.

وفي ظل قيادة هاشمية ملهمة ومتكاملة الأدوار، تستمد مشروعيتها من إرث تاريخي عريق ورؤية مستقبلية واضحة، تتعزز هذه المبادرات الوطنية بوصفها امتدادًا لنهج ثابت يؤمن بأن الاستثمار في الإنسان والمعرفة هو حجر الأساس لأي نهضة حقيقية. فالتوجيهات الملكية السامية لطالما أكدت على تمكين الكفاءات الوطنية، وتحفيز البحث العلمي، وتهيئة البيئة التشريعية والمؤسسية الداعمة للإبداع، بما يجعل من الأردن مركزًا إقليميًا للتميز العلمي والتكنولوجي.

وعليه، فإن الاستجابة لهذه الدعوة لا ينبغي أن تكون شكلية أو ظرفية، بل مؤسسية ممنهجة، تقوم على مبادرات عملية، وشراكات بحثية نوعية، ومشاريع تطبيقية قابلة للقياس والتقييم، بما يترجم الثقة الممنوحة إلى إنجازات ملموسة تسهم في تعزيز المكانة العلمية والاقتصادية للأردن، وترسّخ ثقافة وطنية قائمة على المعرفة والابتكار والاستدامة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :