facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




رهانات الحرب وحدود القوة في مواجهة إيران


فيصل تايه
02-03-2026 02:32 PM

في لحظاتها الأولى، بدت المواجهة الأمريكية/الإسرائيلية مع إيران وكأنها محاولة مدروسة لإحداث صدمة استراتيجية سريعة، صدمة من النوع الذي يُفترض أن يربك النظام من الداخل، ويخلخل بنيته، ويدفعه إلى حافة الانهيار أو على الأقل إلى تغيير جوهري في سلوكه ، غير أن الأيام الأولى، وما حملته من وقائع وردود أفعال، تشير إلى أن الحرب لم تبن على يقين صلب بقدر ما استندت إلى مجموعة افتراضات كبرى، بعضها كان هشاً منذ البداية، وبعضها الآخر بدأ يتآكل سريعاً مع تطور الأحداث.

الرهان الأول تمثل في استهداف قمة الهرم السياسي/الأمني، انطلاقًا من فرضية أن توجيه ضربة قاصمة للقيادة سيحدث شللاً في منظومة القرار ويربك إدارة الصراع ، لكن ما تلا الضربة كشف أن المسألة أعقد بكثير ، فصحيح أن التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدثت عن مقتل عدد كبير من كبار القادة الإيرانيين، وصحيح أن الساعات الأولى امتلأت بأخبار متضاربة وشائعات متسارعة، بعضها ذهب بعيداً في الحديث عن مرحلة ما بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، لكن اللافت أن النظام نفسه لم يظهر مؤشرات انهيار أو شلل بنيوي ، وهنا تحديداً يظهر الخلل في القراءة : مركزية القيادة في إيران لا تعني هشاشتها، فالنظام قائم على شبكة مؤسسات متداخلة، دينية وأمنية وعسكرية، صُممت تاريخياً للتعامل مع سيناريوهات الطوارئ والضربات الكبرى.

ان التجربة الإيرانية في حروبها تبقى حاضرة في الذاكرة السياسية للنظام ، لم تؤد الضربات الخارجية إلى تفككه، بل عززت تماسكه الداخلي ، كما أن ثقافة "الشهادة" المتجذرة في الخطاب الرسمي لديه تحول استهداف القيادات، حتى في أقسى صوره، من عامل تفكيك محتمل إلى أداة تعبئة سياسية واجتماعية ، والسؤال إذا لا يكون : هل يمكن إصابة رأس الهرم؟ بل: ماذا يحدث بعد ذلك؟ والتجربة تقول إن إصابة الرأس لا تعني بالضرورة سقوط الجسد.

الرهان الثاني كان شل القدرات الاستراتيجية، الصاروخية والنووية، بهدف حرمان إيران من القدرة على الرد أو دفعها إلى رد محدود يمكن احتواؤه ، غير أن سرعة التفاعل الإيراني، واتساع دائرة الرد، أظهرا أن الردع الإيراني لا يقوم على التكنولوجيا وحدها ، فهو ردع مركب، متعدد الطبقات، يشمل قدرات عسكرية، وانتشاراً إقليمياً، وحسابات سياسية تتجاوز منطق الضربة والضربة المضادة ، حتى مع الاعتراف بحجم الأضرار، لم يظهر أن هذه القدرات شلت بالكامل، بل بدا أن طهران تسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن كلفة الرد لا تمنع حدوثه.

أما البرنامج النووي، فقد عاد مجدداً إلى قلب الجدل ، ففكرة “التصفير الكامل” تبدو، عند إخضاعها للتحليل الواقعي، أقرب إلى الوهم منها إلى الهدف القابل للتحقق ، فالمعرفة العلمية لا تقصف، والخبرات لا تمحى بضربة جوية، والبنى التحتية الموزعة تجعل أي حديث عن إنهاء البرنامج نهائياً شديد التعقيد ، ولهذا، لم يكن مفاجئاً أن تعود لغة السياسة والتفاوض إلى الواجهة، ولو على مستوى التصريحات.

في هذا السياق، جاء تصريح ترامب اللافت حين قال إن "القيادة الجديدة" في إيران ترغب في الحوار، وإنه مستعد للسماح بفتح هذا المسار ، اذ لم يكن التصريح إعلاناً رسمياً عن مفاوضات، ولم يتضمن تفاصيل أو قنوات واضحة، لكنه حمل دلالة سياسية مهمة: حتى في ذروة المواجهة العسكرية، يعود منطق الحوار ليظهر كخيار مطروح، أو على الأقل كورقة تستخدم في إدارة الصراع ، وهنا تتداخل القوة مع السياسة، ويصبح من الصعب الفصل بين ما هو ضغط عسكري وما هو تمهيد لمسار تفاوضي.

الرهان الثالث، وربما الأكثر حساسية، كان التعويل على الداخل الإيراني ، فالافتراض بأن الضغط الخارجي سيشعل الشارع ويسرع تفكك النظام من الداخل يبدو، عند مقارنته بتجارب تاريخية عديدة، افتراضاً غير مضمون ، فالمجتمعات لا تثور تلقائياً تحت القصف، وغالباً ما تؤدي الحرب الخارجية إلى إعادة ترتيب الأولويات وتوحيد الصفوف، لا إلى تعميق الانقسامات ، بل إن الإعلان الصريح عن هدف تغيير النظام يمنح القيادة فرصة لإعادة تعريف الصراع بوصفه معركة وجود، وهي صيغة معروفة بتأثيرها في تقليص هامش الخلاف الداخلي.

وسط كل ذلك، يظل سؤال الهدف معلقاً بلا إجابة واضحة: ما الذي يراد تحقيقه تحديداً؟ تدمير البرنامج النووي؟ تحييد القدرات الصاروخية؟ تغيير السلوك الإقليمي؟ أم إسقاط النظام نفسه؟ لذلك فان غياب هدف محدد وقابل للقياس يجعل الحرب مفتوحة على نهايات غير محسومة، ويحول مفهوم "الانتصار" إلى مصطلح ضبابي ، ففي حال لم يسقط النظام، ولم يتوقف برنامجه الاستراتيجي، ولم ينفجر الداخل، فإن مجرد الصمود سيقرأ في طهران بوصفه إفشالاً لمشروع أكبر.

في تصوري ان الفشل في الحروب لا يقاس بعدد الأهداف التي أُصيبت، بل بمدى تحقق الفرضيات التي بنيت عليها ، وحتى الآن، لا تبدو المؤشرات داعمة لتلك الفرضيات الثلاث. لم يظهر انهيار داخلي، ولم تشل القدرات بالكامل، ولم تفرض معادلة ردع جديدة تنهي الصراع ، بل على العكس، ثمّة ما يوحي بأن الضربة قد تعيد تثبيت قواعد اشتباك كانت الأطراف تحاول كسرها.

ربما يكون الخطأ الأكثر تكراراً في تاريخ الحروب الحديثة هو الاعتقاد بأن القوة قادرة وحدها على إنهاء ما تبدأه ، لكن ، وفي الحالة الإيرانية، يبدو المشهد أكثر تعقيداً وصلابة مما افترضه مخططو الحرب ، فالقوة قد تفتح المعركة، لكنها لا تضمن نهايتها، ومع كل يوم يمر من دون حسم واضح، ترتفع كلفة الخروج، سياسياً واستراتيجياً، على جميع الأطراف.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :