هذه ليست حرباً… بل تفكيكٌ للعالم الذي نعرفه
المهندس احمد الغزو
02-03-2026 03:36 PM
نحن لم نكن يوماً جيلَ رفاهيةٍ أو استقرار.
نحن جيلٌ عبرَ الحروبَ كما تعبرُ القوافلُ الصحراء؛ نعرفُ غبارها، ومرارتها، ونهاياتها أيضاً.
لكنّ ما يجري اليوم لا يشبه حرباً عرفها التاريخ، ولا يشبه حتى أكثر الصراعات قسوةً ووضوحاً.
في الحروب التي درسناها، كان هناك سببٌ يُعلَن، وعدوٌّ يُعرَف، ونهايةٌ تُتوقَّع.
كانت الحرب ــ على بشاعتها ــ حدثاً استثنائياً ينتهي ليبدأ بعده ترميمُ الحياة.
أمّا اليوم، فنحن أمام حالةٍ دائمةٍ من الصراع لا تريد أن تنتهي، لأنّ غايتها ليست الحسم… بل إعادة تشكيل العالم على نارٍ بطيئة.
هذه ليست حرباً عقائدية،
فالعقائد تُلهِم الشعوب، بينما هذه الحرب تُرهِقها وتُفكِّكها.
وليست حربَ حدود،
فالحدود لم تعد هي الهدف، بل ما تحتها: الثروات، والممرّات، والطاقة، ومفاتيح الاقتصاد، ومن يملك قرار التكنولوجيا والغذاء والدواء.
إنها حرب السيطرة لا المواجهة.
حرب تُدار بالعقوبات كما تُدار بالصواريخ،
وبالأسواق كما تُدار بالجيوش،
وبإضعاف الدول من الداخل أكثر مما تُدار بكسرها من الخارج.
لم يعد المطلوب أن ينتصر أحد…
المطلوب أن يبقى الجميع متعبين، قلقين، معلَّقين في حالة لا حرب تُحسَم ولا سلام يُبنى.
في الحروب القديمة كان الدمار نتيجةً مأساوية.
أمّا الآن، فالدمار ذاته أصبح أداةً لإعادة ترتيب المصالح وموازين القوة.
لهذا نشعر ــ نحن جيل الحروب ــ بأن هذه المرحلة أثقل من كل ما مرّ علينا؛
لأننا لا نرى معركةً تنتهي، بل نرى زمناً يُعاد تشكيله بالقوة،
ولا نسمع إعلانَ نصرٍ أو هزيمة، بل نرى استنزافاً مفتوحاً بلا سقف.
إن أخطر ما في هذه الحرب أنها بلا اسم.
وعندما تفقد الحروب أسماءها، تفقد معها القوانين والأخلاق والحدود، ويصبح كلُّ شيء قابلاً لأن يُستباح تحت عناوين فضفاضة.
ما يجري ليس صراعاً عابراً في سجلّ التاريخ،
بل لحظةُ تحوّلٍ كبرى يُعاد فيها تعريف من يملك القرار، ومن يملك الموارد، ومن يملك المستقبل.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد: متى تنتهي الحرب؟
بل: أيُّ عالمٍ سيُفرَض علينا بعد أن يهدأ هذا الغبار… ومن سيدفع الثمن؟
نحن جيلُ الحروب، نعم…
لكننا اليوم أمام أخطرها، لأنها لا تُخاض فقط في الميدان،
بل تُخاض في الاقتصاد… حين يُعاد تشكيل لقمة العيش لتصبح أداة ضغط،
وتُخاض في الوعي… حين يُعاد تشكيل الإنسان ليعتاد ما كان يرفضه، ويقبل بما كان يعدّه استثناءً،
وتُخاض في المستقبل… حين يُراد للأجيال أن تنشأ في عالمٍ يعتبر القلق حالةً طبيعية، وعدم اليقين قدراً دائماً.
إنها حربٌ لا تريد أن تكسب معركة،
بل تريد أن تغيّر قواعد الحياة نفسها.
وحين تتغيّر القواعد، يصبح الصمود وعياً
والتمسك بالحق موقفا
ويصبح السؤال والرفض وعدم الاعتياد شكلاً من أشكال المقاومة