facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الصين لا تُسقط الدولار .. بل تُنهي العصر الذي تستطيع فيه واشنطن خنق العالم ماليًا


سمير حمدان - بودابست
28-05-2026 09:12 AM

أخطر ما تبنيه الصين اليوم ليس حاملة طائرات جديدة، ولا ترسانة صواريخ فرط صوتية، بل بنية مالية موازية قد تعيد تشكيل أحد أعمدة النظام الدولي الذي حكم الاقتصاد العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فالمواجهة بين بكين وواشنطن تجاوزت حدود الحرب التجارية، ولم تعد محصورة في الرسوم الجمركية أو الرقائق الإلكترونية أو تايوان، بل انتقلت إلى السؤال الأخطر في عصر العولمة، من يملك الشرايين المالية التي يتنفس عبرها العالم، ومن يستطيع تحويل المال إلى أداة ردع وسيطرة وإقصاء سياسي .

الولايات المتحدة لم تتحول إلى القوة المهيمنة فقط بسبب حجم اقتصادها أو تفوقها العسكري، بل لأنها جعلت الدولار مركز النظام المالي العالمي، فالنفط، والتجارة، والتحويلات، وأسواق الدين، والاحتياطات النقدية، تشكلت لعقود حول العملة الأمريكية، وهكذا لم يعد الدولار مجرد عملة قوية، بل بنية نفوذ تمنح واشنطن قدرة استثنائية على التحكم بحركة الاقتصاد الدولي، وعلى تحديد من يدخل النظام المالي العالمي ومن يُدفع خارجه .

هذه الهيمنة منحت الولايات المتحدة سلاحًا يتجاوز الجيوش التقليدية، فالدولة التي تتحكم بالبنية المالية العالمية لا تحتاج دائمًا إلى الحروب المباشرة لإخضاع خصومها، لأنها تستطيع عزلهم ماليًا وتجفيف قدرتهم على التجارة والتمويل والاستثمار، وخلال العقدين الأخيرين تحولت العقوبات الأمريكية من وسيلة ضغط سياسية إلى أداة لإعادة هندسة سلوك الدول، عبر تجميد الأصول، وقطع البنوك عن أنظمة الدفع، ومنع الوصول إلى الدولار والأسواق الغربية، لذلك لم تعد السيطرة على المال أقل أهمية من السيطرة على البحار أو القواعد العسكرية .

الصين قرأت هذا التحول مبكرًا، وأدركت أن أي صدام كبير مع واشنطن قد لا يبدأ بإطلاق النار، بل بمحاولة خنق الاقتصاد الصيني وعزل التجارة الصينية عن النظام المالي العالمي، لذلك أطلقت عام ٢٠١٥ نظام المدفوعات العابرة للحدود المعروف باسم CIPS، والذي قُدم رسميًا كمنصة لتسهيل التسويات باليوان، لكنه في جوهره مشروع استراتيجي لتقليل اعتماد الصين على نظام مالي تتحكم واشنطن بمفاتيحه الأساسية عبر الدولار وسويفت، هنا لا تتحرك بكين كقوة تريد إسقاط النظام العالمي دفعة واحدة، بل كقوة تبحث عن طرق نجاة مالية مستقلة إذا تحولت القواعد القائمة إلى أدوات حصار .

الأرقام تؤكد أن المشروع لم يعد هامشيًا، فقد توسعت شبكة CIPS إلى آلاف المؤسسات المالية، وارتفعت قيمة المدفوعات العابرة للحدود باليوان بوتيرة واضحة، بالتوازي مع توسع استخدام العملات المحلية في التجارة بين الصين وروسيا وعدد من الاقتصادات الآسيوية والخليجية، لكن الأهم من الأرقام نفسها هو الاتجاه الاستراتيجي، فالصين لا تحاول إقناع العالم بأن اليوان سيبتلع الدولار قريبًا، بل تبني نظامًا يسمح للدول والشركات بمواصلة التجارة إذا أصبح المرور عبر النظام الغربي محفوفًا بالمخاطر السياسية .

المفارقة أن واشنطن نفسها ساهمت في تسريع هذا التحول، فالإفراط في استخدام العقوبات، وتجميد الأصول الروسية، وتصاعد القيود على التكنولوجيا والطاقة، دفع دولًا كثيرة إلى إعادة التفكير بكلفة الاعتماد الكامل على الدولار، لهذا لم يعد النقاش داخل بريكس يدور فقط حول التجارة، بل حول ترتيبات مالية تقلل التعرض للضغط الأمريكي، وكلما توسعت هذه البدائل بدأ الاحتكار المالي الأمريكي يفقد جزءًا من قدرته الردعية والنفسية .

مع ذلك، لا يزال الدولار بعيدًا عن الانهيار، فالأسواق الأمريكية تبقى الأعمق والأكثر سيولة، واليوان ما يزال محكومًا بقيود رأس المال وتدخل الدولة الصينية، لذلك فالسيناريو الأكثر واقعية ليس سقوط الدولار، بل تآكل احتكاره تدريجيًا، وظهور عالم متعدد الشبكات النقدية والمالية، وهذا التحول وحده كافٍ لتغيير حسابات القوة والتحالفات خلال العقود المقبلة .

هنا تكمن خطورة ما تبنيه الصين، فهي لا تهدم النظام القائم بضربة واحدة، بل تفتح مخارج جانبية من داخله، وإذا نجحت بكين في ذلك، فلن يكون العالم أمام سقوط مفاجئ للهيمنة الأمريكية، بل أمام نهاية أبطأ وأعمق، نهاية عصر كانت فيه واشنطن تملك وحدها حق تحويل الدولار من عملة عالمية إلى أداة لخنق العالم سياسيًا واقتصاديًا .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :