facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بعد مهلة التصويب .. هل نُصلح سوق العمل أم نُعيد توزيع المشكلة؟


فيصل تايه
03-10-2026 10:33 AM

انتهت الأربعاء، الثلاثين من أيلول، مهلة تصويب أوضاع العمالة غير الأردنية المخالفة، وبدأت الإجراءات القانونية بحق من لم يصوب وضعه. غير أن القضية التي تهم الأردني لم تنتهِ بتطبيق القانون؛ بل بدأت من هنا. فالسؤال الحقيقي ليس كم عاملاً سيغادر أو كم مخالفة ستُسجل، وإنما: ماذا نريد أن يكون عليه سوق العمل الأردني بعد هذه الخطوة؟

هذا السؤال يلامس حياة الجميع؛ الشاب الباحث عن فرصة، والأب المنتظر لاستقرار ابنه، وصاحب العمل الحريص على مشروعه، والدولة التي تسعى إلى سوق منظم واقتصاد يخلق فرصاً حقيقية. وفي الشارع سؤال بسيط ومفهوم: «إذا كان هناك عمل يشغله غير أردني، فلماذا لا يكون للأردني؟». وهو سؤال مشروع لا يجوز الاستخفاف به، لكن الإجابة المسؤولة تتطلب إدراكاً بأن سوق العمل أكثر تعقيداً من تبسيط المعادلة، وأن المشكلة أعمق من العامل الموجود في آخر السلسلة.

رغم أن البطالة بلغت ٢١% في الربع الثاني من هذا العام، استحدث الاقتصاد ٨٧,٦١٧ فرصة عمل صافية للأردنيين خلال عام ٢٠٢٥، شغل الأردنيون قرابة ٩١% منها. وهذه المفارقة تضعنا أمام السؤال الأصعب: أين تقع الفجوة بين فرصة العمل والباحث عنها؟ هل هي في الأجر، أو ظروف العمل، أو المهارة، أو المسافة بين مخرجات التعليم ومتطلبات السوق، أو في غياب آليات ذكية تربط الكفاءات بالفرص؟ ولذلك فإن تنظيم العمالة، مهما كان ضرورياً، لا يحل البطالة وحده، كما لا يمكن أن يكون ذلك مهمة وزارة العمل بمفردها.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: إخراج العامل المخالف إجراء قانوني واجب، أما تشغيل الأردني فهو نتيجة تحتاج إلى اقتصاد يخلق الوظائف، وتعليم يواكب السوق، وتدريب حقيقي، وبيئة عمل قابلة للاستمرار. ومن هنا تبدأ مسؤولية الدولة الحقيقية في متابعة ما بعد المخالفة: كم أردنياً دخل الوظائف التي شغلتها العمالة المخالفة وبقي فيها؟ ماذا حدث للأجور والإنتاجية؟ وهل استطاعت المنشآت الاستمرار؟ فهذه الأرقام هي التي ستخبرنا إن كنا نصلح سوق العمل أم نعيد توزيع المشكلة فقط.

في المقابل، لا ينبغي وضع صاحب العمل في الجهة الأخرى من المعادلة؛ فإلزام المنشأة بتشغيل الأردني لا يضمن الاستدامة ما لم ترافقه حوافز عملية، خصوصاً للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، تساعد على تحمل كلفة التدريب وبناء الإنتاجية في بداية عمل الشاب. وهنا تنتقل الدولة من دور المراقب إلى دور الشريك؛ تخفف أعباء البداية، وتترك للمنشأة مسؤولية الاستمرار على أساس الإنتاجية.

أما التعليم والتدريب، فهما أصل النقاش. الأردني لا يحتاج فقط إلى وظيفة؛ بل إلى مهارة تجعله مطلوباً، وبيئة عمل لائقة، ومظلة حماية اجتماعية تعيد الاعتبار للمهنة كخيار استراتيجي، لا حلاً اضطرارياً.

وقد رأيت ذلك عن قرب خلال زيارتي إلى ألمانيا، حيث اطلعت في عدد من المصانع على نموذج يقوم على إعداد الكوادر وتدريبها من داخل بيئة العمل نفسها، بحيث يُعد الشاب منذ البداية ليكون جزءاً أصيلاً من الإنتاج.

ومن هنا تستحق فكرة "منصة وطنية للمهارات والفرص" تفكيراً جاداً؛ لتكون أداة تفاعلية تربط مخرجات التعليم والتدريب بالاحتياجات الفعلية للسوق، وتصل بين الإنسان والمهارة والوظيفة. فالمشكلة ليست في غياب المعلومات فقط، بل في ضعف الصلة بينها وبين القرار الذي يتخذه الشاب، والحاجة التي يبحث عنها صاحب العمل.

وفي كل ذلك، يجب أن نبقى عادلين مع العامل غير الأردني؛ فالمخالف يُطبق عليه القانون، والنظامي له حقوق وعليه واجبات، والقطاعات التي تحتاج إلى مهارات غير متوفرة محلياً تُدار بسياسة واضحة. لا يجوز تحويل العامل الوافد إلى «شماعة»، كما لا يجوز اتخاذ وجوده ذريعة لتأجيل الإصلاح المحلي.

إن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يُقاس بأعداد المغادرين أو المخالفات، بل بالأثر الملموس بعد أشهر: هل زادت فرص الأردنيين؟ هل تحسنت نوعية الوظائف وارتفعت الإنتاجية؟ وهل بقيت المنشآت قادرة على العمل دون تحميل المستهلك كلفة إضافية؟ هذه إجابات من حق المجتمع أن يعرفها، ومن واجب المؤسسات قياسها وإعلان نتائجها؛ لأن نجاح السياسات يُقاس بالنتائج التي تتركها بعد أن يهدأ الخبر وينتهي الجدل.

الأردني لا يريد خصومة مع العامل الوافد، ولا يريد سوقاً مغلقاً؛ بل يريد فرصة حقيقية في سوق منظم ومنافسة عادلة. وانتهاء مهلة التصويب يجب ألا يكون خاتمة ملف، بل بداية مراجعة أوسع تحدد أين نريد أن يكون الأردني بعد خمس سنوات، وما القطاعات والمهارات التي نحتاجها.

الأردني لا يريد أن يأخذ وظيفة غيره؛ يريد أن يجد وظيفته هو. والامتحان الحقيقي يكمن في تحويل هذا الإجراء القانوني إلى فرصة لإعادة ترتيب سوق العمل ليكون أكثر عدالة واستقراراً وإنتاجية. فإذا كان الهدف هو الأردني، فعلينا ألا نقيس نجاحنا بمن خرج من السوق، بل بمن دخل إليه، وبنوعية الحياة التي استطاع أن يبنيها من خلاله.

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :