facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حذاري حذاري من جماعة الخبر السريع


القس سامر عازر
03-03-2026 11:30 AM

في زمن الحروب المفتوحة، لم تعد المعركة فقط على الأرض، بل أصبحت في الهواء، وفي الشاشات، وفي العقول. الرصاصة قد تُصيب جسداً، لكن الإشاعة تُصيب وطناً بأكمله. ومن هنا، يصبح الخطر الأكبر ليس في امتداد ألسنة النار، بل في امتداد ألسنة الأخبار غير المدقَّقة، التي تنتشر كالنار في هشيم القلق.

لسنا اليوم أمام حدث عابر، بل أمام صراع إقليمي تتجاذبه مشاريع متنافسة، تتقاطع فوق رؤوسنا وتحت سمائنا. وبين مشروع صهيوني متمدد، ومشروع فارسي يسعى إلى تثبيت نفوذه، ومشروع تركي يتحرك ببراغماتية بين الضفاف، تبقى الأوطان الوطنية هي الحلقة الأضعف إن لم تُحصّن جبهتها الداخلية. وفي قلب هذه الجبهة تقف اللحمة الوطنية سداً منيعاً، أو — لا سمح الله — ثغرة يتسلل منها المتربصون.

ما أخطر "جماعة الخبر السريع"!، المصطلح الذي استخدمه الصحفي الأستاذ أسامة الرنتيسي. فأولئك الذين يظنون أن السبق في النشر بطولة، وأن إعادة الإرسال مشاركة وطنية. ينسخون، يشاركون، يعيدون التدوير، من دون تمحيص ولا وعي ولا إدراك لعواقب الكلمة حين تنفلت. قد لا يحملون نية سيئة، لكن الجهل في أوقات الأزمات يتحول إلى أداة في يد من يزرعون الفتنة ويبثون الخوف ويهزون الثقة بالمؤسسات.

الأردن ليس ساحة حرب لأحد، ولن يكون. سيادته خط أحمر، وأمنه مسؤولية دولة ومجتمع معاً. حين أكد جلالة الملك عبد الله الثاني مراراً أن سماء الأردن وأرضه ليستا ممرّاً لتصفية الحسابات، كان يؤسس لمعادلة واضحة: حماية الوطن ليست شعاراً، بل قرار سيادي ثابت. لكن هذا القرار يحتاج إلى وعي شعبي يحرسه، لا إلى أصابع متعجلة تفتح أبواب الإرباك.

إن بثّ فيديو مفبرك، أو تحليل متسرع، أو خبر بلا مصدر، ليس فعلاً بريئاً. هو طعنة في خاصرة الطمأنينة العامة. حين يُصاب المواطن بالخوف، ويشكك في قدرة دولته، ويظن أن الحقيقة غائبة، نكون قد خدمنا — من حيث لا ندري — أجندات لا تريد للأردن استقراراً ولا تماسُكاً.

اللحمة الوطنية ليست ترفاً خطابياً، بل ضرورة وجودية. في الأزمات، تتكاثف الضغوط الخارجية، فتكون الحاجة أشد إلى جبهة داخلية صلبة، يثق فيها المواطن بدولته، وتثق الدولة بشعبها. مؤسساتنا ليست معصومة من التحديات، لكنها صمام أمان هذا البلد، وحين نُضعف ثقة الناس بها عبر الإشاعات، فإننا نهدم بأيدينا ما نحتمي به.

نحن أمام امتحان وعي، لا امتحان سرعة. امتحان مسؤولية، لا استعراض حضور رقمي. من أراد خدمة وطنه فليتحقق قبل أن ينشر، وليصمت إن لم يتيقن، وليدع الجهات المختصة تقوم بواجبها. فليس من الحكمة أن تنشغل المؤسسات كل ساعة بنفي إشاعة أو تصحيح مقطع مجتزأ، فيما المطلوب منها أن تتابع الأمن والاستقرار في ظرف إقليمي معقد.

لقد علّمتنا التجارب أن الأوطان لا تسقط فجأة، بل تتآكل حين يتساهل أبناؤها في صون وحدتهم. وأن الفتنة لا تحتاج إلى جيوش جرارة، بل إلى هواتف محمولة وأصابع مستعجلة. وأن الثقة إذا تزعزعت، يصعب ترميمها.

حذاري حذاري من جماعة الخبر السريع…
حذاري من أن نكون جسراً تعبر عليه الأكاذيب إلى بيوتنا.
حذاري من أن نتحول — بغير قصد — إلى طابور خامس يضعف وطنه وهو يظن أنه يحسن صنعاً.

في هذه المرحلة الدقيقة، لا نملك إلا أن نتمسك بأردنيتنا الجامعة، وبعروبتنا الواعية، وبإيماننا أن هذا البلد قام على الاعتدال والحكمة والقدرة على اجتياز العواصف. قد تطول الأزمات، وقد تتبدل المشاريع من حولنا، لكن الثابت أن الأردن يبقى ما بقيت وحدته الداخلية عصية على الانكسار.

الوطن أمانة في أعناقنا جميعاً.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :