كان السحور هذه الليلة أثقل من العادة.. ليس في الطعام فقط.. بل في ذلك الصمت الذي يسبق الفجر.. حين يترك الإنسان رأسه لوساوس الذاكرة..
بالكاد انتهيت من صلاة الفجر.. وحين وصلت فراشي كنت أبحث عن نوم سريع.. أو عن هدنة قصيرة مع الأفكار.. لكن العقل حين يأخذ إجازته يفعل العكس تماما.. يفتح أدراجا قديمة.. ويستحضر وجوها غابت منذ سنوات.. كأنها لم تغب..
ولا أعلم لماذا.. وجدت نفسي أتذكر رجلين رحلا.. لكن ظلالهما ما زالت تمر في أروقة الذاكرة.. كلما ذُكر مجلس النواب..
الأول معالي الدكتور عبداللطيف عربيات .. الإسلامي المعارض.. الذي كان حضوره في رئاسة المجلس أشبه بمدرسة في إدارة الاختلاف.. كان الرجل مختلفا مع كثيرين.. لكنه لم يكن خصما لأحد.. أمسك المجلس بهدوء الواثق.. فأعطاه هيبة لا تصنعها المطرقة وحدها.. ولا اللوائح.. بل تصنعها الشخصية.. حين تعرف كيف تجمع بين الوقار والعدل.. حتى أولئك الذين خالفوه الرأي.. كانوا يجدون أنفسهم يحترمونه.. وكأن المجلس في أيامه كان يعرف حدوده.. ويعرف كيف يحفظ اسمه..
ثم يمر في الذاكرة اسم معالي الجنرال عبدالهادي المجالي.. الرجل الذي قاد المجلس لتسع دورات كاملة.. وهي مدة كافية ليترك القائد بصمته.. أو ليترك فوضى يصعب إصلاحها.. لكنه اختار الأولى.. كان ضابط الإيقاع الذي يحترم إيقاعه الجميع.. ويعرف أن المجلس ليس ساحة تدريب.. ولا منصة لاستعراض الصوت العالي.. بل مؤسسة لها اسم يجب أن يبقى واقفا.. حتى حين يختلف أعضاؤها.. ولهذا لم يكن غريبا.. أن يتفق عليه المختلفون.. وأن يخرج من المشهد تاركا خلفه ذكرى.. يترحم عليها خصومه قبل أصدقائه..
ولا أدري لماذا تذكرت هذين الرجلين في هذا الشهر الهادئ.. شهر الصيام الذي يفترض أن تمتلئ لياليه بالعبادات.. والسواليف الرمضانية.. لكن يبدو أن السحور الثقيل أحيانا.. يفتح أبوابا في الرأس لا نخطط لفتحها..
فيجعل الإنسان يستحضر أياماً.. ويقارن بين صور بعيدة.. وربما لهذا يتجنب كثيرون فتح أبواب الذاكرة.. لأنها مرآة لا تعرف المجاملة.. تقيس الحاضر بما كان.. وتضع الأشياء في حجمها الحقيقي..
ولعل أجمل ما في الذاكرة.. أنها بريئة من سوء النية.. فهي لا تقصد الإشارة إلى أحد.. ولا التعليق على شيء.. ولا تلمح لواقعة هنا أو هناك.. او لحدث قريب أو بعيد.. إنها فقط تستدعي أسماء مرت من هذا المكان الكبير.. وتركته واقفا كما يجب أن يكون.. أما ما يجري في هذه الأيام.. فليس من شأن الذاكرة أن تحكم عليه.. فالذاكرة تحكي فقط..
لذلك.. يصبح النوم بعد الفجر أصعب قليلا.. عندما تمر في الرأس أسماء كبيرة.. وتترك خلفها سؤالا صغيرا لا يريد أن ينام.. سؤال بسيط.. لكنه ثقيل على القلب.. ماذا جرى لنا؟!..