تمر منطقتنا اليوم بمرحلة شديدة الحساسية، ربما تكون من أكثر المراحل اضطرابًا في التاريخ العربي المعاصر. صراعات تتسارع، خرائط يعاد رسمها، ودول وجدت نفسها فجأة أمام اختبارات وجودية قاسية. وفي قلب هذا المشهد المضطرب يقف الأردن، محاطًا بتحديات إقليمية وسياسية واقتصادية معقدة، لكنه ما يزال قادرًا على الحفاظ على تماسكه واستقراره.
في مثل هذه اللحظات يصبح من الضروري أن نتحدث بقدر من الصراحة والصدق مع أنفسنا.
لقد مرت سنوات كان فيها كثير من الأردنيين، وأنا واحد منهم، يميلون إلى تحميل جلالة الملك عبدالله الثاني مسؤولية الكثير مما يواجهه البلد من صعوبات أو أزمات. كنا ننتقد، وأحيانًا نبالغ في النقد، وربما نظرنا إلى بعض القرارات السياسية بعين ضيقة أو بقراءة ناقصة للمشهد الكامل.
لم يكن ذلك دائمًا بدافع سوء النية، بل في كثير من الأحيان نتيجة قلق حقيقي على مستقبل الوطن، أو بسبب نقص المعلومات التي لا تكون متاحة بطبيعتها للرأي العام في القضايا المرتبطة بإدارة الدولة وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
لكن الزمن، كما نعلم جميعًا، هو الامتحان الحقيقي للقرارات السياسية.
اليوم، وبعد أن شهدنا ما جرى في أكثر من دولة عربية من انهيارات سياسية وصراعات داخلية وتفكك مؤسساتي، يصبح من المشروع أن نتوقف قليلًا ونسأل أنفسنا: كيف استطاع الأردن أن يبقى متماسكًا وسط كل هذه العواصف؟
الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن استقرار الأردن لم يكن يومًا صدفة، ولم يكن نتيجة الحظ، بل كان نتيجة إدارة سياسية دقيقة وقيادة تدرك طبيعة التوازنات الحساسة في منطقة معقدة، وتتعامل معها بعقلانية وواقعية بعيدًا عن المغامرات السياسية أو القرارات الانفعالية.
لقد أثبتت السنوات أن جلالة الملك عبدالله الثاني كان في كثير من الأحيان يرى ما لا نراه نحن، ويقرأ المشهد الإقليمي والدولي من زاوية أوسع بكثير مما تسمح به رؤيتنا المحدودة كمراقبين أو كمواطنين.
كثير من القرارات التي بدت للبعض في لحظتها غامضة أو مثيرة للتساؤل، اتضح لاحقًا أنها كانت جزءًا من إدارة دقيقة لمعادلة شديدة التعقيد هدفها الأول حماية الدولة الأردنية والحفاظ على استقرارها في بيئة إقليمية مضطربة.
ولا يعني هذا بالطبع أن الأردن بلا تحديات أو أخطاء، فكل الدول تواجه صعوبات اقتصادية وضغوطًا سياسية واجتماعية، وكل الحكومات عرضة للنقد والمساءلة. لكن الفارق الحقيقي يظهر عندما تستطيع الدولة أن تدير أزماتها دون أن تنهار مؤسساتها أو ينقسم مجتمعها.
ما يميز الحالة الأردنية، في تقديري، ليس فقط قدرة الدولة على الصمود، بل طبيعة العلاقة التي تشكلت عبر عقود بين القيادة والشعب. فهي ليست علاقة قائمة على لحظة شعبية عابرة، ولا تختصر في مستوى الرضا أو الانخفاض المؤقت في الشعبية، بل هي علاقة تاريخية تشكلت عبر مسار طويل من التفاعل والتجربة المشتركة.
الأردنيون بطبيعتهم شعب ناقد، يتحدثون في السياسة، ويختلفون، ويتجادلون، لكنهم في اللحظات المفصلية يدركون أن هذا الوطن هو بيتهم المشترك وأن مصيره مسؤولية الجميع.
وفي هذا السياق، تشكلت في الأردن ثقافة خاصة في إدارة الرأي والرأي الآخر؛ ثقافة تقوم على الحوار، وعلى مساحة من النقاش العام، وعلى قدرة المجتمع والدولة على امتصاص الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع يهدد استقرار الدولة.
لقد كان الحوار دائمًا جزءًا من التجربة الأردنية. حوار بين الدولة والمجتمع، بين المؤسسات والنخب، وبين الناس أنفسهم. وقد تمر هذه العلاقة أحيانًا بحالات شد وجذب، أو بارتفاع وانخفاض في مستويات الرضا الشعبي، لكن ذلك يبقى جزءًا طبيعيًا من حياة المجتمعات.
فالشعبية السياسية لأي قائد لا تختصر في لحظة زمنية محددة، ولا تقاس بمرحلة واحدة، بل هي مسار طويل يتشكل عبر الزمن، ويتأثر بالظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تمر بها الدول.
لكن ما يبقى في النهاية هو القدرة على الحفاظ على تماسك الدولة، وعلى استمرار الثقة الأساسية بين المجتمع ومؤسساته.
لقد علّمتنا تجارب المنطقة القاسية أن الدول لا تسقط فجأة، بل تبدأ بالسقوط عندما تتحول الخلافات الداخلية إلى حالة من فقدان الثقة الكاملة بالدولة ومؤسساتها.
ولهذا فإن المسؤولية اليوم لا تقع على القيادة وحدها، كما لا يمكن تحميلها للشعب وحده أيضًا. فالدولة في النهاية منظومة متكاملة تبدأ من رأس الهرم ولا تنتهي عند قاعدته، حيث تقع على عاتق الجميع — قيادةً ومؤسساتٍ ومواطنين — مسؤولية الحفاظ على استقرارها وقوتها.
إن النقد المسؤول ضرورة لأي مجتمع حي، لكنه يجب أن يبقى جزءًا من مشروع الإصلاح لا مدخلًا إلى الفوضى أو اليأس.
واليوم، بينما يقف الأردن في قلب واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في تاريخ المنطقة، يصبح من الضروري أن ندرك أن حماية هذا الوطن ليست مسؤولية القيادة وحدها، بل مسؤولية كل أردني يؤمن بأن الأردن ليس مجرد دولة نعيش فيها، بل وطن نحمله جميعًا في ضميرنا ومستقبل أبنائنا.