استشراف المستقبل: التفكير النمطي والابداعي
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
06-03-2026 03:55 PM
أكاد اجزم ان الكثير مما نواجهه اليوم كان نتيجة خيار تغليب التفكير النمطي على الابداعي و انني اتوقع اذا استمر هذا الخيار ان تتسع الفجوة بين المسوولين و الحكومات من جهة و المواطن و المجتمع من جهة ليس لان المشاكل غير قابلة للحل و لكن لان هنالك فراغا في التواصل على اساس علمي بين عقل الحكومات و عواطف الجماهير تنفذ منه الجماعات و الجهات التي لا تريد خيرا و استقرارا.
لفهم الفرق بين التفكير النمطي و الابداعي لا بد من فهم كيف يعمل العقل البشري لان المجتمع و المسؤولين بالنهاية افراد.
العقل الباطن اللاواعي يتشكل قبل العقل الواعي بحيث تشكل برمجة الطفولة و العواطف و التجارب و ثقافة المجتمع عقلية تشكل انماط تفكير و استجابة عاطفية و قرار و سلوك و هذه تصبح عادات تلقائية يومية لاواعية تشكل 95 بالمئة من قراراتنا. اما العقل الواعي و القائم على التحليل و التفكير النقدي و بالتالي الابداع بتوليد انماط جديدة فهو محدود الذاكرة يميل للارهاق السريع و الاستهلاك العالي للطاقة.
الفرد يدرك العالم الخارجي باشخاصه و احداثه من خلال الانماط المخزنة اي انه يدرك الحاضر ببرنامج الماضي المخزن و بالتالي سيضغط اي حدث او فكرة او شخص ليوافق نمط مخزن موجود و ما لا يتوافق و الانماط المخزنه فهو الاخر او الخطأ او الشرير. بما ان المجتمع مثال حي على التفكير النمطي الرافض لاعمال العقل و ذلك لتحقيق الانتماء و القبول و الحماية فإن ما يتوافق مع ثقافة المجتمع و موروثه الثقافي و الديني و قناعاته هو الصواب لان المجتمع نمطي التفكير و الفرد قد يكون نمطي او ابداعي التفكير.
الخطورة في ذلك ان تشكيل الوعي الجمعي و تطويع الراي العام سهل من خلال الاعتماد على العواطف و المصالح و التيار الطاغي و ذلك من خلال التكرار و تغيير زاوية النظر الاجتماعية و بالتالي سهولة تحويل الظالم الى مظلوم و القاتل الى ضحية.
هذا التوجه نراه يوميا و ازداد تأثيره مع وسائل التواصل الاجتماعي فقضية بسيطة يمكن تحويلها الى قضية رأي عام و قلب الحقائق لكن الاخطر ان تستعمله جماعات او جهات موجهة فتلبس القضايا العامة معطف النضال او الدين و الثقافة الاجتماعية و تطوع الراي العام و تكسب التعاطف الاجتماعي.
لكن كما ذكرت لا بد من تحديد الزاوية التي ينظر بها المجتمع الى نظرة احادية ضيقة تلعب على العواطف الدينية و القومية و النضالية و المصالح الانية لتحدد الصالح و الطالح و الصواب و الخطأ.
هذه مشكلة ستواجه بل انها اليوم في جوهر اهتزاز الثقة بالحكومات التي اصبحت تعاني في الدفاع عن سياسات صحيحة لانها لم تستشرف المستقبل و تتسلح بالعلم الحديث و الفكر المناسب لمواجهة الفكر الآخر. محدودي القدرات ضيقي الافق يمثلون عبئا اضافي على الدولة و الحكومات فالفكر يقارعه الفكر و ليس الشعارات و الصوت العالي.
التفكير الابداعي فردي و هو ضرورة لاستشراف المستقبل في كل مجال لتحديد الاتجاهات و الفرص و التحديات و بالتالي الاستعداد للمتغيرات سواءا على مستوى الفرد او الحكومات فالمشاكل لا تحدث فجأة بل متوقعة الحدوث و الاخطر هو ترحيلها لنواجهها يوما بردة الفعل كبديل لتحويل التحديات الي فرص.
ما سبق يستدعي فهم اعمق لالية الاتصال و التأثير في الجماهير من خلال الصورة و العنوان و تغيير السياق لتعديل الادراك فكل قرار فردي او جماهيري قائم على ثلاثية السياق و الادراك و القرار.
الحكومات و المجتمعات هي خلطة بنسب معينة من كتلتين الاولى تمتلك التفكير الابداعي و القدرات الفكرية و سعة الافق و القدرة على توليد انماط جديدة اي افكار و حلول خارج الصندوق و كتلة اخرى محدودة القدرات ضيقة الافق سطحية التفكير قابلة للانقياد بلا مقاومة ضمن مصالحها الخاصة لكن الخطورة في المجموعة الثانية انها قبولها بالانقياد لامحدود بمعنى انها قد تغير الولاءات لمن يملك عوامل التأثير.
كل مجتمع او دولة تحتاج وجود دولة عميقة تحافظ على حركة المجتمع و بالتالي تحتاج لنسبة معينة من مجموعة محدودي القدرات لكن بالمقابل فالحكومات معنية بالداخل و السياسات و يجب ان لا تطغى فيها هذه المجموعة و الا فقدت القدرة على التواصل الداخلي و هدمت جسور الثقة فالحكومات لها وظيفتين اساسيتين و هما تلبية الاحتياجات الاجتماعية و فتح المجال لافراد المجتمع للتعبير عن امكانياتهم الابداعية في الاقتصاد مع وجود سردية مقنعة للتواصل و عدم ترك المجال الثقافي الاجتماعي لتأثير قوى اخرى داخلية او خارجية.
طبعا في كل مجتمع هناك نسبة ما تعاني الشعور بالعجز و الهزيمة الداخلية لاسباب كثيرة و هذه ستميل الى تفعيل الالية العقلية الدفاعية بعيش دور الضحية للتهرب من الشعور بالعار و اللوم الذاتي و القاء المسؤولية على الاخرين و بالتالي فهذه المجموعة عندها الاستعداد للتأثر باي فكر يعزز شعور اللوم على الاخرين سواءا افراد او حكومة او قوى اخرى.
هذه المجموعة بشكل خاص تمثل حصان طروادة في اي مجتمع لانها تحتاج التأكيد المستمر لذاتها بانها ضحية فتتبنى اي افكار اخرى تعزز ذلك الشعور.