المفكر الراحل د. محمد جواد رضا و"مخاضات اللغة العربية"
يوسف عبدالله محمود
06-03-2026 06:25 PM
قبل ديكارت بثلاثة قرون او تزيد طالب الجاحظ بتعليم مبدأ "الشك" سبيلاً الى "اليقين" ومدخلاً الى المعرفة الصحيحة" (د. محمد جوار رضا)
د. محمد جواد رضا هو من كبار علماء التربية المعاصرين، حازت مؤلفاته التربوية على جائزة منظمة التربية والثقافة والعلوم عام 2000 تقديرًا وتكريمًا لإسهاماته في نهوض العالم العربي.
في كتابه "تحرير التربية العربية من الاوهام الخمسة" الصادر في البحرين يحدثنا عن "المخاضات الكبرى التي عبرتها اللغة العربية" عبر مسيرة امتدت من العصر الجاهلي الى العصر الإسلامي الذي شهد تحولات متطورة "من لغة الوحي الى لغة النحو ومن ثم الى لغة المنطق والواقعية الاجتماعية". (المرجع السابق ص 75)
هذه المخاضات التي اجتازتها اللغة العربية كان منها عصر تنويري منفتح على العقل، شهد بروز حركات تنويرية محركة "المعتزلة" وحرك "اخوان الصفا". لكن هذا العصر التنويري سرعان ما انقلب الى الضد زمن الخلفاء العباسيين الاواخر كالواثق والمتوكل. هؤلاء شنوا حملة على "العقلانية الإسلامية" مشوهين نهجها العقلاني.
تراجعت هذه اللغة بحيث أصبحت –كما أشار المؤلف- الى حيث غدت "لغة رواية" و"سند"، أي انها انكفأت على ابراز "الفكر الماضوي". هذا الانكفاء كانت له خطورة حيث تم "تسييس" اللغة مما انعكس على الخطاب السياسي العربي "انعكاساً لم يكن في صالح النهوض العربي". هذا "التسييس" جعل بعض المفكرين العرب يعلنون في كتاباتهم ان ثمة حملة تآمريه على لغتهم القومية دون ان يحسنوا قراءة الظرف الحضاري العالمي.
يحذر د. محمد جواد رضا من هذا "الطرح الميثولوجي" الجديد للغة العربية لانه "يثير قلقًا على مستقبل الثقافة العربية". وفي حديثه عن وظائف اللغة يحذر من لغة البلاغة ولغة الشعر، فهي أحيانًا "تكون أداة تضليل وخداع اجتماعي وسياسي".
لماذا اعتبر المؤلف لغة البلاغة ولغة الشعر تكون أحيانا أداة تضليل وخداع اجتماعي وسياسي؟ الجواب لأنها قد "تغرز انشقاقات وعداوات بين الجماعات الإنسانية". (المرجع السابق ص 74)
ناحية أخرى لفتت انتباه هذا العالم التربوي الكبير وهي "ان لغة البدو الاقحاح التي عمرت بها القواميس العربية هي لغة ذكورية". ويخلص من هذا الاستنتاج ان هذا التوجه "يخلد ثانوية مركز المرأة في المجتمع". ونراه هنا يستشهد بالخطاب الذكوري الذي يهمش "الانثى" كقولنا: اقرأ، عيّن، عبّر، اجعل، ادخل، ابنِ، اكتب، اجب.
وهنا يشير الى ان القضاء الأمريكي تنبه الى هذه الظاهرة "بالنسبة لضمير المؤنث والمذكر، فأوجب قرنهما في المكان الواحد (He + she). ويأخذ علينا كعرب استعمالنا لغة الخطاب كما لو كان المجتمع كله ذكورًا! (المرجع السابق ص 71)
خلل او معضلة أخرى يشير اليها د. رضا وهي فقرنا في "التجريب" على اللغة العربية من حيث هي "سلوك انساني".
يتساءل لماذا درجنا نؤكد الوظائف الدينية والتاريخية للغة العربية فحسب؟ متناسيين دورها في تشكيل الفكر الانسان. (المرجع السابق ص 72)
وتلك في رأيي التفاتة ذكية من المؤلف فتشكيل الفكر الإنساني هو أولوية من الأولويات مع احترامنا الكبير للوظائف الدينية التاريخية.
في كتابه ايضًا لا ينس د. رضا دور التربية في اخراج الامة من (ثقافة الخوف). اذا تم ذلك في جو ديمقراطي غدا مستقبل التغيير للأفضل ممكناً. وحتى يتم هذا التغيير لا بد من "المعالجة العلمية لأزمات التحول". (المرجع السابق ص 33)
ومع الأسف فإن "ثقافة الخوف" هي السائدة عربيًا مما جعل مفكرًا عربيًا يقول في حوار أُجري معه: "إن مقومات الامة العربية اللغة والجغرافيا والتاريخ والخوف". قالها في سخرية ومرارة.
اليس في كلامه الكثير من الصحة.
ذات مرة انتقد عميد الادب العربي د. طه حسين "ثقافة الخوف" في كتاباته، فتم سؤاله من قبل جهاز الرقابة في وطنه مصر "هل سبق لنا ان صادرنا لك مقالاً؟ كانت اجابته: لكنني قبل ان ارسل المقال للشر افحص كل مفردة فيه قد تحول دون نشره"!
يؤكد هذا العالم على أهمية قيمة الاختلاف في الرأي والايمان بأهمية "التعددية الفكرية" و"عدم توهم ان الفكر العلمي هو غزو ثقافي يجب ان نحمي منه الامة".
في كتابه يشيد بالقرن الثالث الهجري الي شهد استنارة فائقة. يقول مبرزًا اهميتها كنهج فكر متقدم: "في القرن الثالث الهجري وقبل ديكارت بثلاثة قرون او تزيد طالب الجاحظ بتعليم "مبدأ الشك سبيلاً الى اليقين" مدخلاً الى المعرفة الصحيحة.
يبقى ان أقول ان هذا العالم والباحث الكبير –رحمه الله- أراد للغة العربية ان تساهم في الحضارة الإنسانية وان لا تبقى تعاني من معضلات تجاوزتها غيرها من الأمم الراقية.