مؤسسة القبيلة بين الأمس واليوم
د.سالم الدهام
06-03-2026 07:52 PM
لم تكن القبيلة والقبائلية في يوم من الأيام سبة ولا تهمة، فهي إطار تنظيمي اجتماعي سياسي قيمي أخلاقي، ينتظم حوله الأفراد وينخرطون فيه؛ لأنه يؤمن لهم العدالة والمساواة، ويحمي مصالحهم العليا ويصونها، وفي هذا الإطار تتوزع المهام، فهناك الشيوخ، وهناء الوجهاء من القضاة والحكماء وأصحاب الرأي والمشورة، وهناك الفرسان، والشعراء والعقداء ، والأطباء، والخطباء أو المعلمون، والرعاة، والصناع، وفي هذا الإطار الواسع المتنوع يمارس كل فصيل مهامه بنبل وشرف ومصداقية لتحقيق المصلحة العليا للقبيلة.
إن تنوع المهام واختلاف الأدوار لم يكن مدعاة للفرز الطبقي داخل مجتمع القبيلة، بل إن ذلك كله يتم في إطار من التكافل والتكامل وحفظ الحقوق. وفي باب التكافل ساد نظام (العونة) في الدورة الإنتاجية لمن لا يملك الموارد البشرية اللازمة ... وفي الشأن الاقتصادي عرف ما يسمى "بالمنايح" للأخذ بأيدي الفقراء الذين لا يملكون الأنعام وتمكينهم ، وفي الشؤون الأمنية عرف نظام الوصاية بمعنى الحماية، ونظام الدخالة بوصفه مرحلة من مراحل فض النزاعات، والكفالة بوصفها من عناصر التقاضي وغير ذلك.
هذا كله كان يعطي القبيلة طابعا مؤسسيا يتعزز حضور الفرد من خلاله إنسانيا واجتماعيا واقتصاديا، سواء أكان ذلك الفرد رجلا أو امرأة؛ لقد كانت المرأة في المجتمع العشائري تتمتع بحضور لا ينفصل عن الأنفة والعزة والكبرياء، فهي رمز للاعتزاز؛ فيقال الرجل (أخو فلانة) في معرض المدح، ويعتد الرجل بنفسه في معرض النخوة والتحدي فيقول إذا عزم على أمر صعب" أنا أهو فلانة" وهي رمز استثارة الحمية والبسالة؛ "فالعطفة" وهي إحدى نساء القبيلة وشريفاتها تحمل على هودج فوق ظهر بعير لمرافقة المقاتلين من أجل إلهاب حماسهم، ليستميتوا في الدفاع عنها بوصفها شرف القبيلة، والحاشي تمثل حضور المرأة بوصفها قيمة اجتماعية عالية ومعيارا يصطف حوله الجميع، لا بوصفها عورة مخفية، بل بوصفها أخت الرجال وبنتهم،فهي تقري وتستقبل الضيوف في غياب زوجها أو أبيها وإخوتها.
لقد كان زعيم القبيلة عونا لها لا عبئا عليها، فكان يشرف الأدوار والممارسات السابقة جميعها، في السلم والحرب، وهو الكافل الضامن لكرامة الجميع وصيانة حقوقهم، وليس المتفرد الطاغي، القابع خلف متاريس السلطة التي أصابها دون حول منه ولا قوة ولا كفاءة؛ بل منحت له كالمنوحة (السقمة) ولولاها لم يكن بعضهم شيئا مذكورا ، ولكان مسخا معوج اللسان ، مرجوج الجنان، لا يعرف كوعه من بوعه، ولا يومه من أسبوعه، لا سيما أن بعضهم لا يعرف أسماء البطون والافخاذ والعشائر، والخرائط الجغرافية لانتشار بني قومه
كان زعيم القبيلة يستمد سلطته من قيمته الأدبية والأخلاقية لا من جشعه وتسلطه، لم يكن يستقوي على أبناء قبيلته بالنفوذ والسلطة والحيلة، بل كان كسابا وهابا صادقا مقداما عادلا قدوة، كافلا، ضامنا ينأى بنفسه عن الحقد والحسد والأنانية والاستحواذ، وكلها من صغائر الأمور التي لا تليق إلا بالمتطفلين والطفيليبن .
لم يكن زعيم القبيلة في ما مضى يستأثر بكل شيء له و(لخمسته) كما نشاهد اليوم، كانت مضارب القبيلة فضاء رحبا يتسع للهجيني والحداء وسباقات الخيول، وتسريح القطعان، وإقراء الضيوف، وكان الجميع يساهم في دفع ضريبة الدم حين يحوف الحمى حائف، وكان الثرى يحتضن الجميع بعد أن يتضمخ بالنجيع والتضحيات...
أما الآن فقد اتسع فضاء مضارب حفنة من الأفراد بما يوازي دويلة صغيرة لطول عصا الشيخ وتوغله في النفوذ والظلم، بينما أسدل الستار على أحلام عشرات الآلاف من شركاء الدم والقبيلة، وابتلعهم الحوت الكبير كما ابتلع القمر، ولم نعد قادرين على دق النحاس ونهر الحوت لينقشع الكسوف الذي استمر طويلا ولن ينقشع حتى تبتلع الأرض الحوت ويذهب إلى الجحيم...
ولنا في الأردن شيخ واحد لا يخيب فيه الرجاء إذا ما ضجت الأرض بالأدعياء، ذاك هو أبو الحسين، حفيد الأنبياء، وسليل الشرفاء، وسيد الأوفياء حفظه الله وولي عهده من كل داهية وداء.