facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل سنبقى نطرق بابه ؟


محمود الدباس - أبو الليث
07-03-2026 04:40 PM

رسالة من قلب أردني.. عندما يضيق صدر المواطن.. إلى مَن يتجه؟!..

حين نشأت فكرة الحكومات في التاريخ السياسي للبشر.. لم تولد لتكون سادة فوق الناس.. بل وُجدت لتنظم حياتهم.. وتحمي حقوقهم.. وتدير شؤونهم العامة.. كوكيل يتولى الإدارة نيابة عن المجتمع.. لا كمالك يتصرف في مصائر العباد..

ولهذا ظهرت الدساتير لاحقاً.. لتضع حدود السلطة.. وتمنعها من التحول إلى امتياز خاص.. وتذكر كل من يجلس على مقعد القرار بأن السلطة في أصلها تكليف.. لا تشريف..

وفي الأردن لم يكن الأمر مختلفاً.. فالدستور كان واضحاً منذ السطر الأول في فلسفته السياسية.. حين قرر في المادة 24 أن الأمة هي مصدر السلطات.. أي أن السلطة في أصلها تعود للشعب.. وتمارس عبر مؤسسات الدولة وفق أحكام الدستور.. ثم جاءت المادة 26 لتبين أن السلطة التنفيذية يتولاها الملك بواسطة وزرائه.. أي أن الحكومة ليست سلطة مستقلة عن الدولة.. بل أداة تنفيذ تعمل ضمن نظام الحكم.. وتحت مظلة الدستور..

أما الدور العملي للحكومة فقد حددته النصوص بوضوح أكبر.. حين نصت المادة 45 على أن مجلس الوزراء يتولى مسؤولية إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية.. أي أن مهمته الأساسية إدارة الدولة.. لا امتلاكها.. ولا منافسة المجتمع على خيراتها.. وجاءت المادة 51 لتضيف قيداً بالغ الأهمية.. حين قررت أن رئيس الوزراء والوزراء مسؤولون مسؤولية مشتركة أمام مجلس النواب عن السياسة العامة للدولة.. ومسؤولون فردياً عن أعمال وزاراتهم.. وكأن الدستور أراد أن يقول بوضوح لا لبس فيه.. إن السلطة لا تمارس دون مساءلة..

ومن هنا تتضح الإجابة الأولى على تساؤلات تدور في خلد كل مواطن.. دون حاجة إلى اجتهاد طويل.. فالحكومة في الفلسفة الدستورية ليست سيداً على الشعب.. بل جهاز إدارة يعمل باسمه.. ويتقاضى القائمون عليه رواتب وامتيازات محددة وفق القانون.. مقابل إدارة شؤون الدولة وتحقيق المصلحة العامة..

وتتضح الإجابة الثانية أيضاً.. فالحكومة لم تُنشأ لتكون في خندق مقابل للمواطن.. بل لتعمل من أجل راحته.. واستقرار حياته.. ورخاء وطنه.. لأن الدولة التي تنافس شعبها على حقوقه وثرواته.. لا يمكن أن تبقى مستقرة طويلاً..

وتتضح الإجابة الثالثة كذلك.. فالحكومة ليست عدواً للمجتمع.. ولا شريكاً في منافسته.. بل وكيل إداري يعمل لإدارة الموارد العامة وتنظيمها.. وفق ما يسمح به الدستور والقانون.. وتحت رقابة مؤسسات الدولة..

لكن الدستور وهو يضع هذه القواعد.. لم يترك السلطة التنفيذية تعمل بلا رقابة.. بل وضع إلى جانبها سلطة تشريعية.. يفترض أن تكون عين المجتمع على الحكومة..

فمجلس النواب الحقيقي.. والذي يتمسك بواجباته.. يملك أدوات السؤال والاستجواب وطرح الثقة.. وهي أدوات لم توضع للزينة.. بل لحماية التوازن بين السلطة والمسؤولية..

غير أن المشكلة تبدأ حين تضعف هذه الرقابة.. لأي سبب كان.. وحين تتحول العلاقة بين بعض النواب والحكومة -إلا من رحم ربي- من علاقة مساءلة إلى علاقة تبادل مصالح.. حيث تُقدَّم الخدمات الفردية.. أو تتحقق المنافع الضيقة.. مقابل صمت رقابي.. أو موقف سياسي مريح للسلطة التنفيذية..

وهنا يظهر ما يسميه علماء السياسة بالزبائنية السياسية.. تلك الحالة التي يصبح فيها النائب وسيط خدمات أكثر منه ممثلاً للأمة.. فينشغل بالسعي لتعيين هنا.. أو إعفاء هناك.. أو نقل موظف من دائرة إلى أخرى.. بينما القضايا الكبرى التي تمس حياة الناس جميعاً.. تمر بصمت ثقيل.. لأن صوت الرقابة قد خفت.. أو انكسر.. جراء ما تحققه الحكومة لهم من مصالح.. فكما يقال بالعامية.. تصبح العين مكسورة.. واليد في داخل الحلق..

والأخطر من ذلك.. أن هذه المعادلة تغري الجميع.. النائب يظن أنه يوسع قاعدته الانتخابية.. فيضمن العودة للمجلس مرة قادمة.. وبعض الناخبين يظنون أنهم حصلوا على منفعة عاجلة.. بينما الحقيقة التي تتشكل ببطء.. هي أن الضرر يتراكم على الجميع.. لأن الدولة حين تُدار بمنطق الخدمة الفردية لا بمنطق السياسة العامة.. تبدأ مؤسساتها بالتعب.. وتبدأ أخطاؤها بالتراكم.. حتى يصل المجتمع إلى مرحلة.. يصبح فيها الإصلاح أصعب بكثير مما كان عليه في بدايته..

وحين يصل الناس إلى هذه المرحلة.. يبدأ السؤال القديم يتردد في المجالس والبيوت والطرقات.. هل سنبقى نطرق باب الملك؟!..

فاسمح لي يا جلالة الملك.. أن أقول بلسان حال كثيرين من شعبك الأصيل المنتمي..

يا سيدي.. نحن شعب يحب مليكه.. ومتوافق عليه.. ويعرف تاريخ الهاشميين بالوقوف في صف الناس.. ولم يجد الأردنيون عبر تاريخهم القريب ملاذاً يسمع أنينهم.. كما وجدوه عند مليك يريد لشعبه الخير والطمأنينة..

لكن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط بصدق مؤلم هو هذا.. هل يجب أن ينشغل الملك بكل صغيرة وكبيرة في حياة الناس.. لأن جهات يفترض أنها وجدت لخدمتهم.. لم تعد تقوم بدورها كما ينبغي؟!..

نحن يا سيدي لا نعمم.. فهناك من المسؤولين والنواب.. مَن يعمل بإخلاص.. ويخاف الله في وطنه.. لكن الناس أيضاً ترى بأعينها كيف بدأت بعض الممارسات السياسية تنحرف عن مقصدها.. وكيف أصبح مفهوم الزبائنية السياسية واضحاً للعيان.. بين مَن يقدم الخدمة.. ومَن يحصل عليها.. بينما بقية المجتمع يقف بعيداً يراقب.. ويشعر أن صوته لم يعد يصل كما ينبغي.. أو أنه وُضع في المكان الخطأ..

ولهذا لم يعد مستغرباً أن يرتفع أنين الناس.. وأن يشعر كثيرون.. بأن هناك تقاطعاً غير صحي بين بعض مَن في السلطة التنفيذية.. وبعض مَن في السلطة التشريعية.. على حساب المواطن.. الذي يفترض أن تكون هذه المؤسسات كلها في خدمته..

وهنا يصبح طرق باب الملك ليس رغبة في تجاوز المؤسسات.. بل استغاثة بمن يملك القدرة على إعادة التوازن بينها.. لأن الملك في وجدان الأردنيين ليس مجرد رأس للدولة.. بل راعٍ لمسارها حين تميل الكفة.. وضامن لروح الدستور حين تبهت في الممارسة..

ولهذا يطرق الأردني باب مليكه اليوم.. لا شكوى من وطنه.. بل خوفاً عليه.. ولا اعتراضاً على دولته.. بل حرصاً على أن تبقى مؤسساتها كما أرادها الدستور.. تعمل لخدمة الناس.. لا لخدمة المصالح الضيقة.. فكلنا في ذات السفينة..

فالزبائنية السياسية يا سيدي.. ليست مجرد خلل عابر.. بل طريق إذا اتسع قد يقود إلى إنهاك الدولة.. وإضعاف ثقة المجتمع بمؤسساته.. والتاريخ يعلمنا أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة ليس الفقر.. ولا قلة الموارد.. بل شعور الناس بأن العدالة في الفرص بدأت تختل.. وأن مستقبلهم ضبابي.. وأن هناك توافقاً بين سلطتين.. لا تسمعان أنين الغالبية من شعبك الوفي..

ولهذا فإن الأردنيين حين يطرقون باب الملك.. لا يفعلون ذلك لأنهم اعتادوا الاتكال.. بل لأنهم يؤمنون أن في هذا البيت الهاشمي قلباً يسمع.. وعيناً ترى.. ويداً قادرة على إعادة الأمور إلى نصابها.. قبل أن تتراكم الأخطاء أكثر..

فهل سنبقى نطرق باب الملك في كل مرة يا سيدي؟!..

أم يأتي اليوم.. الذي تقوم فيه كل مؤسسة بدورها كما أراد الدستور.. فيرتاح الملك من كثرة الطارقين.. ويتفرغ لمهامه الكبيرة.. ويرتاح الشعب من ثقل الانتظار.. ويستقيم ميزان الدولة كما كُتب له أن يكون منذ البداية.. بلا ميلٍ.. ولا اضطراب؟!..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :