الشرق الأوسط في موسم الصواريخ .. لا أحد يريد الحرب، لكن الجميع يضغط الزناد
سمير حمدان - بودابست
28-02-2026 07:59 PM
في الرحلات الطويلة، حين تهتزّ الطائرة قليلًا، يخرج المضيف بابتسامة مدرَّبة ويقول: «مجرد مطبّ هوائي»، يضحك بعض الركاب، ويطلب آخر قهوة إضافية، ويفتح ثالث هاتفه ليرى إن كانت أسعار النفط ارتفعت، وكأن العالم لا يهتز إلا عبر التطبيقات، يبدو المشهد عاديًا، لكن أحدًا لا يعترف بأن قلبه تسارع قليلًا.
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس مطبّة عابرة، بل دخول مباشر في سحابة رعدية كثيفة تختلط فيها الصواريخ بالحسابات، وتتحول البيانات إلى انفجارات، ويصبح بيان التهدئة أقصر عمرًا من أثر الدخان.
الضربة الإسرائيلية–الأميركية داخل إيران لم تكن تحذيرًا لفظيًا، بل رسالة مكتوبة بالنار، جاء استهداف مواقع عسكرية وصاروخية حساسة بعد تعثر مسارات التفاوض، وبعد قناعة في تل أبيب وواشنطن بأن الانتظار يبدّل موازين القوة، وكانت الرسالة واضحة: لن ننتظر أكثر، غير أن هذه المنطقة لا تعرف الرسائل الأحادية، فكل ضربة تستدعي ردًا، وكل تصعيد يفتح بابًا جديدًا.
إيران ردّت بالصواريخ على إسرائيل، ووسّعت دائرة الاشتباك لتشمل قواعد أميركية في الخليج، وهكذا خرجت المواجهة من إطار ضربة ثنائية إلى معادلة إقليمية مفتوحة، مع احتمال تحرك ساحات أخرى إذا طال أمد التصعيد، لأن الحروب هنا لا تمشي وحدها، بل تصطحب معها الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد.
الجميع يكرر: «لا أحد يريد حربًا شاملة»، جميل، لكن الرغبة شيء، ومسارات الصواريخ شيء آخر، فالشرق الأوسط لا يعيش على النوايا الحسنة، بل على حسابات الردع، وإذا كان الردع يُقاس بالقدرة على الضرب، فإنه يُقاس أيضًا بالقدرة على التحمل، وهذه هي المعادلة الأصعب.
إسرائيل اعتادت صفارات الإنذار، تفتح المقاهي بعد الاعتراض بدقائق، وتستأنف المدارس، وتتحرك الأسواق وكأن الحياة أقوى من الخوف، وهذا تماسك يُحسب لها، لكن الأعصاب ليست معدنًا لا يصدأ، والاقتصاد لا يحب المفاجآت، والمستثمر لا يعشق الضباب، فالضربة قد تمنح شعورًا بالمبادرة، إلا أن أي مواجهة طويلة ستضغط على الداخل، لأن الحروب الخاطفة تُدار بالحسم، أما الحروب الممتدة فتُدار بالأعصاب، والأعصاب مورد محدود.
في واشنطن تبدو الصورة أعقد، فاستهداف قواعد أميركية يعني أن المسألة لم تعد مجرد دعم حليف، بل اختبارًا مباشرًا لهيبة الدولة، وفي الوقت نفسه يقترب الدين الأميركي من مستويات مرتفعة، والفوائد ثقيلة، والأسواق شديدة الحساسية لأي صدمة طاقة، وأي قفزة في أسعار النفط تعني تضخمًا جديدًا، والتضخم يعني تشديدًا ماليًا أطول، والتشديد يعني تباطؤًا اقتصاديًا أوسع، وقد يستفيد الدولار لحظة، لكنه سيحمل العالم معه في أي ارتداد حاد، فيما تتألم الأسواق الناشئة أولًا.
لنوسّع العدسة، فروسيا تراقب لأن أي انشغال أميركي يمنحها مساحة في أوكرانيا، وتركيا تحسب خطواتها، لا تريد نارًا قرب حدودها، لكنها تدرك أن لحظات التحول تخلق فرصًا، والصين تراقب بصمت، لأن كل استنزاف هنا يخفف الضغط هناك، وهكذا يصبح الشرق الأوسط نقطة تقاطع للنظام العالمي كله، ولكن بثمن مرتفع.
أما العالم العربي، فالحقيقة المُرّة أن العالم العربي لم ينجح يومًا في أن يكون مركز القرار، وغالبًا ما وجد نفسه مسرحًا تُدار فوقه المعارك، لا لاعبًا يحدد اتجاهها , المشكلة لا تكمن فقط في الصواريخ، بل في الضعف البنيوي، لأن أي اضطراب في الخليج يعني قفزة في أسعار النفط، وقفزة النفط تعني تضخمًا عالميًا، لكنها تعني أيضًا فجوة أعمق بين دول تملك احتياطيات صلبة ودول تعيش على الاقتراض، والاقتصادات العربية غير المنتجة ستدفع الثمن سريعًا، والشباب سيدفع الثمن، والاستقرار الاجتماعي سيدفع الثمن.
السخرية المؤلمة أن المنطقة التي تمتلك الطاقة والموقع والموارد تقف كثيرًا في موقع المتفرج على قرارات تُتخذ فوق رأسها، تُستَخدم أراضيها قواعد مرة، وممرات مرة، وساحات رسائل مرة أخرى، ثم يُطلب من شعوبها الصبر، لكن الصبر ليس سياسة، والانتظار ليس استراتيجية.
وإذا دخلت ميليشيات في العراق على الخط، أو تحرك الحوثيون في البحر الأحمر، فلن تبقى المواجهة نقطة واحدة، بل شبكة اشتباكات مترابطة، ترفع كل جبهة كلفتها، ويضيّق كل رد هامشه، وقد يفتح أي خطأ حسابي بابًا لا يُغلق بسهولة.
أنا لا أهوّل، لكنني أرى إرهاقًا يتراكم، فالتاريخ لا يسقط الدول بضربة واحدة، بل يتركها تفتح جبهات متعددة، ثم يختبر قدرتها على الصمود، والشعوب لا تصفق طويلًا إذا شعرت أن الفاتورة أكبر من المكسب.
الحروب تبدأ بقرار، لكنها تنتهي غالبًا بندم.
الشرق الأوسط اليوم في الجو، والمحركات تعمل بأقصى طاقتها، الصواريخ تصعد، والأعصاب تهبط، والعالم يراقب، والأسواق تحسب، والسياسيون يطلقون التصريحات، لكن السؤال الأكبر يبقى: هل نتعلم من التاريخ، أم نعيده بثقة أكبر وأخطاء أعمق؟
لأن التاريخ لا يبتسم للمندفعين، ولا يغفر للمعتدين، ولا يعفي المتقاعسين، فالشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى، ومن يعتقد أن القوة وحدها تكفي سيكتشف متأخرًا أن الزمن أقوى من الصواريخ، وأن الأمم التي لا تبني ذاتها تُبنى قراراتها في مكان آخر.