facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية: من التجزئة إلى التكامل


أ.د. أحمد منصور الخصاونة
21-02-2026 10:16 PM

في لحظةٍ مفصلية من تاريخ التعليم الأردني، لا يمكن النظر إلى دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي باعتباره مجرد إجراء إداري أو تغيير في المسميات. بل هو تحوّل استراتيجي يعيد صياغة فلسفة التعليم الوطنية ضمن رؤية متكاملة تمتد من الطفولة المبكرة حتى الدراسات العليا وسوق العمل، في إطار وزارة واحدة تحمل عنواناً واضحاً: وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية.

لطالما عانى النظام التعليمي من فجوة هيكلية بين المدرسة والجامعة. الطالب ينتقل من منظومة إلى أخرى دون انسجام حقيقي في السياسات أو المعايير أو التخطيط. المناهج المدرسية لا ترتبط دائماً بمتطلبات القبول الجامعي، والجامعات تشتكي من ضعف مخرجات التعليم العام، بينما تتحمل المدرسة أعباءً دون أدوات كافية للمواءمة. الدمج يأتي ليعالج هذه الحلقة المفقودة عبر توحيد الرؤية وصنع مسار تعليمي متكامل (Education Continuum) يضمن الاتساق في الأهداف والمعايير والتقييم.

إن توحيد المرجعية المؤسسية يتيح تخطيطاً وطنياً طويل الأمد مبنياً على بيانات متكاملة، لا على تقارير منفصلة. فعندما تُدار السياسات من مركز واحد، يصبح من الممكن ربط مؤشرات الأداء في التعليم العام بمؤشرات القبول الجامعي، وربط التعليم العالي بخطط سوق العمل، وربط الجميع بالأولويات الوطنية في الابتكار والبحث العلمي. هذا التكامل لا يُختزل في “سوق العمل”، بل يُعيد تنظيم العلاقة بين المعرفة والتنمية، بحيث يصبح التعليم محركاً للنمو لا قطاعاً معزولاً عنه.

دعم توجهات مهندس التعليم الوزير د. عزمي محافظة في هذا السياق لا يعني تبنّي خطاب اقتصادي ضيق، بل الاعتراف بأن الأردن بحاجة إلى حوكمة تعليمية رشيدة تتجاوز التشتت المؤسسي. الإصلاحات الكبرى في العالم أثبتت أن تجزئة السياسات التعليمية تُضعف المساءلة وتُربك التخطيط المالي وتؤخر الاستجابة للتحديات. أما التوحيد المؤسسي فيعزز كفاءة الإنفاق، ويقلل الازدواجية، ويمنح صانع القرار رؤية شمولية لسلسلة القيمة التعليمية كاملة.

فالحوكمة الرشيدة في قطاع التعليم لا تُقاس فقط بحجم الموازنات، بل بقدرة النظام على الربط بين التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ العملي والتقييم المستمر. عندما تتوزع الصلاحيات بين جهات متعددة بمرجعيات مختلفة، تتداخل الأدوار، وتضيع المسؤوليات، ويصبح من الصعب تحديد مكامن الخلل بدقة. أما في نموذج موحد، فتتضح خطوط المساءلة، ويصبح قياس الأداء أكثر دقة، إذ يمكن تتبع أثر كل سياسة من الصفوف الأولى حتى مخرجات التعليم العالي.

كما أن التشتت المؤسسي غالباً ما يؤدي إلى ازدواجية في البرامج والمبادرات؛ مشاريع متشابهة تُدار بمعايير مختلفة، وأنظمة معلومات غير مترابطة، وقواعد بيانات لا تتكامل فيما بينها. هذا التكرار لا يستهلك الموارد المالية فحسب، بل يستهلك الوقت والطاقة الإدارية، ويخلق بطئاً في اتخاذ القرار. التوحيد، بالمقابل، يسمح ببناء نظام معلومات وطني متكامل، يدعم التخطيط المبني على الأدلة (Evidence-Based Policy) ويعزز القدرة على التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية.

ومن زاوية التخطيط المالي، فإن إدارة موازنة تعليمية موحدة تتيح إعادة توجيه الموارد وفق أولويات وطنية واضحة، بدلاً من توزيعها على مسارات متوازية قد لا تعكس الصورة الكلية للاحتياجات. فعلى سبيل المثال، معالجة ضعف المهارات الأساسية في التعليم العام يمكن أن تُصمم ضمن رؤية تأخذ بعين الاعتبار أثرها المستقبلي على جودة التعليم الجامعي والبحث العلمي، ما يحقق عائداً تنموياً طويل الأمد.

الأهم من ذلك أن التوحيد المؤسسي يعزز سرعة الاستجابة للتحديات الطارئة والتحولات العالمية، سواء كانت رقمية أو اقتصادية أو اجتماعية. وجود مرجعية واحدة يسهل تحديث السياسات، وتعديل الأنظمة، وتوجيه المؤسسات التابعة ضمن إطار استراتيجي موحد، بدلاً من الدخول في مسارات تنسيق معقدة بين جهات متعددة.

بهذا المعنى، فإن دعم هذا التوجه هو دعم لمنهجية إصلاح قائمة على التكامل والوضوح والمساءلة، لا مجرد تأييد لقرار إداري. إنه انحياز لفكرة أن التعليم، بوصفه منظومة وطنية واحدة، يحتاج إلى قيادة موحدة ترى الصورة كاملة وتتحمل مسؤولية نتائجها كاملة.

ثم إن مفهوم “تنمية الموارد البشرية” لا ينبغي قراءته كاختزال للطالب في بعد اقتصادي، بل كإقرار بأن رأس المال البشري هو الثروة الحقيقية للدولة. الاستثمار في المعلم، في المناهج، في البحث العلمي، وفي التعليم التقني والمهني، هو استثمار في الإنسان الأردني بكل أبعاده: المعرفية والثقافية والقيمية والمهنية. التنمية البشرية الحديثة لا تنفصل عن الهوية ولا عن المواطنة، بل تعززها عبر تمكين الفرد بالعلم والمهارة والوعي النقدي.

الدمج أيضاً يخلق فرصة لإعادة ضبط منظومة المساءلة. بدلاً من تبادل اللوم بين المراحل التعليمية، يمكن تبني نظام تقييم وطني موحد يقيس نواتج التعلم بوضوح، ويتابع أثرها عبر المراحل المختلفة. هذه الرؤية التراكمية تسمح بمعالجة ضعف القراءة أو الرياضيات في سن مبكرة قبل أن يتحول إلى أزمة في التعليم الجامعي أو عبء على الاقتصاد.

إدارياً، صحيح أن أي إعادة هيكلة كبرى تتطلب جهداً انتقالياً، لكنها في المقابل تفتح الباب لإعادة توزيع الموارد بكفاءة أعلى، وتبسيط الإجراءات، وتسريع اتخاذ القرار. في ظل الضغوط الاقتصادية، لا يمكن استمرار الهياكل المتوازية التي تستهلك ميزانيات تشغيلية منفصلة دون تكامل فعلي في النتائج.

أما المخاوف المتعلقة بفلسفة التعليم، فهي مشروعة، لكنها لا تُعالج برفض الدمج بل بضبط توجهاته عبر رؤية وطنية واضحة توازن بين المعرفة وسوق العمل، بين الهوية والمهارة، وبين البحث العلمي والتنمية الاقتصادية. الوزارة الموحدة تتيح هذا التوازن إذا أُديرت برؤية استراتيجية عميقة.

في جوهر الأمر، ليس السؤال هل ندمج أم لا، بل كيف نجعل الدمج أداة لتحسين التعلم فعلياً. إذا استُثمرت هذه الخطوة في تطوير المعلم، وتحديث المناهج، وتعزيز البحث العلمي، ومواءمة التعليم مع التحولات الرقمية، فإن الأردن سيكون أمام فرصة تاريخية لبناء منظومة تعليمية مترابطة وقادرة على المنافسة إقليمياً.

التعليم ليس مباني فقط، ولا شعارات فقط، بل منظومة متكاملة تحتاج إلى قيادة موحدة ورؤية شاملة. دمج الوزارتين يمكن أن يكون الخطوة الأولى نحو هذا التكامل، شريطة أن يُدار بحوكمة قوية وشفافية ومسؤولية وطنية عالية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :