المصارف الإسلامية ورأس المال البشري .. الاستثمار في الإنسان قبل البنية
د. محمد فخري صويلح
15-02-2026 12:37 AM
في عالم يتسارع فيه التحول الرقمي، وتزداد فيه المنافسة في الأسواق المالية، لم يعد رأس المال المادي أو التقني هو العنصر الحاسم في بناء ميزة تنافسية مستدامة للمؤسسات المصرفية، بل أصبح رأس المال البشري هو العامل الأكثر تأثيراً في قدرة المؤسسات على الابتكار، والتكيّف، وتحقيق النمو،،، وينطبق هذا القول بوجه خاص على المصارف الإسلامية، التي تقوم على منظومة قيمية ومعرفية فريدة، وتحتاج إلى كوادر بشرية تمتلك مزيجاً من الكفاءة الشرعية، والمهارة المالية، والقدرة التقنية،،، ومن هنا، فإن الاستثمار في الإنسان لم يعد ترفاً بل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة هذه الصناعة.
تتميز المصارف الإسلامية بخصوصية تجعلها أكثر اعتماداً على العنصر البشري من المصارف التقليدية،،، فبينما يمكن للمصرف التقليدي أن يعتمد على النماذج المالية المعيارية في كثير من عملياته، فإن المصرف الإسلامي يحتاج إلى إعمال اجتهاد فقهي وشرعي في كل منتج تمويلي أو استثماري يقدمه،،، كما أن تفاعله مع قطاعات متنوعة — مثل الوقف، والزكاة، والصكوك، والتكافل — يتطلب مهارات مركّبة وقدرات تحليلية متقدمة،،، وهذا يضع رأس المال البشري في قلب معادلة النجاح.
إن أول ما تحتاج إليه المصارف الإسلامية هو استراتيجية واضحة لبناء رأس المال البشري تقوم على تحديد المهارات المستقبلية المطلوبة،،، فلم يعد يكفي أن يكون الموظف ملماً بالفقه والمعاملات المالية فقط، بل يجب أن يمتلك إلماماً عميقاً بالتقنيات المصرفية الحديثة، وبفهم ديناميكيات الأسواق، والقدرة على التكيّف مع التحولات التنظيمية والتكنولوجية،،، هذه المهارات لا تتشكل صدفة، بل من خلال تخطيط مؤسسي طويل المدى.
ومن المحاور الجوهرية في هذا الإطار بناء كوادر شرعية متخصصة ذات فهم مالي وتقني سليم،،، فالكفاءات الشرعية التقليدية كانت تركز غالباً على الفقه دون التعمق في أدوات التمويل المعاصر،،، أما اليوم، فإن المصرف الإسلامي يحتاج إلى فقهاء مصرفيين قادرين على الاجتهاد في ضوء الواقع المالي العالمي،،، هؤلاء يشكلون جسراً بين الرؤية الشرعية ومتطلبات السوق، ويمنحون المصرف قدرة أكبر على الابتكار الشرعي والمالي في آن واحد.
وفي الاتجاه المقابل، تحتاج المصارف الإسلامية إلى كوادر مالية وتقنية تمتلك فهماً شرعياً أساسياً. فالمحلل المالي أو مدير الاستثمار في البنك الإسلامي يجب أن يدرك الفرق بين التمويل الربوي والتمويل الإسلامي، وأن يتقن استخدام الصيغ الشرعية في تصميم المنتجات المالية،،، هذا الدمج بين التخصصين — الشرعي والتقني — يمثل العنصر المميز في رأس المال البشري الذي تحتاجه الصناعة المصرفية الإسلامية في مرحلتها القادمة.
كما أن بناء الثقافة المؤسسية داخل المصرف الإسلامي يمثل عاملاً حاسماً في تمكين رأس المال البشري،،، فوجود بيئة عمل تحفّز القيم الإسلامية — كالعدالة، والأمانة، والشفافية، وروح الخدمة — يعزز من انتماء الموظفين ويدفعهم نحو الإبداع والمسؤولية،،، فالابتكار لا يتحقق في بيئة جامدة، بل في بيئة تُقدّر المعرفة وتكافئ الجهد وتبني الثقة بين الإدارة والموظفين.
ومن الأدوات المهمة لبناء رأس مال بشري قوي الاستثمار في برامج التدريب والتأهيل المستمر،،، فالتحولات التقنية والتشريعية والشرعية في القطاع المالي الإسلامي تتطلب تحديثاً مستمراً للمعرفة،،، فكل موظف — من موظف خدمة العملاء إلى الرئيس التنفيذي — بحاجة إلى تطوير مهاراته بشكل دوري لمواكبة هذه التغيرات،،، ويشمل ذلك التدريب على الصيغ الشرعية، والتحول الرقمي، وإدارة المخاطر والامتثال، والتقنيات المالية الحديثة.
كما يمكن للمصارف الإسلامية عقد شراكات استراتيجية مع الجامعات ومراكز الأبحاث لتطوير برامج أكاديمية ومهنية متخصصة،،، هذه الشراكات تساعد في تخريج جيل جديد من الكفاءات المصرفية الإسلامية الجاهزة للعمل، بدلاً من الاعتماد على التدريب بعد التوظيف،،، كما يمكن للمصارف المساهمة في وضع مناهج تعليمية عملية تربط بين النظرية الشرعية والواقع المالي.
ومن الجوانب المهمة في إدارة رأس المال البشري للمصارف الإسلامية التركيز على القيادة المؤسسية،،، فالقادة في هذا القطاع لا بد أن يجمعوا بين الرؤية الاستراتيجية، والفهم الشرعي، والقدرة على توجيه فرق عمل متنوعة الخلفيات،،، كما أن بناء قيادات شابة قادرة على تولي المسؤوليات المستقبلية يمثل استثماراً طويل الأمد يضمن استدامة المؤسسة.
وفي ظل التحول الرقمي السريع، لم يعد العنصر البشري مقصوراً على الكفاءة الفردية، بل أصبح مرتبطاً بقدرته على العمل في بيئة هجينة تجمع بين الإنسان والتقنية،،، فالموظف في المصرف الإسلامي المستقبلي يجب أن يكون قادراً على التفاعل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات المالية الضخمة، وفهم نماذج العمل الجديدة كالمنصات المفتوحة والتمويل التشاركي.
ومن الزوايا الاستراتيجية المهمة أن الاستثمار في رأس المال البشري يعزز من تنافسية المصرف الإسلامي في الأسواق العالمية،،، فحين يمتلك المصرف كفاءات بشرية ذات طابع مهني وعلمي عالٍ، يصبح قادراً على تصميم منتجات مبتكرة، وفتح أسواق جديدة، وبناء شراكات عابرة للحدود،،، فالعنصر البشري ليس مجرد مورد تشغيلي، بل رافعة استراتيجية حقيقية.
لكن هذا المسار لا يخلو من التحديات. فالصناعة المصرفية الإسلامية تواجه نقصاً في الكفاءات المتكاملة القادرة على العمل بكفاءة عالية في هذا القطاع المتخصص،،، كما تواجه تحديات في الاحتفاظ بالموارد البشرية المؤهلة بسبب المنافسة من المصارف التقليدية وشركات التقنية المالية،،، لذلك، يجب أن تتبنى المصارف الإسلامية سياسات واضحة لجذب الكفاءات وتحفيزها والحفاظ عليها.
كما أن تطوير رأس المال البشري يتطلب مواءمة بين الحوكمة الشرعية والمؤسسية،،، فوجود هياكل واضحة للوظائف الشرعية، ومجالس رقابة شرعية فاعلة، وأنظمة واضحة للترقية والحوافز، يعزز من ثقة الكفاءات بالمؤسسة، ويخلق بيئة مهنية مستقرة وجاذبة.
إن مستقبل المصارف الإسلامية لن يُبنى على الأموال أو البنية التحتية التقنية فقط، بل على الإنسان القادر على تفعيل هذه الموارد وتحويلها إلى قيمة مضافة،،، فالمصرف الذي يستثمر في كوادره يضع نفسه في موقع الريادة، أما الذي يهمل رأس المال البشري، فسيبقى في الهامش مهما بلغت قدراته التقنية.
إن الاستثمار في رأس المال البشري ليس خياراً للمصارف الإسلامية، بل ضرورة استراتيجية لضمان قدرتها على المنافسة في نظام مالي عالمي سريع التحول،،، وإذا ما نجحت في بناء منظومة متكاملة لتنمية الإنسان، فإنها ستملك مفتاح الاستدامة الحقيقية.