facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دولة أحمد عبيدات… حين تقود الذاكرة إلى جوهر الدولة


كابتن أسامة شقمان
08-02-2026 07:40 AM

لم يكن ثاني لقاء جمعني بالمرحوم أحمد عبيدات لقاءً عابرًا، ولا مشهدًا يُصنّف ضمن البروتوكولات المعتادة للرجال الذين شغلوا أعلى المناصب.
لم يكن في مكتب رسمي،

ولا في قاعة ذات أبواب ثقيلة وحراسة صامتة. كان في محل البشيتي – شارع الملك عبدالله. مكان عادي، يشبه الناس، ويشبه الحياة حين تكون بلا أقنعة.
وقف عند الكونتر وحده. حديث قصير، هادئ، بلا مقدمات ولا حواجز. خرجنا معًا، تبادلنا بضع دقائق من الكلام، ثم ركب سيارته، وقادها بنفسه… بلا سائق،
بلا موكب، وبلا حاجة لأن يلتفت خلفه ليتأكد أن أحدًا انتبه.

في تلك اللحظة، أدركت أن بعض الرجال لا يغادرون المناصب فقط، بل يغادرونها بسلام داخلي. سلام من يعرف أن المنصب وسيلة لا غاية، وأن السلطة حين تفقد معناها الأخلاقي، تتحول إلى عبء. لكن هذا لم يكن اللقاء الأول.

اللقاء الأول كان قبل ذلك بسنوات، في مديرية الأمن العام منتصف الثمانينيات،

حين كان والدي يعمل في جهاز الأمن العام. هناك رأيت أحمد عبيدات للمرة الأولى في قلب المؤسسة، في سياق الدولة لا في تفاصيل الشارع. عرّفت بنفسي آنذاك كطيّار في الملكية الأردنية،
فاستقبلني بكلمات بسيطة، لكنها بقيت في الذاكرة. لم تكن نصيحة مباشرة، ولا خطابًا رسميًا، بل جملة تحمل خلاصة تجربة طويلة،

كأنها تقول دون إسهاب:
“الطريق لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بصدق الاتجاه،
ومن يخدم وطنه بإخلاص… لا يضيع.” كانت تلك الكلمات أشبه ببوصلة، تشجيعًا على الاستمرار، وتأكيدًا أن الخدمة الحقيقية لا تحتاج ضجيجًا. كان المشهد رسميًا،
لكن الرجل لم يكن ثقيل الظل. هيبة واضحة، وحضور محسوب، دون أن تشعر أن السلطة تحاول أن تفرض نفسها عليك.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت المفارقة تتشكّل في ذهني:

كيف يجتمع رجل الأمن، ورجل السياسة، ورجل الإنسان… في شخص واحد؟

وُلد أحمد عبيدات في حرثا – إربد عام 1938، ودرس القانون في جامعة بغداد،

ليبدأ حياته معلّمًا، قبل أن تقوده المرحلة والظروف إلى العمل العام. التحق بجهاز المخابرات العامة، وتدرّج في مواقع حساسة، حتى أصبح مديرًا له في مرحلة دقيقة من تاريخ الأردن،
مرحلة كانت الدولة فيها تُبنى بالحذر، وتُدار بالعقل قبل الخطاب. لاحقًا، انتقل إلى قلب العمل السياسي:

وزيرًا للداخلية، ثم رئيسًا للوزراء في منتصف الثمانينيات.
غير أن اللافت في مسيرته
لم يكن عدد المناصب، بل طريقة الخروج منها. لم يتعامل مع المنصب كامتياز دائم، بل كوظيفة مؤقتة لخدمة فكرة أكبر: الدولة.

بعد خروجه من الحكم، لم ينسحب إلى الظل، بل بقي حاضرًا في النقاش العام؛ ناقدًا حين يجب النقد،
متحفظًا حين تستدعي الحكمة، وصريحًا حين يصبح الصمت تواطؤًا.
شارك في صياغة الميثاق الوطني، وكان له موقف واضح من قضايا مفصلية،
رافضًا أن تتحول السياسة إلى صمت مريح، أو أن يصبح المسؤول شاهدًا بلا رأي.

ما يميّز أحمد عبيدات في الذاكرة ليس فقط تاريخه الأمني أو السياسي، بل تحوّله الإنساني. رجل عرف دهاليز السلطة، ثم اختار أن يقف في الضوء العادي،
بين الناس، بلا مسافة مصطنعة.bوهنا يكمن البعد الفلسفي في تجربته: أن تكون قويًا دون أن تكون قاسيًا، وأن تمتلك السلطة دون أن تتماهى معها، وأن تخرج من التاريخ الرسمي.

لتدخل ذاكرة الناس. حين رحل، لم يُستدعَ اسمه من الأرشيف فقط، بل من الحكايات الصغيرة: في شارع، في محل، في لقاء عابر، وفي صورة لا تُظهر منصبًا، بل تُظهر رجلًا.
أحمد عبيدات لم يكن سطرًا في سجل الحكومات، بل تجربة تطرح سؤالًا مفتوحًا:

هل يمكن للسياسة أن تبقى أخلاقية؟ ربما لا دائمًا…
لكن بعض الرجال يثبتون أنها ممكنة.
رحم الله أحمد عبيدات، رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.






  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :