قبل الحظر… حوكمة الإنترنت
د. رائد قاقيش
08-02-2026 12:03 PM
قرار إسبانيا منع من هم دون 16 عامًا من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُقدَّم بوصفه حماية للأطفال، لكنه في الحقيقة يعيدنا إلى سؤال أقدم وأهم: هل نملك اليوم حوكمة حقيقية للإنترنت أم ما زلنا نكتفي بردود فعل متأخرة؟
لا أحد ينكر أن الفضاء الرقمي بات بيئة قاسية على الأطفال: منصّات مصمّمة لجذب الانتباه والإدمان، وخوارزميات تُضخِّم الاستفزاز والتنمر والتضليل، ونموذج اقتصادي قائم على جمع البيانات الشخصية وتحويلها إلى سلعة. من هنا نفهم دوافع إسبانيا — لكن الدواء لا يمكن أن يكون الحظر وحده.
الحظر إجراء سهل سياسيًا، لكنه ضعيف عمليًا. المراهقون سيلتفون عليه، بينما تبقى المشكلة الأصلية قائمة: شركات تملك تفاصيل دقيقة عن حياتنا — ما نحب، ما نخاف، أين نذهب، وكيف نفكر. والأخطر أن أي نظام تحقق من العمر بلا ضمانات صارمة للخصوصية قد يتحول إلى بنية رقابية دائمة تتجاوز حماية الأطفال إلى مراقبة الجميع.
هنا تصبح القضية أوسع من إسبانيا. العالم لا يملك “دستورًا موحدًا للإنترنت”. لدينا فضاء رقمي عابر للحدود، تقابله قوانين وطنية متفرقة. النتيجة: قرارات مجتزأة، حماية غير متناسقة، وشركات تقنية عملاقة أقوى من كثير من الدول.
في هذا السياق، من المفيد النظر إلى تجربتين عربيتين قريبتين: الأردن والإمارات.
الأردن تحرّك تشريعيًا في السنوات الأخيرة، فأقرّ قانون الجرائم الإلكترونية (2023) الذي شدّد على حماية الفضاء الرقمي ومواجهة الابتزاز والاختراق والإساءة، إلى جانب قانون حماية البيانات الشخصية الذي ينظّم جمع البيانات ومعالجتها. صحيح أن هذه القوانين أثارت نقاشًا عامًا حول حرية التعبير وحدود التطبيق — وهذا نقاش صحي ومطلوب — لكنها تعبّر عن إدراك أردني بأن الإنترنت يحتاج قواعد، لا فوضى.
الإمارات بدورها بنت إطارًا أكثر تكاملًا: قانون حديث لحماية البيانات الشخصية يمنح الأفراد حقوقًا على معلوماتهم، وقانون لمكافحة الجرائم الإلكترونية يجرّم الاختراق والاعتداء على الأنظمة والمحتوى الضار، إضافة إلى تشريعات منظِّمة للإعلام والمحتوى الرقمي. النتيجة ليست مثالية — ولا توجد دولة كاملة في هذا المجال — لكنها تمثّل محاولة جدّية لبناء حوكمة رقمية بدل الاكتفاء بالمنع أو الإهمال.
الدرس الأهم هنا أن حماية الأطفال والمجتمع لا تبدأ بالحظر، بل بالحوكمة: مساءلة المنصّات عن تصميماتها المُدمِنة وخوارزمياتها، أنظمة تحقق من العمر تحفظ الخصوصية ولا تُنشئ سجلات دائمة، وتعليم رقمي يُنمّي الوعي بدل الاكتفاء بالمنع.
الإنترنت لم يعد مساحة ترفيه؛ إنه بنية تحتية للحياة والاقتصاد والمعرفة. لذلك، المعركة ليست على أعمار المستخدمين، بل على من يكتب قواعد العصر الرقمي.
الحماية تبدأ بالحوكمة — لا بالحظر. والاختبار الحقيقي لأي دولة ليس في قدرتها على المنع، بل في قدرتها على حماية الإنسان وبياناته داخل الفضاء الرقمي