facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الجماعة الإسلامية في لبنان: من الجذور الفكرية إلى مقصلة التصنيف الأمريكي


ميرا مشعل
08-02-2026 12:36 PM

الدراسة تقرأ مسار الجماعة الإسلامية في لبنان بوصفه مسار تحوّل بين الدعوي والسياسي والعسكري في سياق لبناني وإقليمي معقّد.
القرار الأميركي بتصنيف الإخوان (بما فيهم الجماعة في لبنان) مثّل نقطة انعطاف استراتيجية تعيد تعريف موقعها في النظام الإقليمي وتفرض عليها خيارات وجودية.

نشأت الجماعة من بيئة دعوية إصلاحية، لكنها تبنّت تدريجياً نموذج التنظيم الحركي الشامل المتأثر بفكر الإخوان.

الجماعة لم تتحول إلى تنظيم مقاومة مركزي مثل حزب الله، بل حافظت على موقع بيني: سياسي-دعوي مع قدرة عسكرية محدودة.
الجماعة فشلت في التحول إلى حزب سنّي كبير، وبقيت فاعلًا متوسطًا يعتمد على التحالفات.

الجماعة أمام لحظة إعادة تعريف تاريخية، وليس مجرد أزمة مرحلية.

من زاوية دراسات الإسلام السياسي والأنظمة الطائفية، يمكن استخلاص ثلاث أطروحات كبرى: الإسلام السياسي السني في لبنان لا يملك بيئة سلطوية تمكّنه من التحول إلى حزب مهيمن كما في دول أخرى. المقاومة تمنح شرعية شعبية لكنها لا تنتج نفوذاً سياسياً مستداماً داخل النظام الطائفي. الضغوط الدولية أصبحت عاملاً بنيوياً يعيد تشكيل الحركات الإسلامية، لا مجرد عامل خارجي.

شكّل الأمر التنفيذي الذي وقّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان بأنها تنظيماتٍ إرهابية، نقطة تحوّل حاسمة في سياسة واشنطن تجاه الإسلام السياسي [*] ، إذ لم يكن ذلك القرار مجرد إجراء إداري يستهدف فروع جماعة الإخوان المسلمين فقط، ولم يقتصر على البعد الأمني فحسب ، بل أعاد تعريف مكانة هذه الحركات داخل النظام الإقليمي والدولي، مفرقاً بين التيارات الدعوية والسياسية، والتيارات المقاتلة، واضعاً الجماعة الإسلامية اللبنانية في قلب معادلة دولية جديدة.

في هذا السياق تكتسب الحالة اللبنانية خصوصيتها من كون الجماعة الإسلامية لم تكن يومًا فاعلًا مهيمنًا في المشهد السني، بل كحركة دينية–اجتماعية ذات حضور متدرّج، مرّت بمراحل متعدّدة من العمل الدعوي، والانخراط السياسي، وصولًا إلى عودة محدودة إلى العمل العسكري عبر “قوات الفجر” في سياق الحرب الأخيرة على غزة وجبهة الإسناد ضد إسرائيل، وهذا المسار المركّب، الذي تداخل فيه المحلي بالإقليمي، والدعوي بالميداني، جعل الجماعة عرضة لقراءة أميركية على مستويات عدة : سياسياً، أغلقت أمامها أبواب التحالفات داخل المشهد اللبناني؛ مالياً، عبر تضييق شبكات الدعم المؤسسي والاجتماعي؛ وتنظيميًا، بفعل الضغط على قيادتها وقدرتها على التجديد الداخلي.

القرار الأميركي جاء في وقت كانت الجماعة تحاول إعادة بناء موقعها في الساحة اللبنانية، مستفيدة من الفراغ السني ومن محاولات الانفتاح على تحالفات غير مألوفة، لكنه فرض عليها واقعًا جديدًا يُعيد رسم حدود حضورها ويجعلها أمام خيارات محدودة: إما الانكماش التدريجي وتحويلها إلى كيان رمزي محدود التأثير، أو التماهي مع محور واحد قادر على تحمّل كلفة المواجهة مع واشنطن، أو إعادة تشكّل هويتها في إطار سياسي–اجتماعي جديد.

وأمام هذا المشهد المأزوم، يطرح المقال تساؤلاً جوهرياً حول قدرة الجماعة على الموازنة بين هويتها العقائدية وضغوط الواقع السياسي الدولي، استناداً إلى ذلك ، يتناول المقال بالتحليل مسار التحولات البنيوية والسياسية للجماعة الإسلامية في لبنان، بدءاً من جذورها الفكرية وصراع الهوية بين الدعوي والحركي ، مروراً بتحولاتها العسكرية وانخراط “قوات الفجر” في جبهات الإسناد، وصولاً إلى إشكالية التمثيل النيابي وعلاقتها الجدلية مع حزب الله. ويهدف هذا التتبع التاريخي إلى فهم محددات التموضع الحالي للجماعة، وتفسير الأسباب التي جعلتها اليوم في مواجهة مباشرة مع مقصلة التصنيف الأمريكي، ومحاولة قراءة السيناريوهات المحتملة لمستقبلها في ظل انسداد الأفق والضغوط الدولية المتزايدة.

من الدعوة إلى التنظيم: تشكّل الجماعة الإسلامية في السياق اللبناني

تُعدّ الجماعة الإسلامية في لبنان امتدادًا لبنانيًا لحركة الإخوان المسلمين على الصعيد العالمي، وقد تبلورت كتنظيم إسلامي فكري–سياسي في أواخر الخمسينات وبدايات الستينات القرن الماضي، ولا سيما في مدينة طرابلس , وجاء هذا التبلور بعد مرحلة من نضوج التيار الإسلامي في لبنان، متأثرًا بصورة مباشرة بفكر وتجربة الإخوان المسلمين في مصر وسوريا وباكستان، وفرض تشكّلها داخل البيئة اللبنانية عليها التفاعل مع واقع سياسي واجتماعي مغاير لما عليه حال الجماعة في العديد من الدول العربية، ولا سيما في الأبعاد المتعلقة بالتنوع الطائفي والعرقي والديني والثقافي المجتمعي والواقعي الجيو سياسي اللبناني، وهي عوامل أثّرت – بالضرورة- على تطور الجماعة وخياراتها السياسية والاستراتيجية عبر العقود الماضية.

تعود الجذور الأولى للجماعة الإسلامية إلى جماعة عبّاد الرحمن، التي تأسست في بيروت عام 1950 على يد الداعية محمد عمر الداعوق، والتي شكّلت الرعيل الأول للحركة الإسلامية في لبنان وقد أسهمت جماعة عبّاد الرحمن، من خلال نشاطها الدعوي ومصادرها المكتوبة، في تبلور الفكر الإسلامي لدى مؤسسي الجماعة الإسلامية لاحقًا، ويُلاحظ أن هذا الامتداد التنظيمي يعكس مسارًا تدريجيًا في بناء الحركة الإسلامية في لبنان، الذي انتقل من العمل الدعوي المحدود إلى محاولة إنشاء تنظيم فكري–سياسي أكثر شمولًا.[1]

كان من بين أبرز المؤثرات الفكرية في هذه المرحلة مجلة “الدعوة”، التي كانت تصل إلى لبنان وتعرّف عددًا من الناشطين الإسلاميين على فكر الإخوان المسلمين، وأسهمت في خلق حالة من التواصل الفكري بين التجربة الإخوانية في المشرق العربي والساحة اللبنانية، وقد شكّلت هذه المجلة أحد عوامل شهرة أحد رموز الحركة التاريخيين، فتحي يكن، الذي يُعدّ مؤسس الجماعة الإسلامية في لبنان، وتُعتبر هذه المرحلة بمثابة النواة الأولى التي تبلورت لاحقًا في إطار تنظيمي أكثر وضوحًا.

وفي عام ١٩٥٩ ، لم يكن انفصال مجموعة طرابلس بقيادة فتحي يكن عن “جماعة عباد الرحمن” في بيروت مجرد تباين إداري أو تنظيمي عابر، بل كان تعبيراً عن “أزمة هوية” مبكرة داخل التيار الإسلامي اللبناني، وضعت نموذج “الجمعية الدعوية الإصلاحية” في مواجهة نموذج “التنظيم الحركي الشامل” وفبينما كانت جماعة “عباد الرحمن” بقيادة محمد عمر الداعوق تتبنى مساراً تربوياً أخلاقياً يبتعد عن التسييس المباشر ، وكانت النواة الطرابلسية قد بدأت تتشرب الفكر الإخواني الصرف (القطبي والسباعي)، الذي يرى في الإسلام نظاماً شاملاً لا يفصل بين الدعوة وبين أدوات القوة والسياسة.[2]

وقد شكلت “ثورة عام 1958” المختبر الميداني الأول الذي فجر هذه التناقضات الكامنة؛ ففي حين التزم مركز بيروت بالحياد التاريخي للجماعة تجنباً للانزلاق في الصراعات الأهلية، رأت مجموعة طرابلس أن الواقع الأمني المفروض على المدينة، وحالة الحصار التي عاشتها، تفرض على المسلم الداعية أن يتحول إلى “كادر ميداني” يدافع عن بيئته ومبادئه ، هذا الانخراط العسكري الدفاعي لشباب طرابلس، وتأسيسهم لإذاعة “صوت لبنان الحر” ذات النبرة السياسية الحادة، اعتبرته قيادة بيروت خروجاً صارخاً عن ميثاق الجماعة وتورطاً في “عمل ميليشياوي” يهدد صفتها الدعوية.[3]

أما من الناحية الفكرية، فقد تعمق الشرخ بفعل الضغوط الناصرية الهائلة في ذلك الوقت؛ حيث مالت قيادة بيروت إلى المهادنة للحفاظ على الكيان التنظيمي، بينما اتخذ يكن ورفاقه موقفاً راديكالياً يرفض الذوبان في المشاريع القومية، مستلهمين ذلك من محنة الإخوان في مصر وزيارة المرشد العام حسن الهضيبي للبنان عام 1954، والتي منحتهم شعوراً بالشرعية الدولية كفرع أصيل لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي.[4]

وبناءً عليه، جاء قرار الانفصال كضرورة بنيوية لتمكين مجموعة طرابلس من ممارسة “الحركية الشاملة” دون قيود “أدبية الدعوة” التي فرضها الداعوق ، هذا الطلاق التنظيمي لم يكن نهاية للمسار، بل كان لحظة الولادة الحقيقية لما سيعرف لاحقاً بـ “الجماعة الإسلامية”، حيث استقرت القناعة لدى يكن بأن الإصلاح لا يتحقق بالوعظ وحده، بل بامتلاك ناصية التأثير السياسي والقدرة على المواجهة الميدانية، وهي البذرة التي أثمرت لاحقاً في صياغة دور الجماعة العسكري والسياسي عبر عقود الصراع اللبناني.

وفي عام 1964، برزت الجماعة الإسلامية بشكل رسمي، وافتتحت مركزها في بيروت، حيث تولّى فتحي يكن منصب أول أمين عام لها، إلى جانب عدد من المؤسسين، من بينهم فايز إيعالي، ومحمد كريمة، ومحمد دريعي، وإبراهيم المصري , وأصدرت الجماعة في هذه المرحلة مجموعة من النشرات الدعوية والتنظيمية، كان أبرزها “الجماعة الإسلامية: مبادئ وأهداف”، التي أكدت من خلالها إيمانها بأن إصلاح واقع المسلمين لا يتحقق عبر الوعظ أو الجهود الفردية وحدها، بل يتطلب عملًا إسلاميًا منظمًا يسعى إلى قيادة المجتمع ومواجهة التحديات الفكرية والسياسية والاجتماعية المعاصرة، ويعكس هذا الطرح انتقال الجماعة من الخطاب الدعوي العام إلى تصور أكثر شمولًا لدورها في المجال العام.[5]

ومع منتصف ستينات القرن الماضي، انتقلت الجماعة الإسلامية في لبنان من طور التأسيس إلى مرحلة التنظيم العام، حيث بدأ يتبلور إطارها القيادي وهيكليتها المؤسسية على المستوى الوطني، وقد أسهم هذا التطور في توحيد عملها بين مختلف المناطق اللبنانية، ولم يكن هذا التحول مجرد تطور تنظيمي داخلي، بل شكّل خطوة أساسية في تثبيت حضور الجماعة كفاعل إسلامي منظم، ما مهّد لاحقًا لدخولها الحياة العامة، وانعكس على دورها السياسي وعلى طبيعة علاقاتها مع القوى الحزبية في لبنان.

من العمل الدعوي إلى السلاح: التحولات البنيوية للجماعة في زمن الحرب
لم يكن انتقال الجماعة الإسلامية في لبنان إلى العمل العسكري والمقاومة نتاج خيار أيديولوجي حاسم اتُّخذ في لحظة واحدة، بل جاء نتيجة مسار تراكمي فرضته التحولات البنيوية التي شهدها لبنان منذ منتصف السبعينيات , فقد نشأت الجماعة أساسًا كحركة دعوية–فكرية ذات طموح إصلاحي تدريجي، تستلهم تجربة الإخوان المسلمين وتعمل ضمن منطق التنظيم والعمل الجماعي، مع ميل واضح إلى تجنّب الصدام المباشر مع الدولة أو المكونات المجتمعية الأخرى , غير أن اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 أدخل الجماعة في واقع أمني وطائفي جديد، انهارت فيه سلطة الدولة وتحوّل السلاح إلى الأداة الأساسية لإدارة الصراع، مما دفع الجماعة إلى إعادة النظر في موقعها ووظيفتها داخل هذا الواقع .[6]

في هذا السياق، جاء تأسيس تنظيم “المجاهدون” في الشمال بوصفه استجابة دفاعية أكثر منه مشروعًا عسكريًا متكاملًا، فقد نظرت الجماعة إلى العمل المسلح في تلك المرحلة باعتباره وسيلة لحماية المناطق ذات الغالبية المسلمة والدفاع عن الوجود الاجتماعي في ظل ما اعتبرته تهديدًا مباشرًا ناتجًا عن العنف الطائفي، ويُلاحظ أن هذا التحول اتسم بقدر عالٍ من البراغماتية، إذ جرى توسيع قاعدة التنظيم لتشمل متدينين من خارج الإطار التنظيمي للجماعة، واعتماد دورات عسكرية شبه علنية، ما يدل على أن منطق الضرورة الميدانية تقدّم على الاعتبارات التنظيمية الصارمة، إلا أن هذا المسار ظل محدودًا جغرافيًا وزمنيًا، وانتهى عمليًا مع التدخل السوري عام 1976، الذي كبّل عمل الجماعة العسكرية وأعاد فرض توازنات جديدة أجبرتها على تفكيك تنظيمها المسلح في الشمال.[7]

غير أن التحول الأعمق في مسار الجماعة العسكرية جاء مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، الذي مثّل لحظة مفصلية أعادت تعريف مفهوم العمل المسلح لدى الجماعة، ففي ظل انهيار الفصائل الفلسطينية المدربة والمسلحة، وانكشاف الساحة السنية في الجنوب، برز فراغ مقاوم دفع الجماعة الإسلامية، وخصوصًا في مدينة صيدا، إلى إعادة تفعيل العمل العسكري ضمن إطار جناح عسكري جديد وهو “قوات الفجر”. في هذه المرحلة، انتقل السلاح من كونه أداة دفاع محلي إلى جزءًا من تصور شرعي–سياسي أوسع للمواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، مستندًا إلى مزيج من الدوافع العقائدية والضرورات الميدانية، وإلى حاضنة اجتماعية وجدت في المقاومة تعبيرًا عن الكرامة والدفاع عن الأرض.[8]

يكشف مسار تأسيس “قوات الفجر” عن توتر بنيوي داخل الجماعة بين القيادة المركزية التي اتسمت بالحذر وإيثار السلامة، وبين القيادة الميدانية التي فرضت الوقائع العسكرية على الأرض , فقد سبقت العمليات العسكرية القرار التنظيمي في أكثر من محطة، مما يعكس طبيعة انتقال الجماعة إلى العمل المسلّح بوصفه مسارًا تفاعليًا فرضته الضرورة، لا استراتيجية معدّة سلفًا , ومع ذلك، سرعان ما اضطرت القيادة إلى استيعاب هذا الواقع، فأقرت العمل العسكري ضمن ضوابط محددة، حافظت من خلالها على الطابع السري للعمل، وربطت الجناح العسكري بالقيادة السياسية لتأمين الغطاءين المادي والتنظيمي، دون الذهاب إلى تبنّي مشروع عسكري شامل على غرار تنظيمات مقاومة أخرى. [9]

ومع تعاظم تجربة صيدا وتراكم الخبرة العسكرية، انتقلت الجماعة الإسلامية تدريجيًا من نمط حرب العصابات المحدودة إلى العمل العسكري الأكثر تنظيمًا، مستفيدة من خبرات ضباط منشقين ومن دعم لوجستي متواضع تطوّر مع الوقت، إلا أن هذا التطور لم يؤدِّ إلى تحوّل الجماعة إلى قوة عسكرية مهيمنة، بل بقي محكومًا باعتبارات سياسية وإقليمية معقّدة، لا سيما بعد اتفاق الطائف، الذي أفضى إلى نزع سلاح معظم الميليشيات ومنح حزب الله حصرية شبه كاملة في العمل المقاوم ضد الاحتلال الإسرائيلي , وفي هذا الإطار، تراجعت الجماعة عسكريًا، وحافظت على وجود رمزي ومحدود لقوات الفجر، وهذا ما يعكس انتقالها مجددًا إلى موقع المراقب الحذر أكثر من كونها فاعلًا مقاومًا مركزيًا.

وعليه، يمكن القول إن انتقال الجماعة الإسلامية إلى العمل العسكري لم يكن مسارًا تصاعديًا خطيًا، بل سلسلة من التحولات المرحلية التي تأرجحت بين الانخراط والانسحاب، تبعًا لموازين القوى المحلية والإقليمية، وللقدرة التنظيمية الداخلية على تحمّل تبعات الخيار العسكري , وقد شكّل هذا المسار أحد المحددات الأساسية لهوية الجماعة السياسية اللاحقة، وأسهم في رسم علاقتها المركّبة مع الفاعلين الآخرين في ساحة المقاومة، وعلى رأسهم حزب الله، حيث تشابهت الأهداف في مواجهة الاحتلال، دون أن يؤدي ذلك إلى اندماج أو تحالف استراتيجي طويل الأمد.

التمثيل النيابي للجماعة الإسلامية في لبنان

لم يشكّل التمثيل النيابي للجماعة الإسلامية في لبنان يومًا امتدادًا طبيعيًا لحجمها التنظيمي أو لدورها الدعوي والاجتماعي، بل ظلّ محكومًا باعتبارات سياسية وطائفية وإقليمية حدّت من قدرته على التحوّل إلى نفوذ برلماني مستقر , فمنذ دخولها المعترك الانتخابي مطلع السبعينيات، تعاملت الجماعة مع العمل النيابي بوصفه هامشًا سياسيًا قابلًا للتوسعة أو الانكماش وفقًا لموازين القوى والبيئة الداخلية والإقليمية، وهو ما انعكس حضورًا نيابيًا غير منتظم، ظلّ عرضة للتقلّب مع تبدّل السياقات السياسية.

تُظهر التجربة الانتخابية الأولى عام 1972 أن دخول الجماعة الاسلامية في الحياة البرلمانية جاء في وقت لم تكن فيه البيئة السياسية السنية مهيأة لتبني الإسلام السياسي كخيار تمثيلي , وذلك في ظل هيمنة الزعامات التقليدية وافتقار الجماعة الى بنية انتخابية منظمة قادرة على المنافسة .

أما مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، وتحديدًا انتخابات عام 1992، تمثل ذروة التمثيل النيابي للجماعة الإسلامية، غير أن هذا التقدم لم يكن نتيجة توسع شعبي مباشر، بل انعكاسًا لفراغ سياسي سنّي مؤقت , هذا الفراغ نتج عن ضعف الزعامات التقليدية، وإعادة توزيع السلطة والمقاعد النيابية بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين 128 مقعدا بعد الطائف واعتماد المناصفة في الوظائف العليا ، وتراجع النفوذ السياسي التاريخي للقيادات القديمة، مما أتاح للحركات الصاعدة، ومن بينها الجماعة الإسلامية، فرصة غير مسبوقة للوصول إلى البرلمان.[10]

لكن سرعان ما تبيّن أن هذا الحضور النيابي لم يتحوّل إلى مسار تصاعدي, فانتخابات 1996 وما تلاها كشفت هشاشة قدرة الجماعة على الصمود انتخابيًا في ظل إدارة سورية صارمة للمشهد السياسي، ثم في ظل صعود تيار المستقبل بعد عام 2005 بوصفه الممثّل شبه الحصري للشارع السني , هنا، اختارت الجماعة موقع “الشريك الحذر” بدل المنافس، فدعمت تيار المستقبل و تحالفت معه، ما ضمن لها حضورًا نيابيًا محدودًا (كما في حالة عماد الحوت)، لكنه في الوقت نفسه كبّل قدرتها على بناء كتلة مستقلة أو خطاب سياسي مميّز.

كما يشكّل فوز عماد الحوت في بيروت منذ عام 2009 [11]نموذجًا خاصًا للتمثيل النيابي للجماعة الإسلامية: تمثيلًا فرديًا ومحدودًا في الوسط المديني، قائمًا على البنية المؤسساتية للجماعة أكثر من قوة انتخابية صلبة، ويعتمد على شبكة علاقات سياسية وخطاب توافقي وقدرة على التموضع بين الاصطفافات السياسية المختلفة , ومع ذلك، بقي هذا النموذج محدود التأثير، إذ لم يكن قابلًا للتكرار في بقية الدوائر، كما أكدت إخفاقات الجماعة في انتخابات 2018 ومحدودية نتائجها في 2022، ما يعكس استمرار محدودية قدرتها على توسيع حضورها النيابي خارج العاصمة.

وعليه، يمكن القول إن التمثيل النيابي للجماعة الإسلامية قبل الحرب الأخيرة على غزة لم يكن مشروعًا سياسيًا متكاملًا، بل كان تعبيرًا عن محاولة مستمرة للحفاظ على وجودها داخل النظام السياسي اللبناني دون الاصطدام بالقوى الكبرى أو الذوبان الكامل فيها , وقد شكّل نموذج تمثيلها الفردي الرمزي، مثالًا على كيفية الحفاظ على حضور محدود عبر شبكة علاقات سياسية وخطاب توافقي، دون القدرة على توسيع النفوذ في بقية الدوائر، كما أظهرت نتائج انتخابات 2018 و2022.

ومع اندلاع عملية ” طوفان الأقصى” ، برز الدور الرمزي للجماعة الإسلامية على صعيد المقاومة، من خلال إعادة تفعيل جناحها العسكري “قوات الفجر” في بعض العمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي، بما يعكس ارتباطها المعنوي والسياسي بفكرة المقاومة، دون الانخراط الكامل في جبهة شاملة أو تحالف استراتيجي طويل الأمد , وقد سمح هذا الانخراط المحدود للجماعة بالحفاظ على حضورها الرمزي والميداني في الساحة اللبنانية، مع التوازن بين الاستفادة من الزخم الشعبي والسياسي للمقاومة وعدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تهدد بنيتها التنظيمية.

ومع اقتراب الانتخابات المقبلة المقررة في شهر أيار، تقف الجماعة عند مفترق طرق: إما الاستمرار في نموذج التمثيل الفردي الرمزي، أو البحث عن إعادة تعريف لدورها النيابي ضمن خطاب أكثر وضوحًا، قادر على مخاطبة الشارع السني المأزوم في البحث عن بدائل، وليس عن إعادة إنتاج توازنات سياسية.

ما بعد طوفان الأقصى: الجماعة الإسلامية بين الانخراط و الإسناد.
لا يمكن فهم عودة الجناح العسكري للجماعة الإسلامية “قوات الفجر” إلى المشهد العسكري اللبناني في سياق عملية “طوفان الأقصى “بوصفها مجرد استئناف لنشاط عسكري متوقف، بل باعتبارها نتاج تفاعل معقّد بين متغيرات داخلية لبنانية، وسياق إقليمي متفجّر، وإعادة تموضع محسوبة للجماعة الإسلامية ضمن معادلة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي , فهذه العودة لم تأتِ من فراغ، ولم تُعبّر عن تحول جذري في عقيدة الجماعة بقدر ما شكّلت استجابة ظرفية مدروسة لهزة استراتيجية أحدثتها الحرب على غزة.[12]

على المستوى الإقليمي، مثّلت عملية “طوفان الأقصى” لحظة كاشفة أعادت الاعتبار لخيار المقاومة المسلحة في الوعي الشعبي العربي والإسلامي، وكسرت حالة الجمود التي سادت بعد سنوات من تطويق حركات المقاومة سياسيًا وعسكريًا , كما أشار محمد طقوش الأمين العام الحالي للجماعة الأسلامية بأن ” معركة طوفان الأقصى وضعت حدا للوهم الذي كان سائدا، بأنّ هذا الكيان لا يزول، اليوم القناعة بزوال هذا الكيان قناعة راسخة عند كل الشعوب العربية والإسلامية في ضوء هزيمة هذا الكيان في هذه المعركة , وأن هذه المعركة سترسم معالم المنطقة في المرحلة المقبلة.”[13]

وفي هذا السياق ، وجدت الجماعة الإسلامية نفسها أمام فرصة لإعادة تفعيل رصيدها الرمزي كمكوّن إسلامي مقاوم، خصوصًا في ظل الاستهداف المباشر لحركة حماس، التي تربطها بها علاقة فكرية وتنظيمية غير معلنة بحكم الانتماء إلى مدرسة الإخوان المسلمين , وعليه، فإن انخراط ” قوات الفجر” في بعض العمليات ضد الاحتلال جاء ليؤكد هذا الارتباط المعنوي والسياسي، دون أن يرقى إلى مستوى الانخراط الشامل في المعركة.

أما على المستوى اللبناني الداخلي، فإن عودة “قوات الفجر” تعكس محاولة الجماعة الإسلامية كسر حالة التهميش السياسي والشعبي التي عاشها الشارع السني بعد تراجع تيار المستقبل، وغياب مرجعية جامعة تمثل هذا المكوّن في المعادلات الوطنية الكبرى , وفي هذا السياق، يشكّل عنوان المقاومة رافعة فعّالة لإعادة إنتاج الحضور، ليس فقط عبر الخطاب، بل من خلال فعل ميداني محسوب يعيد للجماعة موقعًا في معادلة الصراع مع إسرائيل، ويمنحها هامش حركة أوسع في التوازنات الداخلية.

غير أن هذا الانخراط بقي محكومًا بجملة من المحددات الصارمة، في مقدمتها الواقع الأمني والسياسي في الجنوب اللبناني، الذي يخضع عمليًا لهيمنة حزب الله باعتباره الطرف الوحيد القادر على إدارة خطوط التماس مع الاحتلال , ومن هنا، فإن عودة “قوات الفجر” لم تكن ممكنة لولا وجود تنسيق ميداني وتسهيل ضمني من الحزب، وهو ما أقرّ به قادة الجماعة أنفسهم , إلا أن هذا التنسيق لا يعني قيام تحالف استراتيجي أو وحدة قرار، بل يعكس تقاطعًا ظرفيًا للمصالح، فرضته ضرورات المرحلة وحسابات الردع المتبادل مع إسرائيل.

وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى الجماعة الإسلامية في سياق طوفان الأقصى بوصفه دورًا رمزيًا و سياسيًا أكثر منه عسكريًا حاسمًا , فمحدودية قدراتها، وطبيعة عملياتها، تشير إلى أن الهدف لم يكن فتح جبهة شاملة بقدر ما كان توجيه رسائل متعددة الاتجاهات ومن ضمنها : رسالة تضامن مع غزة، ورسالة داخلية لبنانية تؤكد أن المقاومة ليست حكرًا على طرف واحد، ورسالة إقليمية تفيد بأن الساحة اللبنانية متعددة الفاعلين وليست أحادية التمثيل.[14]

في المقابل، تسعى الجماعة الإسلامية من خلال هذا الدور المحدود إلى تحقيق توازن دقيق بين الانخراط وعدم التورط؛ فهي تحاول الاستفادة من الزخم الشعبي والسياسي الذي تولده المقاومة، دون أن تتحمل كلفة الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تعرّض بنيتها التنظيمية وبيئتها الاجتماعية لمخاطر كبرى , كما تحرص، من خلال خطابها السياسي، على نفي في أي محور إقليمي، والإبقاء على هامش مناورة يسمح لها بإعادة التموضع تبعًا لتبدّل موازين القوى.

القرار بين السياسة والميدان: إشكالية القيادة داخل الجماعة الإسلامية
تحاول الجماعة الحفاظ على توازن دقيق ينعكس بشكل جلي في خارطة قيادتها الحالية، التي باتت تمثل تيارات داخلية متنافسة تعكس صراع الهوية بين الميدان والسياسة , ويتصدر محمد طقوش (الأمين العام الحالي) التيار الدفع نحو الانخراط الكامل في محور المقاومة، حيث يُنظر إليه كمهندس لقرار العودة العسكرية والتنسيق المفتوح مع حزب الله وحماس، وفي مقابل هذا الاندفاع، يبرز النائب عماد الحوت كصوت وازن يمثل الجناح المؤسساتي والسيادي؛ وهو الجناح الذي يخشى من ذوبان هوية الجماعة السنية داخل المشروع الإيراني، ويسعى للحفاظ على المسافة الضرورية التي تحمي الجماعة من العزلة السياسية المحلية والدولية.

بين هذين التيارين، تلعب الشخصيات التاريخية مثل عزام الأيوبي (الأمين العام السابق) وإبراهيم المصري (أحد المؤسسين) دور صمام الأمان التنظيمي، [15]إذ يحاول هذا الجيل الحفاظ على تماسك الجماعة ومنع تحول الاختلاف الاستراتيجي إلى انشقاق عضوي، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاغتيالات التي طالت كوادر ميدانية ,وهذا الانقسام الداخلي ليس مجرد تباين في وجهات النظر، بل هو انعكاس لمعضلة الجماعة في تعريف نفسها كحركة مقاومة عابرة للحدود أو كحزب سياسي لبناني ملتزم بسقف الدولة، وهي المعضلة التي زادت حدتها مع تزايد الضغوط الخارجية.

العلاقة بين الجماعة الإسلامية وحزب الله: جدلية الطائفة والمقاومة في السياق اللبناني

تتصف العلاقة بين الجماعة الإسلامية وحزب الله بالديناميكية والتعقيد، إذ تتأثر بمجموعة من العوامل الداخلية والإقليمية،وهذه العلاقة بنيت على جدلية مزدوجة تجمع بين البُعد الطائفي والمقاوم , ففي المراحل الأولى من نشأة حزب الله، لجأ الحزب الى استخدام معسكرات تدريب تابعة للجماعة الاسلامية في عدد من المناطق ولاسيما في صيدا و البقاع الغربي وبعض مناطق الشريط الحدودي.

وهذه المرحلة تشير إلى أن العلاقة بين الطرفين بدأت من قاعدة عملية وعسكرية، بعيدًا عن أي تحالف سياسي أو انتخابي مستدام، وهو ما يعكس حرص الطرفين على الحفاظ على استقلاليتهما التنظيمية والسياسية , وعدم تحويل هذا التعاون الى شراكة سياسية شاملة , قد تتأثر بحساسات الانتماء الطائفي واختلاف المرجعيات الفكرية.

على الصعيد السياسي، لم يشهد مسار العلاقة بين الجماعة الإسلامية وحزب الله قيام اي تحالفات انتخابية مباشرة بين الطرفين، باستثناء بعض أشكال التنسيق المحدودة التي ظهرت في الأطر الجامعية والنقابية وفي عدد من الاستحقاقات البلدية، ولا سيما في بيروت والبقاع وصيدا , ويُعزى هذا التباين في مستوى التعاون السياسي إلى عامل الانتماء الطائفي، حيث يرتكز حزب الله على قاعدة تمثيلية شيعية، في حين تستند الجماعة الإسلامية إلى قاعدة سنّية ذات مرجعية إخوانية، الأمر الذي قيّد إمكان بناء تحالف سياسي مستدام، على الرغم من وجود تقاطعات في بعض الأجندات والخيارات الاستراتيجية لدى الطرفين..

وشهدت العلاقة بين الجماعة الإسلامية وحزب الله مراحل متداخلة من التقاطع والتوتر خلال فترة الوجود السوري في لبنان، حيث انخرط الطرفان في لقاءات سياسية وأمنية متقطعة، في ظل موقفهما المشترك المعارض للسياسات الأميركية–الإسرائيلية , غير أن أحداث 7 أيار 2008، إلى جانب التحولات السياسية التي أعقبت عام 2005، ولا سيما ما عُرف بـ«ثورة الأرز» التي أفضت إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان وبعدها اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كشفت عن تباينات عميقة في مقاربة كل طرف للواقع السياسي اللبناني.[16]

كما أسهم اختلاف المواقف من الأزمة السورية في تعميق هذه الخلافات، إذ تبنّت الجماعة الإسلامية موقفًا داعمًا للثورة السورية، في مقابل انخراط حزب الله إلى جانب النظام السوري السابق ، الأمر الذي أدى إلى تراكم أزمات سياسية وأمنية انعكست تصعيدًا في مستوى التوتر بين الطرفين في بعض المناطق[17] , ويبرز ذلك بوضوح كيف يمكن للخلافات الإقليمية ذات الأبعاد الطائفية أن تعيق أي مسار تقارب محتمل , ومع ذلك، لم تنقطع قنوات التواصل بين الطرفين بشكل كامل، بل استمرت ضمن إطار مرحلي وتدريجي، تحكمه اعتبارات إدارة التوتر والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي.[18]

وفي عام 2016، استؤنفت اللقاءات بين الجماعة الإسلامية وحزب الله بشكل تدريجي، في إطار إدارة الوقائع الداخلية والسعي إلى خفض منسوب التوتر القائم بين الطرفين , ومع انتخاب إسماعيل هنية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس، جرى رعاية لقاءات مصالحة بين الجانبين، أفضت إلى جمع الأمين العام للجماعة الإسلامية آنذاك، عزام الأيوبي، بالأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصرالله , وقد أسهمت هذه اللقاءات في تحقيق تهدئة على المستويين السياسي والإعلامي، من دون أن تفضي إلى بلورة تفاهمات سياسية شاملة أو إلى تأسيس إطار تحالفي مستدام بين الطرفين.[19]

وعندما تولى محمد الطقوش قيادة الجماعة في عام 2022، شهدت العلاقة تحولًا نحو مزيد من التنسيق والتحالف في المجالات السياسية والإعلامية والأمنية، بما في ذلك المشاركة في ما عُرف بـ “حرب الإسناد ” دعماً لغزة، وإعداد لجان مشتركة للتنسيق الانتخابي في بعض الدوائر , ولا سيما في البقاع الشمالي والبقاع الأوسط وجبل لبنان، إضافة إلى دائرة الجنوب الثالثة.

يمكن النظر إلى هذه العلاقة من خلال جدلية العامل الطائفي والمقاومة:

العامل الطائفي شكّل أساس التباين والاحتراز، إذ ساهم اختلاف الانتماء الشيعي والسني في منع تحالف سياسي مستدام على المدى الطويل، وبرز بوضوح في المواقف المتباينة تجاه الثورة السورية.
العامل المقاوم، المتمثل في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن القضية الفلسطينية، شكل أرضية مشتركة للتقارب التدريجي، إذ أتاح التنسيق العسكري والإعلامي في بعض الملفات الاستراتيجية، ما يدل على قدرة المصالح الاستراتيجية على تجاوز الانقسامات الطائفية نسبيا.
وبناءً عليه يمكن اعتبار العلاقة بين الجماعة الإسلامية وحزب الله نموذجًا تفاعليًا متحوّلًا تحكمه موازنة مستمرة بين الانتماء الطائفي والاعتبارات المقاومة، حيث تتبدل أنماط هذه العلاقة بين التعاون المحدود والتوتر الحاد وأشكال متباينة من التنسيق السياسي والاستراتيجي، تبعًا لمتغيرات السياق المحلي والإقليمي.

ويُظهر هذا المسار أن العامل الطائفي، على الرغم من تأثيره في توجيه الخيارات السياسية والاجتماعية للطرفين، لا يشكّل محددًا نهائيًا لمسار التحالفات، في حين يؤدي العامل المقاوم دور إطار عملي يسمح بإعادة ضبط العلاقة وتقريب المواقف كلما فرضت المصالح المشتركة ذلك.

وفي هذا الإطار الأوسع، تكشف تجربة الجماعة الإسلامية في لبنان عن تعقيدات بنيوية يواجهها الإسلام السياسي السنّي ضمن نظام طائفي شديد الحساسية، إذ يتبيّن أن الاتكاء على الشرعية العقائدية أو على الرمزية «المقاومة» وحدها لا يكفي لبناء حضور سياسي مستدام , فبين أدوارها الدعوية والاجتماعية من جهة، ومحاولات الانخراط السياسي وبناء التحالفات في بيئة داخلية وإقليمية متغيرة من جهة أخرى، تواجه الجماعة تحدّي إعادة تعريف موقعها ووظيفتها داخل النظام اللبناني، لا خارجه، بما يفرض عليها موازنة دقيقة بين الهوية والمصلحة، وبين الثابت الأيديولوجي ومتطلبات الواقع السياسي.

الجماعة الإسلامية في لبنان تندرج في قائمة ترامب السوداء
يندرج قرار الإدارة الأمريكية بشأن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كـ”منظمات إرهابية” ضمن سياق سياسي–إقليمي أوسع، وذلك لا ينفصل عن تداعيات الحرب على غزة، وعن العلاقة العضوية التي تربط إدارة ترامب باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وهذا القرار لا يُعد تقييمًا قانونيًا أو أمنيًا مستقلاً لأداء الجماعات في بلدانها، بل يُعبّر عن مقاربة سياسية تراعي مصالح إسرائيل واستهداف حركات المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، معتبرًا الإسلام السياسي، سواء السلمي أو الحركي، جزءًا من منظومة تهديد أشمل.[20]

إنّ خطورة هذا الإجراء لا تكمن فقط في التوصيف السياسي، بل في المهلة الزمنية الضيقة (45 يوماً) التي منحها الأمر التنفيذي لوزارتي الخارجية والخزانة لاتخاذ الإجراءات العقابية، مما يضع الجماعة أمام حصار مالي وقانوني وشيك , وعلى رغم محاولات قيادات الجماعة، ومن بينهم الدكتور بسام حمود، نائب رئيس المكتب السياسي للجماعة الإسلامية في لبنان، التقليل من شأن هذه الإجراءات عبر التأكيد على الاستقلالية التنظيمية والتمويل الذاتي للجماعة، إلا أن القراءة للمشهد تشير إلى أن هذا التصنيف سيُضيق هامش المناورة السياسية للجماعة في الداخل اللبناني، وسيزيد من تعقيد علاقة تيارها المؤسساتي (بقيادة عماد الحوت) مع الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي. وبذلك، تصبح الجماعة الإسلامية في لبنان أمام تحدٍ: إما الاستمرار في نهج “الإسناد العسكري” مع ما يجلبه من شرعية شعبية وأثمان سياسية باهظة، أو الاقتراب أكثر من القوى القادرة على تحمّل تبعات المواجهة مع الولايات المتحدة وفي مقدمتها حزب الله، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقالًا إلى تحالف استراتيجي كامل أو تبنّي مشروع سياسي–أمني واحد ، أو الانحناء أمام العاصفة الدولية للحفاظ على مكتسباتها التنظيمية والاجتماعية.[21]

يأتي هذا الضغط في لحظة كانت الجماعة تحاول فيها كسر حالة الانكماش التي عاشتها خلال السنوات الماضية، عبر إعادة التموضع داخل الحقل السياسي اللبناني، مستفيدة من الفراغ الذي خلّفه تراجع القوى السنية التقليدية ، غير أن البيئة الدولية الضاغطة أسهمت في تقليص هوامش حركتها سريعًا، ليس فقط على المستوى القانوني والمالي، بل أيضًا على مستوى القبول السياسي الداخلي، حيث باتت القوى الحزبية اللبنانية أكثر حذرًا في أي تقاطع معها، خشية تحمّل كلفة خارجية مباشرة.

من هنا، لا يمكن النظر إلى الإجراءات الأميركية باعتبارها تدبيرًا معزولًا أو مؤقتًا، بل كعامل يعيد رسم حدود خيارات الجماعة ومسارات تحركها المستقبلية.

* معهد السياسة والمجتمع

المراجع:

[1] أمل عيتاني ، عبدالقادر علي ، معين يحيى .” الجماعة الإسلامية في لبنان منذ النشأة حتى ١٩٧٥”. بيروت . مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

[2] ٢٠١٣. ” فتحي يكن – غاية السكن وإظهار المنن في ترجمة الد ” . رابطة علماء السوريين.

https://www.islamsyria.com/ar

[3] ٢٠٢٤.” حرب ١٩٥٨: قوات المارينز في شوارع بيروت ” .بي بي سي . https://www.bbc.com/arabic/articles/c511p0vgnpwo

[4] مرجع سابق

[5] الجماعة الإسلامية في لبنان

https://www.al-jamaa.org

[7] الجماعة الإسلامية في لبنان https://www.al-jamaa.org/الصفحة4/من-نحن

[8] مرجع سابق

[9] مرجع سابق

[10] اتفاق الطائف: عناوين الوحدة والتحديث . الموقع الرسمي للجيش اللبناني. https://www.lebarmy.gov.lb/ar/content

[11] المجلس النيابي للانتخابات ٢٠٠٩ https://elections.gov.lb

[12] ٢٠٢٣. طوفان الأقصى ودلالات عودة قوات الفجر في لبنان .. بيروت: الجزيرة.

https://www.aljazeera.net/news/2023/11/11/طوفان-الأقصى-ودلالات-عودة-قوات-الفجر

[13] ٢٠٢٦. هنية وطقوش يبحثان تطورات “طوفان الأقصى” الميدانية والسياسية. صفا : وكالة الصحافة الفلسطينية.

https://safa.ps/post/371381/هنية-وطقوش-يبحثان-تطورات-طوفان-الأقصى-الميدانية-والسياسية

[14] مرجع سابق

[15] مرجع سابق ،https://www.al-jamaa.org/الصفحة4/من-نحن

[16] مهنا , سوسن (2024) . ” يوم 7 مايو 2008 : كيف أثر على المشهد السياسي ومستقبل لبنان “. INDEPENDENT . https://www.independentarabia.com/node

[17] خالد ، نضال ٢٠٢٥ . ” الجماعة الإسلامية في لبنان في زمن التحولات الإقليمية . https://www.independentarabia.com/node

[18] العسري , خالد (2013).”حزب الله والأزمة السورية : صياغة الموقف “. هسبريس. https://www.hespress.com

[19] قصير , قاسم (2022). ” الجماعة الاسلامية وحزب الله : أين يلتقيان وأين يفترقان ؟ “.ALAMAN. https://al-aman.com/portal/ar-LB/

[20] مرجع سابق https://www.alaraby.co.uk/opinion/ترامب-والإخوان-المسلمون-وتفخيخ-المستقبل?amp

[21] جوهر ، صهيب ، ٢٠٢٦. بين انسداد الخيارات وتبدّل التحالفات : مستقبل الاخوان المسلمين في لبنان . معهد السياسة والمجتمع.

[*] أبو رمان ، محمد ،٢٠٢٥. ” ترامب و الإخوان المسلمون “تفخيخ المستقبل”. عربي جديد.

https://www.alaraby.co.uk/opinion/ترامب-والإخوان-المسلمون-وتفخيخ-المستقبل?amp





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :