رجال الدولة باتوا رجالاً من ورق
د.طلال طلب الشرفات
07-02-2026 10:47 AM
مفهوم رجال الدولة بالذَّات لا يقبل التَّلميح أو الإشارة، ولا يحتمل الدُّبلوماسيَّة والنِّفاق؛ لأن الضَّريبة الوطنيّة في البوح الأمين والتَّقييم السَّليم في التَّوصيف والتَّوظيف أضحت ثقيلة، وفاتورة المسؤولية باتت مُكلفة ولا يمكن احتمالها إلّا لمن نذر نفسه شهيداً للثِّقة العامّة، وأمانة المسؤوليّة، وقلما ينجوا من هؤلاء إلّا من كان دعاء أمه جديراً باستجابة الخالق دون انتظار.
كي لا نكون مُعاقرين لمساحات التَّشاؤم، ما زال بين رجال الإدارة والسياسة أمناء ومُثابرين، وكفاءات فنيّة وإدارية ولكن لا ينطبق عليهم هذا المفهوم، رجال الدولة، تقسّموا "للأسف"بين الرَّحيل عن الدُّنيا الفانية، وأروقة المساجد، وفضاء الصَّمت الرَّهيب في زمن "البُغاث" والطارئين على شرف المسؤوليّة، والغارقين في "النَّفعية والشَّلليّة"، ومنهم من انقلب على نفسه، وغادر مبادئه وثوابته وأنصهر مع تلك الفئة "الباغية"، وبعضهم دخل في حالة فصام مع الذَّات، وقسّم نفسهُ بين " الجاهات، والفوقيّة الاجتماعيّة، واحتكار الحقيقة".
المسؤولية الوطنيّة تكمن في انصهار طبقة رجال الدولة في أتون "النَّفعية" والمصلحة، وبالمقابل فإن غيابها عن المشهد العام تتوزع بين الدولة ورجالاتها؛ فالأولى بُعيد شيوع مفهوم العولمة ظنت أن بناء الدولة مرهون باستدعاء دُعاة الاغتراب، وساسة "الصفقة" والليبراليون الجدد ممن حاولوا إيهام الدولة بضرورة إقصاء النَّماذج الوطنيّة المُخلصة بدعوى أنها قيد على التَّطور، ومواكبة التَّقدم نحو الأفق العالمي؛ فكانت النَّتيجة حفنة من "المُرتجفين" وروّاد السَّفارات، ومؤسسات التمويل الأجنبي، ومعاهد قتل الرُّوح الوطنية الصادقة في الغرب.
والمسؤولية الأخرى تقع على رجال الدولة أنفسهم الذين غادروا فضاء الهويّة الوطنيّة الأردنيّة إلى ضيق الهويات الفرعية التي قسّمت المُقسم وجزأت المُجزّأ؛ فأضحى الحليم حيراناً والمسؤول مُختاراً لقبيلته في الدَّولة، ومن لم يكن من قبيلة يُضحي مندوباً لأصدقاءه و"شلته" في النادي، والمدرسة، والجامعة، دون إغفال "المافيا" الاقتصادية التي نجحت في إسقاط حكومة بسبب قانون ضريبة الدخل الذي هدد مصالحهم وقتذاك.
رجال الدولة الحقيقيون ينطلقون من قيم الحكمة، والعدالة، والمساواة، والإيمان بطهر الأرض، وقدسية الوطن، وامانة المسؤولية، وشرف الموقع. والموظفين الكبار ينطلقون من المصلحة والانقياد الأعمى لمن هم فوقهم، وتمرير مصالح مسؤوليهم، وسداد فواتير مُعينيهم الذين لا يرقبون في الوطن ومصالح الناس إلّاً ولا ذمَّة، وما بين رجال دولة صادقين وموظفين كبار قزّموا المعاني السَّامية للموقع العام يئنّ الوطن وجعاً من كيد الجناة، وصلف البُغاة.
حكومات التُّكنوقراط لا تصنع رجال دولة، ولا تنتج وزراء يمارسون قناعاتهم الوطنية بحريّة ومسؤوليّة، والنائب الذي يشتري ثقة ناخبيه يفقد أهم شروط رجال تلك الفئة، وعدم وضع قانون حازم للكسب غير المشروع يشوّه هذا المفهوم السامي لدى الرأي العام، ويُحطّم سبل التمييز بينهم في الشَّفافيّة والنَّزاهة وحماية المال العام والثِّقة العامّة، والحكومات التي لا تُقيم وزناً لرجال الدولة هي حكومات مهترئة ضعيفة فاقدة لثقة الجمهور.
الحقيقة المُرّة التي يتوجب الاعتراف بها هي أن رجال الدولة باتوا نوادراً ويدفعون أثماناً باهضة، وإسباغ هذا المًصطلح على كل من أشغل الموقع العام يُعدّ توصيفاً ظالماً وتوظيفاً خاطئاً، ويضع الدولة أمام تحديات خطيرة، وأضرار جسيمة، ويُلغي أحد أهم مظاهر الصلابة في صنع القرار الوطني، وبدون ذلك يؤسفني القول بأن رجال الدَّولة - الذين نظنهم كذلك - هم رجال من ورق.