التحرّش بربطة عُنُق أنيقة
د. لينا جزراوي
31-01-2026 01:06 PM
ما يزال التحرّش الجنسي آفةً راسخة في المجتمع الأردني، لا بوصفه سلوكًا فرديًا معزولًا، بل كمنظومة صامتة تعمل على إقصاء النساء من الفضاء العام، وتدفعهنّ تدريجيًا إلى الانسحاب القسري من المشهدين الثقافي والاجتماعي، تحت وطأة الخوف والإنهاك.
النساء اللواتي يتعرّضن للتحرّش يجدن أنفسهنّ في معادلة قاسية: هل أواجه؟ هل أفضح؟ أم أنسحب بصمت؟ وغالبًا ما يكون الصمت هو الخيار الأقل كلفة نفسيًا في لحظته، لكنه الأكثر فداحة على المدى البعيد؛ إذ يُترك الفضاء العام لرجال مهووسين، يعانون من داء التحرّش، ويتقاسمون المنصّات بثقة زائفة لا يستحقونها، فيما تُقصى النساء لأنهنّ رفضن دفع ثمن الحضور.
ولا تتوقف المشكلة عند حدود الفعل، بل تمتد إلى التلاعب باللغة. فعدد غير قليل من المتحرشين يتعمّدون خلط التحرّش بما يُسمّى «المجاملة»، مستغلّين هشاشة التعريف الاجتماعي، لتمرير ألفاظ وإيحاءات مريبة تحت قناع اللطف والذوق. غير أن المرأة تدرك، بلا لبس، أن هذه الكلمات لم تُوجَّه لعقلها ولا لإنجازها، بل لجسدها وأنوثتها، وأنها تندرج بوضوح تحت بند التحرّش، مهما أُعيد تلميعها لغويًا.
الأكثر فجاجة ـ وربما مدعاة للسخرية المرّة ـ أن بعض هؤلاء المتحرشين ينتمون إلى ما يُصنَّف اجتماعيًا بـ«النخبة». رجال يمتلكون من السلطة والوجاهة ما يسهّل عليهم الإفلات، ويمنحهم حصانة غير معلنة، فيتصرفون وكأن التحرّش فعل استعراض يعيد إليهم مجد شبابٍ متخيَّل، ويقنعون أنفسهم بأنهم ما زالوا «دنجوانات» تلاحقهم النساء، لا متحرشين يستغلون مواقعهم.
التحرّش ليس التباسًا لغويًا، ولا خفّة دم، ولا غزلًا بريئًا. التحرّش عنفٌ صريح، حتى وإن ارتدى ربطة عنق أنيقة، وتحدّث بلغة الثقافة، وتحصّن خلف موقع أو لقب. وهو عنف لا يمرّ بلا أثر؛ إذ يدفع نساء كثيرات إلى الانسحاب من المنصّات الثقافية، وتفضيل الغياب على مواجهة منظومة تحمي المعتدي وتشكّك بالضحية. من هنا، لا يمكن التعامل مع التحرّش إلا بوصفه قضية مساءلة عامة، تبدأ بتسمية الفعل باسمه، ولا تنتهي إلا بكسر الصمت الذي يسمح له بالاستمرار.
* رئيسة الجمعية الفلسفية الأردنية