ما لا يظهر في الموازنات… ويصنع قيمة المؤسسات
د. كفاية عبدالله
31-01-2026 12:58 PM
الصندوق الأسود (33)
في النقاشات الحكومية، غالبًا ما تُقاس الموارد بما يمكن عَدّه، وتُدار بما يمكن تسجيله، وتُقيَّم بما يظهر في الجداول والتقارير. أرقام الموازنات، عدد المشاريع، حجم الإنفاق، ونِسَب الإنجاز. غير أن أخطر ما في إدارة الموارد العامة، هو ذلك الجزء الذي لا يظهر في أي جدول، ولا يُدرج في أي بند، لكنه يُحدّد في النهاية ما إذا كانت المؤسسات العامة تُنتج قيمة… أم تُراكم أرقامًا.
هناك موارد لا تُقاس بالكلفة، ولا تُخصَّص بالقرار، ولا تُستدعى بالتمويل، لكنها حاضرة في كل تفاعل بين المواطن والخدمة. موارد تتشكّل ببطء، وتتآكل بصمت، وتُراكم أثرها عبر الزمن. وحين تُهمل، لا تفشل الخدمة فجأة، بل تفقد معناها تدريجيًا.
في قلب هذه الموارد تقف الثقة.
ولا سيما أن الثقة ليست شعارًا يُرفع، ولا حملة تواصل تُطلق، بل حصيلة تجربة متراكمة يعيشها المواطن مع الخدمة العامة. تُبنى حين يشعر بالإنصاف، وبوضوح القرار، وبأن المؤسسة تفي بما تعِد. لكنها، في المقابل، مورد هشّ؛ يتآكل سريعًا مع الإخفاقات المتكررة، ويحتاج جهدًا مؤسسيًا طويل النفس لإعادة ترميمه. وحين تتراجع الثقة، لا تعود المشكلة في الخدمة وحدها، بل في شرعيتها.
وهنا تظهر الشرعية المؤسسية بوصفها موردًا غير ملموس، لكنه حاسم. فالشرعية لا تُستمد فقط من النص القانوني، بل من القبول المجتمعي. من إحساس الناس بأن القرارات تُتخذ لخدمة الصالح العام، لا لإدارة التعقيد الإداري أو حماية مصالح ضيقة. حين تُدار الموارد بهذا المنطق، تكتسب الحكومة مساحة عمل أوسع، ويصبح الامتثال نابعًا من القناعة، لا من الإلزام.
وتأتي الثقافة التنظيمية بوصفها الإطار الخفي الذي يربط كل ذلك معًا. ثقافة تُوجّه سلوك العاملين، وتُشكّل طريقة التفكير، وتحدّد كيف تُتخذ القرارات عند غياب التعليمات. خاصة أن الثقافة قد تُعزّز التعلّم والمبادرة، أو تُكافئ الحذر والامتثال الصامت. وهي، في الحالتين، تُحدّد كيف تُوظَّف الموارد الأخرى، مهما بلغت كفاءتها التقنية.
وهنا نؤكد أن هذه الموارد القيمية لا تعمل بمعزل عن غيرها، بل تؤدي دورًا مضاعفًا في منظومة الخدمة العامة. فهي لا تُحسّن النتائج الآنية فحسب، بل تُشكّل الضامن الحقيقي لاستدامة الأثر. فكم من خدمة عالية الكفاءة تشغيليًا، أخفقت في تحقيق قيمتها العامة لأنها افتقرت إلى الثقة، أو فقدت شرعيتها، أو اصطدمت بثقافة تنظيمية لا تشبه غاياتها المعلنة.
المشكلة ليست في غياب هذه الموارد، بل في الطريقة التي يُنظر بها إليها ويُتعامل معها. فحين تُختزل بوصفها عناصر هامشية، أو نتائج مؤجَّلة، أو مكاسب يُفترض أنها تتحقق تلقائيًا، يبدأ تآكلها بصمت. وحين يُركَّز على الموارد المنتِجة للأثر السريع، دون تمكينها تنظيميًا أو حمايتها حوكميًا، قد تتحقق إنجازات آنية، لكنها تظلّ هشّة، قصيرة النفس، وسهلة الانكسار عند أول اختبار.
وفي المقابل، فإن الإفراط في الاستثمار في الأطر التنظيمية والخطابات القيمية، دون انعكاس فعلي على جودة الخدمة وتجربة المستفيد، لا يُنتج سوى كفاءة شكلية. كفاءة تُدار في التقارير، وتُروَّج في الخطاب، لكنها لا تُختبر في الواقع. وهنا يتكشّف الخلل الحقيقي: قيمة تُقال أكثر مما تُعاش.
تحقيق القيمة العامة، في جوهره، لا يُختزل في وفرة الموارد ولا في تنوّعها، بل في قدرتنا على إدراك العلاقة الخفيّة بينها. فالقيمة لا تنشأ من مورد واحد، بل من توازن حيّ بين موارد مختلفة، تتفاعل داخل منظومة واحدة: ثقة تُصان لأنها رأس مال معنوي، وشرعية تُحفظ لأنها شرط القبول، وثقافة تنظيمية تُدار بوعي لأنها ما يحرّك السلوك حين تغيب التعليمات.
من هنا، لا تعود إدارة الموارد الحكومية شأنًا إجرائيًا بحتًا، بل تصبح سؤالًا فكريًا عميقًا عن منطق الاختيار ذاته: ما الذي نمنحه الأولوية فعلًا داخل مؤسساتنا، وما الذي نتركه يتآكل في الهامش؟ هل تُدار الموارد وفق أثرها الحقيقي في حياة الناس، أم وفق ما اعتدنا قياسه وتبريره؟ وإلى أي مدى نملك الشجاعة لقياس مواردنا بما تُحدثه من معنى وأثر، لا بما تستهلكه من كلفة؟
التحدّي الحقيقي لا يكمن في ندرة الإمكانات، بل في طريقة رؤيتنا لها وتوظيفها.
فالمؤسسات التي تختزل مواردها في أرقام وجداول قد تُتقن فن رصد الأرقام، لكنها تُفرّغها من معناها.
في حين أن المؤسسسات التي تعي أن بعض أثمن مواردها لا تُقاس ولا تُرصَد، بل تُختبر في الثقة، وتُحَسّ في التجربة، وتُلمَس في العدالة، فهي الأقدر على بناء قيمة عامة متوازنة، عادلة، وقابلة للاستمرار.
هناك، في تلك المساحة غير المرئية بين الموازنة والمعنى، بين القرار والقبول، وبين الخدمة كما صُمّمت والخدمة كما قُدمت، يُختبر صدق الإصلاح، ويُقاس نضج الإدارة العامة…
لا بما أنفقته، بل بما خلّفته من أثرٍ في حياة الناس، ورضا تنعم به قلوب الناس