رفع سن التقاعد في الأردن: تحليل اقتصادي شامل
د.عدلي قندح
06-02-2026 02:42 PM
في بداية فبراير 2026، أعلن المجلس الاقتصادي والاجتماعي نتائج الحوار الوطني حول التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، والتي تضمنت الرفع التدريجي لسن تقاعد الشيخوخة إلى 63 عاماً للذكور و58 عاماً للإناث بدلاً من 60 و55 حالياً، فضلاً عن ضبط التقاعد المبكر وجعله استثناء مع رفع الحد الأدنى لفترة الاشتراك لاستحقاقه.
هذه التعديلات تأتي في إطار الاستجابة لنتائج الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة التي أعدتها المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، والتي أشارت إلى تحديات مالية تواجه الصندوق على المدى الطويل ما يستدعي إصلاحات متوازنة لضمان الاستدامة المالية.
أولاً: لماذا التعديل؟ الخلفية الاقتصادية
يعاني نظام الضمان الاجتماعي من زيادة ضغوط مالية نتيجة التقاعد المبكر الواسع وانتشار التقاعد عند السن الأدنى، ما يطال موارد الصندوق ويقلّص الفائض التأميني المتاح لدفع المعاشات المستقبلية.
في الأردن، تشير العديد من الدراسات إلى أن التقاعد المبكر يمثل أحد روافد البطالة ويحدّ من فرص العمل للشباب الباحثين عن دخول سوق العمل، إضافة إلى تآكل الموارد المالية للصندوق نتيجة خروج عدد كبير من المشتركين إلى التقاعد قبل الأوان.
ثانياً: التأثير على البطالة وسوق العمل
رفع سن التقاعد يعني أن الأفراد لن يغادروا سوق العمل في سن 60 (رجال) و55 (نساء)، بل سيظلون عامليّن لفترة أطول (حتى 63 و58)، مما يؤدي إلى:
• تخفيف الضغط على سوق العمل في فئة الشباب المتعطلين حيث تقل حالات الخروج الجماعي إلى التقاعد في سن مبكرة.
• زيادة العرض في سوق العمل لسنوات إضافية، الأمر الذي قد يزيد المنافسة على الوظائف المتاحة في البداية، لكنه يعزز الخبرة والإنتاجية على المدى المتوسط.
في الأردن، مع معدل بطالة مرتفع نسبياً، فإن إلغاء التقاعد المبكر ورفع السن الرسمي للتقاعد قد يساهم في تخفيف الأعباء على موازنات التوظيف والضمان الاجتماعي على المدى الطويل.
ثالثاً: مدة الاستفادة من رواتب التقاعد
رفع سن التقاعد يقلل عدد السنوات التي يتقاضاها المتقاعد معاشه مقارنة بالقانون الحالي. مثلاً:
• إذا كان متوسط العمر المتوقع بعد التقاعد نحو 15–17 سنة، فإن التأخير 3 سنوات (من 60 إلى 63) يعني تقليص فترة الاستفادة المادية من المعاش مما يخفّض الضغط على الصندوق وتأمين إيرادات أطول من الاشتراكات.
• نفس المنطق ينطبق على الإناث، حيث تمتد سنوات العمل من 55 إلى 58 سنة.
رابعاً: تأثير التعديل على الاستدامة المالية
التعديلات المقترحة مستندة إلى دراسة اكتوارية تشير إلى أنه بدون إصلاحات، فإن موارد الصندوق على المدى الطويل قد تتعرض لضغوط مالية كبيرة نتيجة مبالغات في التقاعد المبكر وتآكل الاكتتابات مقابل الالتزامات المستقبلية.
رفع السن الرسمي للتقاعد وتعقيد التقاعد المبكر يعني:
• زيادة سنوات الاشتراك في التأمين، وبالتالي رفع إجمالي الأموال المتراكمة للصندوق.
• تقليل عدد السنوات التي يطالب فيها الأفراد بالمعاش بعد خروجهم من سوق العمل، ما يعزز ملاءة الصندوق واستدامته.
خامساً: تأثير التعديل على القطاعات الاقتصادية
على مستوى القطاعات:
• القطاعات التي تعتمد على الخبرة الطويلة (التعليم، الصحة، الإدارة العامة) ستستفيد من بقاء الكفاءات لفترة أطول، وهو ما قد يرفع جودة الخدمات.
• في القطاعات الديناميكية التي تعتمد على تطوير المهارات التكنولوجية، قد يحتاج الأمر سياسات مواكبة لتحديث المهارات لدى العمال الأكبر سناً لضمان منافسة عادلة في السوق.
سادساً: تحليل بدء تطبيق التعديلات المقترحة
التعديلات التي أُعلن عنها حتى فبراير 2026 لا تزال في مرحلة تشاورية وتشريعية وليست نافذة بعد. مجلس إدارة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي وافق على مقترح تعديل القانون وأرسله إلى مجلس الوزراء لمتابعة مراحله الدستورية قبل أن يصبح قانوناً نافذاً.
مراحل تطبيق التعديل
1. الموافقة الحكومية: بعد موافقة مجلس الإدارة تم إرسال مسودة التعديلات إلى مجلس الوزراء.
2. النظر البرلماني: يناقش مشروع القانون في مجلس النواب، حيث يمكن تعديل نصوصه قبل التصويت عليه.
3. النشر في الجريدة الرسمية: بعد موافقة البرلمان، يتم إعلان القانون بشكل رسمي ونشره، وهنا يبدأ نفاذ الأحكام.
4. فترة انتقالية: من المتوقع أن يتضمن القانون فترة انتقالية (سنة إلى سنتين) لتطبيق رفع السن التدريجي وخاصة على الفئات التي لم تصل سن التقاعد بعد.
تشير المصادر إلى أن **التطبيق الفعلي للتعديلات على المشتركين الجدد والمتوسطة الأجل قد يبدأ في منتصف 2026 أو مطلع 2027 بعد الانتهاء من الإجراءات التشريعية، مع الاحتفاظ بالحقوق المكتسبة للمشتركين الذين استوفوا شروط التقاعد قبل النفاذ.
سابعاً: تأثيرات اجتماعية وصحية
• في المهن المرهقة جسدياً، يحتاج رفع السن إلى مراعاة استثناءات خاصة لتجنّب تحميل العاملين فوق طاقتهم الصحية.
• يمكن أن يساهم رفع السن في زيادة المدخرات الفردية وبالتالي تحسين جودة الحياة بعد التقاعد.
• يتطلب تعزيز البطالة وتحديث سوق العمل برامج تدريب مهني وتأهيل مستمر خصوصاً للعمال فوق سن 50 عاماً.
خاتمة وتوصيات
رفع سن التقاعد ووقف التقاعد المبكر في الأردن هي خطوة إصلاحية مهمة في سبيل ضمان الاستدامة المالية والتوازن بين الموارد والالتزامات. ومع ذلك، فإن نجاحها يعتمد على:
1. تنفيذها تدريجياً بشفافية مع حماية الحقوق المكتسبة للمشتركين الحاليين.
2. برامج تدريب وتأهيل لضمان تنافسية العمال الأكبر سناً.
3. تعزيز فرص العمل للشباب عبر سياسات وظيفية فعّالة.
4. ضمان استثناءات صحية ومهنية في الحالات التي تتطلب خروجاً مبكراً بداعي الصحة أو المخاطر المهنية.
بهذا التوازن تتحول التعديلات إلى أداة لتعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.