جنود بلا حدود بين الإغاثة والنفوذ من فلسطين إلى باتاغونيا في الأرجنتين
سمير حمدان - بودابست
21-07-2026 12:53 AM
لا تبدو عبارة «جنود بلا حدود» بريئة كما توحي لأول وهلة، فهي ليست اسمًا رسميًا لمنظمة بعينها، بل توصيفًا إعلاميًا لمبادرات يشارك فيها أو يقودها جنود إسرائيليون سابقون في أنشطة تطوعية خارج إسرائيل، وفي هذا السياق تبرز منظمة Heroes for Life، التي أسسها ضباط سابقون في وحدات خاصة بالجيش الإسرائيلي، وتقدم نفسها بوصفها منصة للعمل الإنساني، بينما يرى منتقدون أن هذا النموذج يثير أسئلة حول الكيفية التي قد يتقاطع بها العمل التطوعي مع بناء الحضور والعلاقات في مناطق حساسة، من دون أن يشكل ذلك، في حد ذاته، دليلًا على أهداف تتجاوز ما تعلنه المنظمة .
في هذا السياق يصبح التاريخ مفتاحًا لفهم الحاضر، فالحركة الصهيونية لم تبدأ كقوة عسكرية، بل ببناء مؤسسات مالية، وزراعية، وتعليمية، قبل أن تتحول إلى مشروع سياسي انتهى بقيام دولة إسرائيل، وتشير دراسات تاريخية إلى أن هذه المؤسسات لعبت دورًا مهمًا في شراء الأراضي، وتنظيم الهجرة، وترسيخ الوجود، وهو ما يجعل التجربة الفلسطينية مثالًا على أثر العمل المؤسسي طويل الأمد، غير أن استحضارها لا يبرر إسقاطها تلقائيًا على كل حالة أخرى، بل يفرض التمييز بين الوقائع التاريخية، وبين المقارنات التي تبقى محل نقاش وتحليل .
ضمن هذا الإطار تعود باتاغونيا في جنوب الأرجنتين إلى واجهة النقاش، فهي منطقة غنية بالمياه، والطاقة، والأراضي الزراعية، وتقع في دولة شهدت أزمات اقتصادية جعلت الاستثمارات الأجنبية محورًا دائمًا للجدل، وقد أثار انتقال مساحات من الأراضي إلى ملكية مستثمرين أجانب نقاشًا واسعًا حول السيادة وإدارة الموارد، وفي هذه البيئة تجد روايات «خطة أندينيا» مساحة للانتشار، رغم عدم وجود أدلة موثوقة تثبتها، ولذلك يصنفها كثير من الباحثين ضمن الفرضيات غير المثبتة، وهو ما يجعل التفريق بين التساؤل المشروع، والاستنتاج غير المدعوم، شرطًا لأي نقاش جاد .
ولم يبق هذا الجدل في إطاره النظري، بل اكتسب بعدًا سياسيًا مع تقارير إعلامية تحدثت عن تجميد مراسم نقل السفارة الأرجنتينية من تل أبيب إلى القدس، وهي الخطوة التي كان الرئيس خافيير ميلي قد أعلن عزمه تنفيذها، وذلك في ظل توتر دبلوماسي ارتبط بأنشطة شركة إسرائيلية تعمل في مجال التنقيب عن النفط قرب جزر مالفيناس، أو فوكلاند، وهي منطقة تعتبرها الأرجنتين جزءًا من سيادتها، بينما أكدت الحكومة الإسرائيلية أن الشركة كيان تجاري مستقل، وهو ما أبرز كيف يمكن أن تتحول الاستثمارات، عندما تمس مناطق متنازعًا عليها، إلى قضية سيادية تتجاوز بعدها الاقتصادي .
وتكشف هذه التطورات طبيعة النفوذ في القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد موازين القوة تتحرك عبر الجيوش وحدها، بل عبر الشركات، ورؤوس الأموال، والشبكات الاقتصادية، وعندما تتقاطع هذه الأدوات مع ملفات السيادة يصبح الفصل بين الدولة والقطاع الخاص أكثر تعقيدًا، كما يتبين أن التحالفات السياسية، مهما بدت متينة، قد تواجه اختبارات صعبة عندما تمس الأرض، أو الموارد، أو المصالح الوطنية، وهو ما يفرض على الدول تطوير أطر قانونية أكثر صلابة، وشفافية، وقدرة على حماية القرار الوطني .
وفي السياق ذاته يثار الجدل حول توافد سياح إسرائيليين، وبينهم جنود سابقون، إلى جنوب الأرجنتين، وهي ظاهرة معروفة بعد انتهاء الخدمة العسكرية، إلا أن تفسيرها باعتبارها دليلًا على مشروع سياسي منظم لا يستند إلى أدلة كافية، في حين تبقى المطالبة بالشفافية بشأن مصادر التمويل، وطبيعة الأنشطة، والالتزام بالقوانين الوطنية، مطلبًا مشروعًا ينطبق على جميع الجهات الأجنبية، كما أن الروايات التي تربط حرائق الغابات بمحاولات متعمدة لخفض قيمة الأراضي لم تثبتها تحقيقات موثوقة، وهو ما يستدعي التمييز بين الاشتباه والدليل .
والمعضلة الحقيقية لا تكمن في إثبات وجود خطة سرية للاستيلاء على الأرجنتين، بل في فهم طبيعة النظام الدولي الذي يسمح لرأس المال العابر للحدود بالتأثير في إدارة الموارد والقطاعات الحيوية، وهو نمط لا يقتصر على دولة أو جهة بعينها، بل يمثل تحديًا تواجهه دول كثيرة، ومن هنا تصبح السيادة قضية مؤسسات وقوانين قبل أن تكون شعارات، عبر تنظيم ملكية الأراضي، وتعزيز الرقابة على الاستثمارات، وربط العلاقات الخارجية بالمصلحة الوطنية، لأن الفراغ التنظيمي يفتح الباب أمام أشكال من التأثير يصعب احتواؤها، وبين الوقائع الموثقة والفرضيات غير المثبتة يبقى النقد القائم على الأدلة هو الأكثر قدرة على الصمود، فالمبالغة تضعف الحجة، والإنكار يحجب الواقع، أما القراءة الرصينة فتبدأ بالسؤال، وتستند إلى الوثيقة، وتنتهي باستنتاج يمكن الدفاع عنه، لأن السؤال الحقيقي لا يتعلق بإثبات مخطط خفي أو نفيه، بل بقدرة الدول على حماية سيادتها، ومؤسساتها، وقرارها الوطني، في عالم أصبحت فيه أدوات النفوذ أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا من أي وقت مضى .