facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الهاشميون سلطة بلا مسافة: الحسين نموذج القيادة الحقيقية


أ.د احمد منصور الخصاونة
07-02-2026 12:05 PM

في الذاكرة الأردنية، يكاد يجتمع الناس على حقيقة يصعب إنكارها: أن الملك الحسين بن طلال، رحمه الله، جسّد التواضع بوصفه سلوكًا أصيلًا نابعًا من قناعة راسخة، لا قناعًا سياسيًا ولا أداءً ظرفيًا تفرضه اللحظة. كان قريبًا من الناس بطبيعته، لا بتكلف، وحاضرًا بينهم بصدق، لا استعراضًا، فلم يكن قربه منهم تصنّعًا ولا مشهدًا معدًّا للكاميرات، بل انعكاسًا لشخصية ترى في الإنسان جوهر الحكم ومعناه.

ولم يقتصر هذا الانطباع على الأردنيين وحدهم، بل أكّده كثيرون من خارج الأردن، ممن عايشوا الحسين عن قرب أو سمعوا عنه من مصادر متعددة، سياسية وشعبية على حدّ سواء. ورغم اختلاف الروايات في تفاصيلها، إلا أن صورتها في جوهرها بقيت واحدة: قائد جمع بين الموقع والمسؤولية من جهة، والإنسانية والبساطة من جهة أخرى، فاستحق أن يُحفظ في الذاكرة بوصفه نموذجًا نادرًا لقائدٍ لم تغيّره السلطة، ولم تُبعده عن الناس.

كثرت القصص التي تداولها الناس عن تواضع الملك الراحل، حتى تجاوزت حدود الحكايات الشعبية، وأصبحت أقرب إلى الشواهد التاريخية التي تعكس ملامح شخصية استثنائية في فهمها لمعنى القيادة. ومن أشهر تلك القصص حكاية المرأة التي تعطلت سيارتها على الطريق، فتوقّف رجل لمساعدتها في تبديل إطار السيارة، من دون أن يعرّف بنفسه أو يستعرض موقعه، قبل أن تكتشف لاحقًا أن من قدّم لها العون لم يكن شخصًا عاديًا، بل ملك الأردن نفسه. ولم تكن هذه القصة استثناءً، بل واحدة من عشرات المواقف التي كان الحسين يمارسها بعفوية، أحيانًا متخفيًا، لا طلبًا للإعجاب ولا بحثًا عن رواية تُحكى، بل انسجامًا مع طبيعته الإنسانية.

لم يكن هذا السلوك طارئًا أو عابرًا في حياة الحسين، بل امتدادًا طبيعيًا لرؤيته لموقعه ودوره، إذ لم يرَ في المنصب حاجزًا يفصله عن الناس، ولا في السلطة مبررًا للتعالي أو الانعزال. كان يتعامل مع الآخرين بوصفهم بشرًا قبل أي اعتبار آخر، مؤمنًا بأن قيمة القائد لا تُقاس بهيبة الموقع ولا باتساع النفوذ، بل بقدرته على البقاء إنسانًا في قلب المسؤولية، وبقربه الصادق من الناس، لا بالمسافة التي يصنعها بينهم وبينه.

وتتكرّر في الذاكرة الوطنية مواقف أخرى لا تقل دلالة وعمقًا، مواقف لم تُحفظ لأنها غريبة أو نادرة، بل لأنها صادقة وبسيطة إلى حدّ يصعب تصنّعه. امرأةٌ مسنّة لا تنتظر وصول الملك اليها، بل يبادر هو بالسير نحوها، متجاوزًا البروتوكول، وينحني ليقبّل رأسها احترامًا وتقديرًا، فيعيد الاعتبار لمعنى البرّ والتواضع في أبهى صوره. وطفلةٌ صغيرة تقدّم له علبة عصير مفتوحة، لم يبقَ فيها سوى القليل، فيتقبّلها منها بعفوية، ويشرب أمامها دون تردّد أو حرج. وطفلةٌ أخرى يتوقّف الملك عندها، ويجثو على ركبتيه ليعقد لها رباط حذائها، في مشهد تختفي فيه المسافات بين الحاكم والمحكوم، ولا يبقى سوى إنسان يساعد إنسانًا.

هذه التفاصيل، على بساطتها الظاهرة، لم تكن أفعالًا عابرة أو لقطات محسوبة، بل كانت تعبيرًا عميقًا عن فلسفة متكاملة في الحكم والعلاقة مع الناس. فقد كان الحسين يؤمن أن المنصب لا يمنح صاحبه قيمة إضافية، وأن الكرامة الإنسانية تسبق كل الألقاب، وأن القائد الحقيقي لا يعلو على شعبه، بل يعلو به. لذلك لم يحتج إلى خطابٍ طويل ليقنع الناس بقربه منهم؛ كانت أفعاله اليومية، وحركاته العفوية، كفيلة بترسيخ تلك القناعة في الوجدان العام.

ومن هنا، تحوّلت هذه المشاهد الصغيرة، ببساطتها وعفويتها، إلى رموز كبرى راسخة في الذاكرة الأردنية، تُروى جيلاً بعد جيل، لا على سبيل التسلية أو المبالغة، بل بوصفها شواهد حيّة على معنى القيادة الحقة كما عاشها الناس ولمسوها. فهي لم تكن لحظات عابرة في مسيرة رجل، بل ملامح ثابتة في نهج حكم، عبّرت عن علاقة إنسانية صادقة بين القائد وشعبه، علاقة لا تقوم على الخوف ولا على المسافة، بل على الثقة والاحترام والمودة.

لقد اختزلت تلك المواقف فلسفة عميقة في الحكم، مفادها أن أعظم مظاهر القوة لا تكمن في الهيبة المصطنعة، ولا في الحواجز الأمنية، ولا في الألقاب الثقيلة، بل في التواضع الصادق، وفي القدرة على النزول إلى مستوى الناس دون أن يفقد القائد مكانته، بل على العكس، أن يزداد احترامًا في عيونهم. وأن الشرعية الأصدق لا تُكتَب في القرارات ولا تُفرَض بالقوانين وحدها، بل تُحفَر في قلوب الناس، حين يشعرون أن قائدهم واحدٌ منهم، يسمعهم كما يسمعون، ويتألم كما يتألمون، ويصدقهم كما ينتظر منهم الصدق.

لعل ما يميز هذه المواقف الصغيرة أنها لم تكن أحداثًا منفصلة أو لمسات عابرة في حياته، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لشخصيته ونهجه في القيادة، حيث كان قريبًا من شعبه، غير منفصل عنهم نفسيًا أو وجدانيًا، وعلاقته معهم متجذرة في الاحترام المتبادل والحب الصادق، لا في المنصب أو البروتوكول.

وفي المقابل، تبرز مفارقة موجعة لا يمكن تجاهلها؛ فرغم وفرة المواقف والعِبر التي خلّفها الملك الراحل، والتي واصل السير على نهجها جلالة الملك عبد الله الثاني، حفظه الله ورعاه، في التواضع والقرب من الناس، إلا أنّ كثيرًا من المسؤولين أخفقوا في استيعاب تلك الدروس أو الاقتداء بها سلوكًا ونهجًا. فلم ينجحوا في بناء علاقة حقيقية ومتينة مع المواطنين، علاقة قوامها الثقة والاحترام المتبادل، بل على العكس، اتّسعت المسافة بينهم وبين المجتمع، وتحوّلت المسؤولية لدى بعضهم إلى موقع إداري أو امتياز شكلي، لا إلى رسالة وطنية تُؤدّى بإخلاص.

ولعلّ أبلغ ما يختصر هذه المفارقة أن الأردن، يوم ودّع الملك الحسين، ودّعه بأكمله؛ بقلوب مكسورة، ومحبة صادقة، وإجماع نادر على رجلٍ لم يكن ملكًا فحسب، بل أبًا وقائدًا ورمزًا، وهو ما يكشف بوضوح أن المحبة لا تُصنَع بالمنصب، وأن الشرعية الحقيقية لا تُمنَح بقرار، بل تُكتسب بالفعل، وبالصدق، وبالانحياز الدائم للناس والوطن.

ليست ذكرى وفاة الملك الحسين بن طلال مناسبة لاستحضار الحنين إلى الماضي فحسب، بل هي محطة وطنية للتأمل العميق في جوهر القيادة الحقيقية، وفي التمييز الجوهري بين سلطة تُمارَس من موقع فوقي، وقيادة تُبنى على القرب من الناس، وعلى التواضع والإنسانية والصدق. فقد جسّد الحسين نموذج القائد الذي لم تحجبه المسؤولية عن شعبه، ولم تعزله المكانة عن هموم وطنه، فكان حاضرًا بينهم، مصغيًا لآمالهم، ومشاركًا لهم تحدياتهم، ومؤمنًا بأن قوة الدولة تنبع أولًا من ثقة مواطنيها.

لقد علّم الملك الحسين، رحمه الله، عبر مسيرته الطويلة والمليئة بالتحديات، أن القيادة ليست امتيازًا يُمنح ولا استعلاءً يُفرض، بل هي تكليف أخلاقي ومسؤولية تاريخية عظيمة. القيادة عنده قِيست بمدى الإخلاص للوطن، وبالقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة بمسؤولية ووعي، لا بمنطق الهيمنة أو القوة المظهَرية. لقد كان نموذجًا للقائد الذي يرى في الشعب شريكًا ومسؤولية، لا مجرد تابع أو أداة، والذي يوازن بين الحزم والرحمة، بين القانون والإنسانية، وبين السلطة والعدل.

ومن هنا، فإن إرثه العظيم لا يزال حيًا في الوجدان الوطني، ومعاييره ما تزال حاضرة في الوعي العام، يُقاس بها كل من يتولى موقع المسؤولية في هذا الوطن، باعتبارها مرجعًا أخلاقيًا ووطنيًا لمعنى الحكم الرشيد والقيادة الصادقة. لقد ترك لنا رؤية متكاملة عن كيف يمكن للسلطة أن تتجسد في خدمة الناس، وكيف يمكن للإنسان أن يبني دولة تحترم حقوق مواطنيها وتؤمّن لهم العدالة والاستقرار.

رحم الله الحسين، الملك المؤسس، الذي جعل من الأردن نموذجًا للقيادة الرشيدة، واطال الله في عمر الابن عبد الله الثاني الملك المعزز، والحفيد المشيد الحسين بن عبد الله ولي العهد الأمين، وحفظ الله المملكة الأردنية الهاشمية، دولةً آمنة مستقرة، صامدة وحضارية، دولةً لا يُظلم فيها أحد، ولا تُنتهك فيها الحقوق، دولةً تُجسّد العدالة والإنسانية في كل قرار وممارسة، وتستمر في مسيرة البناء والعمران، على نهج الحسين، بالحب والإخلاص، بالوفاء والإتقان، بالعمل الدؤوب والسعي المستمر، دون كلل أو ملل، لتظل راية الأردن عالية، شامخة، ثابتة، مضيئة على الدوام.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :