من الغربة الى العودة
م. عبد الغني طبلت الايوبيين
31-01-2026 01:55 PM
* متى يستيقظ الحجر الأصفر من سباته (3)
في ثمانينيات القرن الماضي ، عاشت السلط صمتًا غير مألوف تسلّل الى عقبات وادراج وحارات وأسواق وسطها التاريخي بعد ان هجرها أهلها وتركوها بلا غطاء
وإذا ما غصنا في عمق النسيج العمراني لوسط المدينة التاريخي ، فسنجد أن ما يفتح الباب لعودة الأهالي للاستفادة من أبنيته التراثية يتجلّى في التسخير العملي لمبدأ "التكييف الوظيفي"، والتخلص من الأسباب التي تحد من تطبيقه على تلك الأبنية
تخيلوا معي أن شاباً سلطياً في مقتبل حياته العملية والاجتماعية والأسرية ، يعمل في أحد المجالات التقنية أو المعلوماتية أو أي من التخصصات الحديثة ، وتراود مخيلته هواجس العودة للعيش والاستقرار مع عائلته الصغيرة الناشئة في بيت ابائه واجداده في وسط المدينة التاريخي ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل سيتمكن من القيام بذلك ؟ وهل سيتقبل أن يعود ليسكن ويستقر في "أيقونة تراثية رمزية ساكنة" بدل ان يعيش في "بيت يتمتع بوظائف حيوية واستعمالات ذكية" تتماهى ومعطيات الوقت الراهن ، وتلبي احتياجات مختلف افراد العائلة ؟
فالعودة ستصبح ممكنة عندما تصبح أحياء وسط المدينة التاريخي "مناطق تفضيلية" قادرة على اجتذاب أهلها واستقطابهم بتوفير مساحات ملائمة ووظائف حديثة واستخدامات متميزة تحتويها بيوتهم التراثية ، شريطة ان تكون مدعمة ببنية تحتية ملائمة وكفؤة ، بما في ذلك تأهيل الشوارع والازقة والممرات والادراج والفضاءات ومسارات المشاة ، وتوفير مواقف سيارات ذكية عند مداخل المدينة معززة بوسائل مواصلات صغيرة الحجم سريعة التردد تمكن من الوصول الى اغلب أحياء وسط المدينة التاريخي بأقصر مدة زمنية ، والعمل على بناء منظومة خدمية مجتمعية بمختلف ابعادها المعيشية (الاقتصادية والصحية والتعليمية والدينية) ، الامر الذي سيحول الوسط التاريخي للمدينة الى مقصد جاذب ، وسيجعله مكاناً أرقى للعيش وموقعا أجدى للاستقرار الدائم
إن اعادة الروح لبيوت السلط التراثية التي شيدها آباؤنا وأجدادنا بعرقهم وصبرهم وتفانيهم وانتمائهم ، لهي الضمانة الأكيدة والتأكيد القاطع بأن تظل مدينة السلط حية وحيوية ومشرئبة ويبقى تاريخها ناصعا على الدوام ، فالرؤية الاستراتيجية عند التخطيط لواقع وسط المدينة التاريخي تطالبنا وتحثنا على مراعاة مفاهيم ومعايير "الأنسنة" اللازمة لرسم المسار الذي سيوضح منهجيات وأساليب "كيفية اعادة الإنسان إلى قلب المكان"
إن وسط مدينة السلط التاريخي يناشدنا ويستحث نواجذنا وينادي : لقد حان وقت عودتكم الى كنفي يا أهلي وأحبتي لاستفيق من سباتي
وللحديث بقية