حين يكون العيد مسؤولية في معنى القيادة والوطن
د. بركات النمر العبادي
01-02-2026 10:40 AM
في العيد الرابع والستين لميلاد جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ، لا نقف أمام تاريخٍ شخصيّ ، بل أمام مسار وطنٍ اختار أن يحيا بالوعي لا بالضجيج ، وبالعقل لا بالمغامر ، هذا العيد يأتي في زمنٍ تتبدّل فيه خرائط القوة والمعنى معًا ، فيما يقف الأردن ، بقيادة جلالة الملك ، ثابتًا لا لأن الرياح هادئة ، بل لأنه تعلّم كيف يوازن السير وهو في قلب العاصفة ، هنا لا تُقاس القيادة بعدد الإنجازات المعلنة ، بل بقدرتها على حماية الاتجاه ، وعلى إبقاء البوصلة الوطنية تشير إلى الأردن أولً ا، وإلى قضاياه العادلة ، وفي مقدمتها فلسطين ، بوصفها اختبار الضمير قبل أن تكون ملفًا سياسيًا.
عرف الأردنيون في السنوات الأخيرة ثقل العيش ، وضيق الإمكانات ، وتسلل القلق إلى تفاصيل يومهم ، لكنهم عرفوا أيضًا الفرق العميق بين دولةٍ تتعب ودولةٍ تتفكك ، الأردن تعب ولم ينكسر، تراجع أحيانًا ولم يتهور، صمت حين كان الصمت حكمة ، وتكلم حين كان الكلام واجبًا و لم تُدار البلاد بوهم المعجزات ، بل بوعي الحدود ، وبشجاعة القرار حين يكون ثمنه غير شعبي ، وبهدوءٍ يختزن قوة لا تحتاج إلى استعراض.
في هذا العيد ، لا ينظر جلالة الملك إلى الاحتفال بوصفه تصفيقًا ، بل بوصفه مسؤولية متجددة ، ويتطلع إلى أردنيين يشدّ بعضهم أزر بعض ، ويعيدون للمواطنة معناها العميق : أن يكون الوطن فعلًا يوميًا ، لا شعارًا ؛ وأن تكون الهوية الأردنية وعيًا جامعًا لا مادة نزاع ؛ وأن يكون الإخلاص في العمل شكلًا من أشكال الدفاع عن الدولة. فتماسك الجبهة الداخلية ليس خطابًا ، بل ممارسة تبدأ من احترام القانون ، وتنتهي عند حماية النسيج الاجتماعي من كل ما يفتته.
الاحتفال الحقيقي بعيد ميلاد جلالة الملك لا يُكتب بالحبر، بل يُنجز بالفعل : في تعزيز البنى الوطنية ، وصيانة مؤسسات الدولة ، وبناء اقتصاد يستند إلى الجهد لا الريع ، وإحياء فكرة أن الأردن بيتٌ نهائي لا مساحة مؤقتة. حين نفعل ذلك ، نكون قد فهمنا الرسالة الأعمق للقيادة التي لم تتعامل مع الدولة كملف ، ولا مع المواطن كرقم ، بل كقيمة ومعنى حقيقيين . كبر الملك بالأردن، وكبر الأردن به ، لا على نحوٍ استعراضي، بل في صمت التراكم وبطء البناء. في زمن التقلّب كان ثابتًا ، وفي زمن التردد كان حاضرًا ، وفي أشد اللحظات قسوة ظلّ يرى في الإنسان الأردني جوهر الدولة لا هامشها ، لذلك، يقول الأردنيون في عيد ميلاده ما يشبههم وما يشبه هذا الوطن : كل عام وجلالة الملك بخير، وكل عام والأردن بخير وبقدر ما نؤمن أن بقاؤه قويًا ليس منحةً من القيادة وحدها، بل عهدٌ مشترك بين الدولة وشعبها.
حمى اللة الاردن وقيادته وشعبه من كل كريهة .
* مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي- حزب المحافظين الاردني - نائب سابق