facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تحولات النظام الدولي: أين يقف العالم العربي في لحظة إعادة الصياغة؟


د. حمد الكساسبة
25-01-2026 12:35 PM

لم يعد الحديث عن النظام الدولي الجديد نقاشًا نظريًا أو مؤجلًا، بل أصبح واقعًا يؤثر مباشرة في السياسات الاقتصادية وخيارات الدول.

التحولات الجارية لا تتعلق بإصلاح النظام القائم بقدر ما تتعلق بكيفية التعامل مع نظام جديد يتشكّل بسرعة. وفي هذا السياق، لم يعد موقع الدول يُقاس بحجم الموارد فقط، بل بقدرتها على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، وبمدى جاهزيتها للتكيّف مع واقع دولي متغيّر.

أحد أبرز ملامح هذه المرحلة هو التراجع النسبي لفكرة النظام الأحادي القطب. فالولايات المتحدة ما تزال قوة اقتصادية وسياسية كبرى، لكنها لم تعد قادرة على إدارة النظام الدولي منفردة كما في السابق. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن حصة الولايات المتحدة من الناتج العالمي تراجعت من نحو 30% مطلع الألفية إلى قرابة 24% في السنوات الأخيرة. هذا التراجع لا يعكس انهيارًا، بل تحوّلًا تدريجيًا في موازين القوة، وصعود أطراف دولية أخرى بات لها تأثير متزايد.

اقتصاديًا، تغيّر مسار العولمة نفسها. العالم لا يتجه إلى الانغلاق، لكنه لم يعد منفتحًا بلا شروط. سلاسل الإمداد يعاد تنظيمها، والتجارة أصبحت أكثر ارتباطًا بالاستقرار السياسي والأمن الاقتصادي. وتشير بيانات منظمة التجارة العالمية إلى تباطؤ نمو التجارة العالمية مقارنة بما قبل الأزمة المالية العالمية، مع تزايد دور التكتلات الإقليمية في توجيه حركة التجارة والاستثمار.

وفي هذا الإطار، اتجهت السياسة الأميركية إلى استخدام الأدوات الاقتصادية ذات الطابع السياسي بشكل أوسع. ويظهر ذلك في ملفات مثل فنزويلا واحتياطياتها النفطية، وإيران والعقوبات المفروضة عليها، والضغوط الاقتصادية في الشرق الأوسط، إضافة إلى الطروحات المتعلقة بغرينلاند وما تحمله من أبعاد استراتيجية. هذا النهج قد يحقق أهدافًا قصيرة الأجل، لكنه يساهم في المقابل في إضعاف الثقة بحيادية النظام الاقتصادي العالمي، ويدفع دولًا عديدة إلى البحث عن بدائل أو مسارات موازية.

على الصعيد النقدي، لا يدور النقاش حول انهيار الدولار، بل حول تراجع نسبي في مركزيته. فوفق بيانات صندوق النقد الدولي، انخفضت حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية من نحو 71% عام 1999 إلى ما يقارب 58% حاليًا. هذا الاتجاه لا يعني التخلي عن الدولار، بل يعكس سعي الدول إلى توزيع المخاطر وتقليل الاعتماد على عملة واحدة في ظل بيئة دولية تتسم بقدر أكبر من عدم اليقين.

وفي الوقت نفسه، أصبحت التكنولوجيا عاملًا حاسمًا في تحديد موقع الدول داخل النظام الدولي. فالذكاء الاصطناعي لم يعد شأنًا تقنيًا بحتًا، بل أداة تؤثر مباشرة في الإنتاجية والقدرة التنافسية. وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الإنفاق العالمي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي تجاوز 150 مليار دولار سنويًا. غير أن معظم الاقتصادات العربية لا تزال مستهلكة للتكنولوجيا أكثر من كونها منتجة لها، ما يحدّ من قدرتها على تحسين الإنتاجية وبناء ميزة تنافسية مستدامة.

وهنا تتضح كلفة الانقسام العربي بشكل مباشر. فالمنطقة تضم أكثر من 5% من سكان العالم، لكنها لا تسهم بأكثر من 3% من التجارة العالمية، فيما لا تتجاوز التجارة العربية البينية 10–12% من إجمالي تجارة الدول العربية، وفق بيانات الإسكوا وصندوق النقد العربي.

ويتعمّق هذا الخلل في ظل إقليم عربي مضطرب، تتوزع فيه بؤر التوتر بين غزة والضفة ولبنان وسوريا، إضافة إلى الأزمات الممتدة في السودان والصومال والعراق. وحتى داخل دول مجلس التعاون الخليجي، فإن استمرار التباينات في بعض القضايا الإقليمية يضعف الموقف العربي المشترك ويشجع التدخلات الخارجية.

ويتجلى التحدي العربي في الفجوة الواضحة بين الإمكانات والنتائج. فبعض الدول العربية تمتلك فوائض مالية واستثمارات كبيرة، لكنها لم تُترجم بعد إلى مشروعات إقليمية مشتركة ذات أثر صناعي أو تكنولوجي واضح. وفي عالم يقوم على التكتلات وسلاسل القيمة، تصبح هذه الفجوة عبئًا حقيقيًا يضعف القدرة على التأثير.

وخلاصة القول، إن النظام الدولي يُعاد تشكيله الآن، والوقت أصبح عنصرًا حاسمًا. والخطر الأكبر على العالم العربي ليس في اضطراب النظام العالمي، بل في الاستمرار في التعامل معه كمرحلة مؤقتة. ففي عالم سريع التغيّر، لا يُعاقَب فقط من يخطئ، بل من يتأخر عن القرار.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :