إلى ساهرة وكلِّ النِّساء (في ذكرى الثَّامن من آذار)
أمل المشايخ
08-03-2026 03:28 PM
"أنْ يولد المرء عربيّا تلك مصيبة، أمّا أنْ يكون العربيُّ امرأة تلك ضريبة إضافيّة" هذه توقيعة للدّكتور وليد سيف جاءت على لسان (علي اليونس) بطل ملحمته الدرامية (التَّغريبة الفلسطينية)، تذكّرتها هذا الصّباح وأنا أستذكر الثّامن من آذار/ مارس الذي كرّسته الأمم المتّحدة يومًا عالميًّا للمرأة في قصّة يعلمها الجميع.
حين يأتي آذار يعلن مقدم الرّبيع ويوم المرأة ويوم الأم: مناسبات ثلاث يحملها آذار لكلّ منّا، لعلي لا أجد انفصالًا بينها؛ فمقدم الرّبيع ينبئك عن الورد الذي يتحدّث بكلّ اللغات، والأمّ هي أسّ الوجود، وبدء الخليقة، وعنوانه الأسمى والأجمل... هي المرأة معنى الحياة وسبب كينونتها، هي الرّبيع بكلِّ ما يحمل من جمال يمدُّ الحياة بأسباب البقاء..
"في البيت العربيّ مكان يتَّسع للكثير، ولنظرتهم المزرية للمرأة" قالتْ صديقة، "أين المرأه مش لاقياها" قالت صديقة أخرى ونحن نستذكر هذه المناسبة.
كثيرة هي المؤتمرات التي عقدت للمرأة وعنها في شتّى بقاع الأرض، كلّها خرجت بقرارات وتوصيات ليصار إلى متابعتها وتنفيذها بقصد تحسين أحوال المرأة وتمكينها، ولكن ما الذي نراه بعد ذلك؟
ما هي التّوصيات التي تمخّضتْ عنها هذه المؤتمرات التي تقودها المخمليّات إذا كانت الأرملةُ ما تزال تعيش على صندوق المعونة أو كفالة اليتيم – إنْ وجدت – وما زال قطاع الخادمات هو الأكثر فقرًا وجهلًا وما يتبع ذلك منْ ويل وجريمة جرَّه الثالوث (غير المقدَّس) على المجتمعات: الفقر والجهل والمرض.
أقول المرض بكلّ جوانبه الفيزيائيّة والسّيكولوجيّة في مجتمعات تغترب فيها النّساء سنوات لتأمين لقمة العيش لصغارهن.
لقدْ تنافستْ بلادنا العربيّة على أنْ تطرّز حكوماتها بامرأة أو اثنتين ليحملن حقائب وزاريّة في وزارات يدرك الجميع أنها غالبًا ما تكون (تكميلية)، غير حسّاسة كأنْ تكون المرأة وزيرة للتّنمية الاجتماعيّة، ولم نسمعْ عنْ امرأة عربيَّة أصبحتْ وزيرة للخارجيّة أو التّربية والتّعليم مثلًا، ما معنى ألّا تصل المرأة للبرلمان في بعض الدّول العربيّة إلّا بكوتة؟ ما معنى موت كثير منْ نساء العالم الثّالث أثناء الولادة أو بعدها بأيام قلائل فيما يعرف ب (حمى النَّفاس)، وما معنى أنْ تكون النّساء الأقل أجورًا في العمل - وبالتّالي الأكثر فقرًا- ما معنى أنْ تكون الأميَّة في الوطن العربيّ - وقد تجاوزنا منتصف العقد الثَّاني من القرن الحادي والعشرين – تساوي خمسين بالمئة أو يزيد، أغلبها من النّساء ؟؟ ... كلّها أسئلة برسم الإجابة لا يمنعنا الرّبيع والاحتفال بالمرأة وإنجازاتها أنْ نطرحها بقوّة بحجم الحرقة التي تفجّرها هذه الأسئلة؟
وما دمنا في سيرة النّساء وقطاع الخادمات فإنّني أذكر بكلِّ الحب والألم (ساهرة) الخادمة السّريلانكيّة التي كانت تعينني – أحيانًا- في بعض أعمال البيت، وتسأل عنّي بين حين وآخر، قالتْ لي يومًا إنّها ستعود إلى بلادها عندما تكون قادرة على أنْ تبتاع منزلًا صغيرًا لوحيدها (أنور) الذي كان يبكي كلَّما هاتفها: " ماما عودي لا أريد المال، أريد أنْ أراك فقط"، وحين افتقدتُها، حاولتُ أنْ أقلِّدها لأرتقيَ إلى مستوى أصالتها؛ سألتُ عنْها، فردَّ عليَّ صوت غريب منْ هاتفها (علمتُ أنّه أحد أقاربها)، قال: "ساهرة سارت بلاد"، علمتُ حينئذٍ أنّها امتلكت ثمن البيت لوحيدها.
المؤتمرات التي تعقد في مشارق الأرض ومغاربها لمْ تفلحْ في أنْ تحلّ مشكلة (ساهرة) ورفيقاتها اللاتي يعشن قضية المرأة أكثر منْ كلّ العاملين والعاملات على هذه المؤتمرات.
في هذا الشّهر فقدتُ حبيبتين إلى قلبي: الأولى الأستاذة وفاء مبيضين مديرة مدرستي التي عملتُ معها في قرية الغوير في محافظة الكرك والتي رحلت بعد شهر واحد فقط منْ رحيل نجلها الشّاب الدّكتور ميسرة الضّمور.
والثّانية الأستاذة والأديبة العراقيّة لطفيّة الدّليمي التي رحلت ودفنتْ في عمّان التي أحبّتْ هذا الصّباح ... لطفيّة التي كانت قدوتي وقدوة الكثيرات في تواضعها وإبداعها الثّر وعطائها المتدفّق الذي امتدّ من الرّواية إلى الفلسفة والفكر العلميّ ومن النّقد إلى التّرجمة.
إنّ الوقوف بباب الثّامن من آذار حريٌّ به أنْ يكون وقفة مراجعة مع المرأة وحقوقها وتمكينها في عالم تشكِّل المرأة نصفه وتربّي نصفه الآخر، وحريٌّ بمقدم الرّبيع أنْ يكون أغنية تصدح بالورد منْ كلّ لون والعطر منْ كلّ شذا إلى (ساهرة) ورفيقاتها في الشَّقاء، وكلِّ النّساء على امتداد هذا الكون.