قراءة مختلفة لرواية شتائم ترامب لنتنياهو !!!
رجا طلب
04-06-2026 09:53 PM
منذ أن نشر موقع أكسيوس روايته المثيرة عن المكالمة الغاضبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، انشغل كثيرون بتفاصيل الألفاظ النابية التي قيل إن ترامب استخدمها في مخاطبة حليفه الإسرائيلي بعد التصعيد العسكري في لبنان وقرار استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت.
لكن ربما يكون التركيز على الشتائم هو بالضبط ما يراد للجمهور أن ينشغل به، فيما تبقى الأسئلة الأكثر أهمية بعيدة عن النقاش.
ففي عالم السياسة لا تكون القضية دائماً فيما قيل، بل فيمن سرّب ما قيل، ولماذا جرى تسريبه، ولماذا في هذا التوقيت بالذات.
أول ما يلفت الانتباه في هذه الرواية أن تفاصيلها من المفترض ان تكون شديدة الخصوصية والسرية ، فالمكالمة ليست بين مسؤولين عاديين ، انها بين رئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء إسرائيل، أي بين شخصيتين تقفان على قمة هرم السلطة في دولتين ترتبطان بأوثق تحالف استراتيجي في العالم ، الامر الذي يعنى انه من الصعب تصور أن شخصاً ما كان يستمع إلى المكالمة بصورة تسمح له بنقل الكلمات والعبارات والانفعالات بهذا القدر من الدقة، ثم يقوم بتسريبها للإعلام ، وحتى إذا افترضنا جدلاً أن ذلك قد حدث، فإن السؤال الأهم يبقى: لماذا سُمح بخروج هذه الرواية إلى العلن؟ وهنا تبدأ القراءة السياسية الأكثر إثارة.
فالموقع الذي نشر الرواية ليس جهة معادية لترامب أو لإسرائيل ، بل على العكس، يُعد أكسيوس من أكثر المنصات الإعلامية قرباً من دوائر النفوذ في واشنطن وتل أبيب، وكثيراً ما تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى منصة غير رسمية لتمرير الرسائل السياسية المقصودة.
لذلك يصعب التعامل مع مثل هذا التسريب باعتباره مجرد سبق صحفي بريء، والأرجح أن الرواية صيغت لتؤدي وظيفة سياسية محددة ، فإدارة ترامب تواجه منذ أشهر معضلة حقيقية وهذه المعضلة تتمثل بالتالي : فهي تريد الاستمرار في تقديم الدعم الكامل لإسرائيل، لكنها في الوقت نفسه لا تريد خسارة شبكة واسعة من الحلفاء العرب والمسلمين الذين ينظرون بقلق متزايد إلى سياسات حكومة نتنياهو وإلى احتمالات انفجار المنطقة بحروب أوسع ، وفي مقدمة هذه الدول تأتي السعودية ومصر وتركيا وباكستان، إضافة إلى دول عربية أخرى تخشى أن يؤدي استمرار التصعيد الإسرائيلي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها.
ومن هنا يمكن فهم المغزى السياسي للتسريب.
فالرسالة ليست موجهة إلى إسرائيل بقدر ما هي موجهة إلى هذه العواصم.
والهدف منها إظهار ترامب بمظهر القائد الذي لا يتردد في توبيخ نتنياهو عندما يرى أن المصالح الأميركية مهددة، وأنه ليس أسيراً بالكامل لرغبات الحكومة الإسرائيلية، بل قادر على ممارسة الضغوط عليها عندما تستدعي الضرورة ، وبكلمات أخرى، فإن الرواية لا تسعى إلى إظهار ضعف نتنياهو بقدر ما تسعى إلى إظهار قوة ترامب واستقلالية قراره.
وهذا ليس جديداً.
فخلال الحرب على غزة شهد العالم سلسلة طويلة من التسريبات المشابهة ، ففي كل مرة كان الغضب الدولي يتصاعد، كانت تظهر روايات عن توترات وخلافات وضغوط أميركية على إسرائيل. وقيل مراراً إن واشنطن غير راضية عن بعض السياسات الإسرائيلية، وإنها تمارس ضغوطاً خلف الأبواب المغلقة.
لكن الوقائع على الأرض كانت تسير في اتجاه مختلف.
فالمساعدات العسكرية استمرت، والدعم السياسي استمر، والحماية الدبلوماسية في المؤسسات الدولية استمرت، بينما بقيت الخلافات المعلنة محصورة غالباً في الإطار الإعلامي.
وهنا يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت رواية الشتائم الأخيرة تندرج ضمن السياق نفسه ، أي ضمن سياسة تقوم على الفصل بين الصورة والواقع؛ صورة إعلامية توحي بوجود مسافة بين واشنطن وتل أبيب، وواقع سياسي واستراتيجي يؤكد استمرار التحالف بأقوى صوره ، لذلك قد لا تكون القضية الأساسية هي ما إذا كان ترامب قد استخدم فعلاً تلك الألفاظ بحق نتنياهو،
فالقضية الأهم هي أن هناك من أراد للعالم أن يسمع هذه الرواية الآن ، وفي السياسة، عندما يُراد للعالم أن يسمع شيئاً محدداً في توقيت محدد، فإن السؤال لا يكون عن الكلمات التي قيلت، بل عن الرسالة التي يراد تمريرها من خلالها.
ومن هذه الزاوية، تبدو قصة الشتائم أقل أهمية من قصة التسريب نفسه.
فالتسريب هنا قد يكون الحدث الحقيقي، أما المكالمة فليست سوى وسيلته.