facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




خبز الشراك .. أيام حراسة الإذاعة والتلفزيون


بسام السلمان
21-07-2026 03:33 PM

ذكّرتني الزميلة فلحة بريزات بخبز الشراك عندما كتبت على صفحتها: "لم يكن خبز أمي يومًا مجرد رغيف نتناوله مع إشراقة الفجر، بل كان نبض بيت غمره الدفء والحنان، وستظل هذه الذكرى تسكن روحي ما حييت."

وما إن قرأت كلماتها حتى انفتحت أبواب الذاكرة على مصراعيها، وعادت بي إلى ساحة دارنا القديمة، حيث كانت أمي وجدتي، وخالتي آمنة، يخبزن الشراك على الصاج، ورائحة الحطب تمتزج برائحة العجين حتى يصبح الهواء نفسه وجبة شهية.

ثم حملتني الذاكرة إلى عام 1988، حين كنت أخدم خدمة العلم في لواء الملك الحسين بن علي، كنا مكلفين بحراسة مبنى الإذاعة والتلفزيون، وكنت أخدم في فصيل الأمن والاستعلامات العسكرية، حيث يمر من أمامنا جميع موظفي الإذاعة والتلفزيون دخولا وخروجا.

كنت يوما في وظيفة على مبنى الصيانة، المطل على احد احياء عمّان. ومن هناك كان يمتد البصر إلى مساحات مفتوحة لم تبتلعها الأبنية بعد، وفي إحدى الزوايا كان بيت شعر بدوي منصوبا في أرض خالية، أظن أنها أصبحت اليوم تحت إحدى البنايات الشاهقة التي ملأت العاصمة.

في أحد الأيام، حملت الريح إليّ رائحة خبز الشراك الساخن، لم تكن رائحة عادية، بل كانت رسالة من أمي، ومن طفولتي، أيقظت في داخلي شوقا لا يقاوم إلى رغيف خرج لتوّه من على الصاج.

وبمحض صدفة جميلة، مرّ طفل من أبناء تلك العائلة تحت المبنى، وكان في نحو العاشرة من عمره. ناديته بكل عفوية، وقلت له " ممكن رغيف خبز؟"

اختفى دقائق قليلة، ثم عاد يحمل رغيفا ساخنا، وكأنه يحمل الدنيا كلها بين يديه، تناولته بشغف، وأكلته كما لم آكل طعاما من قبل، كان مليئا بالبركة لأن المذاق الحقيقي لم يكن في الخبز وحده، بل في الكرم الذي قُدِّم به.

تلك الحادثة بقيت تسكن ذاكرتي حتى اليوم، لأنها كانت تختصر طبيعة المجتمع في تلك الأيام، كان الناس أقرب إلى بعضهم، وأقل ترددا في العطاء، وأكثر ثقة بالآخر، وكان بإمكان جندي لا يعرف أهل بيت الشعر أن يطلب رغيفا، فيحصل عليه بمحبة، دون سؤال أو ريبة أو حسابات.

أطال الله في عمر ذلك الفتى البدوي الشهم إن كان ما يزال بيننا، وأطال الله في عمر تلك السيدة العربية الأصيلة التي ناولتني ذلك الرغيف، إن كانت على قيد الحياة، ورحم الله من رحل منهم، ورحم أمهاتنا وآباءنا جميعا، فقد تركوا لنا ذكريات لا تشيخ، ورائحة خبز لا تزال تسكن القلب قبل الذاكرة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :