facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الكُلف التي لا تُرصد في الموازنة لكنها تحدد مسار التنمية


د. ليال عيسوه
21-07-2026 03:20 PM

اعتدنا أن نقيس كلفة التنمية بما يُنفق، وبحجم المشاريع، وبما تتضمنه الموازنات من أرقام ومخصصات. لكن الدول التي نجحت في تحقيق تنمية مستدامة لم تكن تلك التي امتلكت الموارد الأكبر، بل تلك التي أحسنت إدارة الكُلف التي لا تظهر في أي بند مالي.

فهناك كُلف لا تُدفع من الخزينة، بل من الزمن. وكُلف لا تُسجل في التقارير، بل تُدفع من رصيد الثقة. وكُلف لا تُقاس بالدينار، بل بالفرص التي تضيع، والطاقات التي تُستنزف، والقرارات التي يتأخر أثرها لأنها لم تجد البيئة التي تستوعبها.

لهذا، قد يكون من المفيد أن نعيد تعريف معنى الكُلفة في مسيرة التحديث والتنمية.

فكلفة التنمية ليست فقط ما ننفقه لبناء طريق أو مدرسة أو مستشفى، بل أيضًا ما نخسره عندما يطول الإجراء، أو يتكرر العمل بين أكثر من جهة، أو تتعطل المبادرات، أو تضعف الثقة بين المواطن والمؤسسة. فهذه الكُلف، وإن لم تظهر في الموازنة، إلا أنها تؤخر التنمية، وتخفض كفاءة الأداء، وتستهلك موارد لا تقل قيمة عن المال.

إن أخطر ما في الكُلف غير المرئية أنها تتراكم بصمت. فهي لا تُحدث أزمة مفاجئة، لكنها تُبطئ الإنجاز، وتُضعف الأثر، وتُفقد المجتمع جزءًا من قدرته على التفاعل الإيجابي مع مسار التغيير.

ومن هنا، فإن التحديث لا يبدأ فقط من تعديل التشريعات أو إعادة هيكلة المؤسسات، رغم أهمية ذلك، بل يبدأ أيضًا من إدارة هذه الكُلف الخفية. فكل يوم يُختصر من دورة الإنجاز هو مورد وطني، وكل إجراء يُبسط هو استثمار، وكل معلومة تصل بوضوح وفي وقتها هي جزء من رأس المال الوطني.

ولعل القرارات التي تمس حياة الناس اليومية تقدم نموذجًا واضحًا لهذه الفكرة. فعندما يُتخذ قرار يتعلق بتأجيل الانتخابات المحلية لفترة زمنية محددة، فإن قيمة القرار لا تقف عند مشروعيته أو أسبابه، فذلك من اختصاص المؤسسات المعنية، وإنما تمتد إلى كيفية إدارة المرحلة التي تليه.

فإذا كان الهدف من التأجيل هو الوصول إلى تجربة محلية أكثر نضجًا وكفاءة، فإن توضيح هذا المسار للمواطن يصبح جزءًا من نجاح القرار نفسه. لأن المواطن لا يبحث عن تبرير، بل عن فهم؛ ولا يناقش حق الدولة في اتخاذ القرار، بل يريد أن يعرف إلى أين يتجه هذا القرار، وما القيمة التي ستتحقق منه.

وهنا تظهر إحدى الكُلف التي لا تُرصد في الموازنة؛ فحين تغيب المعلومة أو تتأخر، لا يبقى الفراغ صامتًا، بل تمتلئ مساحته بالاجتهادات والتأويلات. وعندها لا تكون الخسارة إعلامية فحسب، بل تنموية أيضًا، لأن الثقة مورد إنتاجي، وكل تراجع فيها يرفع كلفة تنفيذ أي سياسة عامة.

لقد أثبتت التجارب أن التنمية المستدامة لا تقوم على وفرة الموارد وحدها، بل على جودة الإدارة، وكفاءة المؤسسات، وسرعة الإنجاز، والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. وهذه جميعها أصول وطنية لا تقل قيمة عن أي مورد مالي.

وفي الأردن، حيث تمضي الدولة في مسارات التحديث السياسي والإداري والاقتصادي، ربما آن الأوان أن نوسع مفهوم الكُلفة في خطابنا التنموي. فليس كل ما نخسره يُسجل في الموازنة، وليس كل ما نستثمر فيه يحتاج إلى مخصصات مالية.

فبعض أعظم الاستثمارات الوطنية تبدأ ببناء الثقة، وإدارة الوقت، وصناعة الوضوح. وبعض أكبر الخسائر لا تُدفع من الخزينة، بل من مستقبل التنمية نفسه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :