سيدي جلالة الملك: حاجة البلاد إلى نقل عصري ومرور آمن
أ.د. محمد الفرجات
03-10-2026 12:03 PM
سيدي جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم،
نكتب إليكم من واقع يلمسه المواطن الأردني كل يوم، ومن حاجة أصبحت تمس حياة الناس وكرامتهم واقتصادهم ومستقبلهم: حاجتنا إلى نقل جماعي عصري وآمن، وإلى طرق أكثر أمناً وانضباطاً يحمي مستخدميها من الحوادث والسلوكيات المرورية الخطرة.
لقد أصبح النقل أكثر من مجرد وسيلة للوصول من مكان إلى آخر؛ فهو جزء أساسي من منظومة الحياة والعمل والتعليم والصحة والسياحة والاستثمار والتنمية. وعندما لا يجد المواطن وسيلة نقل جماعي منتظمة، مريحة، آمنة وذات مواعيد واضحة، فإنه يجد نفسه مضطراً إلى الاعتماد على مركبته الخاصة، حتى في الرحلات التي يمكن أن تنقلها حافلة واحدة عشرات المواطنين.
وهذا الواقع يثقل كاهل الأسر، ولا سيما ذوي الدخل المحدود، ويزيد الإنفاق على الوقود والصيانة والتأمين، ويرفع أعداد المركبات على الطرق، ويزيد الازدحامات والانبعاثات والضغط على البنية التحتية.
وتتضاعف المشكلة بالنسبة للطلبة والعمال والموظفين وكبار السن والنساء والأسر التي لا تمتلك مركبات، وللمواطنين الذين يضطرون إلى التنقل بين المحافظات والقرى والمدن. فالنقل العام المنتظم ليس ترفاً، وإنما خدمة أساسية تفتح أمام الإنسان أبواب التعليم والعمل والعلاج والخدمات والفرص.
أما على الخطوط الخارجية، فالحاجة أكثر إلحاحاً. نحن بحاجة إلى شبكة حافلات حديثة ومنظمة تربط المحافظات والمدن والقرى، بمحطات واضحة، ومواعيد معلنة، وترددات منتظمة، ومركبات آمنة ومريحة، ونظام دفع ومعلومات حديث، بحيث يعرف المواطن متى ستصل الحافلة ومتى سيصل إلى وجهته.
وفي الوقت نفسه، فإن تحسين النقل الجماعي سيخفف الضغط عن الطرق، ويقلل الاعتماد المفرط على السيارات الخاصة، ويسهم في خفض الازدحام واستهلاك الوقود والحوادث، ويجعل التنقل بين المدن أكثر سهولة وأماناً.
أما الوجه الآخر للمشكلة فهو الأمن المروري.
فالطريق الأردني يجب ألا يتحول إلى مصدر قلق للمواطن. ومن حق كل إنسان أن يقود أو يمشي أو يستقل حافلة وهو يشعر أن القانون يحميه.
نحتاج إلى تطبيق واضح وحازم للسرعات القانونية داخل المدن وعلى الطرق الخارجية، وإلى التعامل الجاد مع التجاوزات التي أصبحت جزءاً من المشهد اليومي؛ من السرعة الزائدة، والتجاوز الخطر، والانتقال المفاجئ بين المسارب، والالتصاق بالمركبات، واستخدام الأضواء العالية لإرباك الآخرين، والقيادة العدوانية، وعدم الالتزام بالأولوية والإشارات والمحطات، وغيرها من السلوكيات التي قد يحولها خطأ واحد إلى مأساة لعائلة كاملة.
وليس المطلوب أن تكون الطرق مكاناً للعقوبة، بل أن تكون مكاناً للنظام والسلامة واحترام الإنسان.
ولهذا فإننا نحتاج إلى منظومة متكاملة للأمن المروري، تبدأ من هندسة الطرق وتصميم التقاطعات والمسارب والمحطات، ولا تنتهي عند الرقابة والكاميرات وتطبيق القانون، مروراً بالتوعية والتدريب والفحص الفني ومراقبة المركبات والسائقين، مع استخدام التكنولوجيا الحديثة لتحليل الحوادث وتحديد النقاط الخطرة والتدخل قبل وقوع المزيد منها.
فالطريق الآمن لا يتحقق بكثرة المخالفات، وإنما بمنظومة تجعل الالتزام بالقانون هو السلوك الطبيعي.
سيدي جلالة الملك،
إننا نطمح إلى أن يرى المواطن الأردني خلال السنوات المقبلة نقلة حقيقية في النقل والمرور: حافلات حديثة، محطات منظمة، خطوط واضحة، مواعيد دقيقة، ربط أفضل بين المدن والقرى، وسائل دفع إلكترونية، معلومات لحظية للمسافرين، رقابة ذكية، وطرق أكثر أماناً وانضباطاً.
ونطمح كذلك إلى أن يصبح استخدام النقل الجماعي خياراً مريحاً ومحترماً يختاره المواطن لأنه جيد، وليس خياراً اضطرارياً لمن لا يملك سيارة.
إن تطوير النقل ليس ملفاً منفصلاً عن الاقتصاد؛ فهو ينعكس على الإنتاجية وسوق العمل والسياحة والاستثمار والتعليم والصحة، وعلى قدرة المواطن على الوصول إلى الفرص. كما أن رفع مستوى السلامة المرورية يحمي الأرواح ويخفف الكلفة الاجتماعية والاقتصادية الباهظة للحوادث.
والأردن يمتلك الكفاءات والعقول والخبرات القادرة على بناء نموذج نقل ومرور حديث، إذا اجتمعت الإرادة والتخطيط والتنسيق، وانتقلنا من معالجة المشكلات اليومية إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للنقل والأمن المروري تمتد إلى جميع المحافظات، ولا تقتصر على مراكز المدن.
إنها ليست مطالبة بمزيد من الحافلات فحسب، ولا بمزيد من الكاميرات والمخالفات فحسب؛ إنها دعوة إلى إعادة بناء تجربة المواطن مع الطريق والنقل، بحيث تصبح الرحلة اليومية أكثر أماناً وكرامة وانتظاماً، وتصبح الطرق جسوراً للفرص والتنمية بدلاً من أن تكون مصدراً للخوف والقلق.
سيدي جلالة الملك،
كما كان الأردن دائماً سبّاقاً في مواجهة تحدياته بإمكاناته المحدودة، فإننا نطمح اليوم إلى أن تكون لدينا منظومة نقل جماعي وأمن مروري تليق بالأردن الحديث، وتحمي المواطن، وتخدم الاقتصاد، وتربط المحافظات والمجتمعات، وتمنح الأجيال القادمة حقها في التنقل الآمن والكريم.
فالمواطن لا يطلب المستحيل؛
إنه يريد فقط أن يصل إلى عمله وجامعته ومدرسته ومستشفاه وبيته بأمان، وفي وقت معقول، وبكلفة يستطيع تحملها.
وهذا، في جوهره، حق من حقوق الحياة الكريمة، وأحد مقومات الدولة الحديثة.
حمى الله سيد البلاد جلالة الملك المعظم وشعبه المحب.