أمريكا لا تحارب العقائد .. بل المصالح
د. عبير الرحباني
01-02-2026 11:42 AM
لو فرضنا أنه حصل الهجوم الامريكي على ايران.. فمخطىء من يظن ان الهجوم المحتمل من قبل امركيا سيكون هدفه فرط عباءة الملالي.. فالحرب اعمق من مجرد القضاء على النظام وعبائته..
فالولايات المتحدة الامريكية لا تحارب العقائد، ولا المذاهب.. بل تحارب المصالح
ولو عودنا الى أمريكا تاريخياً وعملياً، نجدها لا تخوض حروباً بدافع عقائدي أو أيديولوجي خالص. فالعقيدة ليست سوى غطاء إعلامي أو أخلاقي يُستَخدم عند الحاجة.
وما يحرك القرار الأمريكي فعلاً هو الاقتصاد.. والنفوذ.. وموازين القوة.
وإن كانت واشنطن تفكر يوماً بإسقاط النظام الإيراني، فذلك لا يعني نهاية الصراع، بل بدايته بصيغة جديدة. إذ ان الهدف الحقيقي ليس إسقاط النظام بحد ذاته، بل استبداله بنظام آخر يكون أكثر انسجاماً مع المصالح الأمريكية سياسياً واقتصادياً، نظام يدور في الفلك الأمريكي لا خارجه، لأن الولايات المتحدة لا تعادي الأفكار، بل تعادي كل من يعرقل مشروعها العالمي.
ومن هنا.. تصبح إيران هدفاً لا بسبب عقيدتها، بل بسبب موقعها الجيوسياسي وتحالفاتها الاستراتيجية، خصوصاً مع الصين وروسيا.
وهذا التحالف الثلاثي لا يُقلق واشنطن عسكرياً فحسب، بل اقتصادياً بالدرجة الأولى.
فالصين تمثل التهديد الأكبر للهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وروسيا تمثل التحدي الجيوسياسي والعسكري. أما إيران فهي الحلقة التي تمنح هذا التحالف عمقاً جغرافياً.. وطاقة.. ومسارات بديلة للنفوذ الغربي.
لذا فان فصل إيران عن الصين وروسيا يعني.. إضعاف مشروع العالم متعدد الأقطاب، وخنق طرق الطاقة والتجارة البديلة، وإعادة ضبط ميزان القوى لصالح القطب الواحد.
لذلك.. فان الضغط على إيران ليس حرباً على عقيدة، بل معركة كسر تحالفات، ومحاولة تفكيك شبكة مصالح تهدد النظام الدولي الذي صاغته أمريكا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فمخطىء من يظن ان الولايات المتحدة الامريكية تسعى لمحاربة إيران بسبب العقيدة، بل بسبب: أهميتها الجيوسياسية (الموقع، الممرات، النفوذ الإقليمي)، ودورها في معادلات الطاقة والاقتصاد العالمي، وتحالفها الاستراتيجي مع الصين وروسيا وما يشكله ذلك من تهديد مباشر للهيمنة الأمريكية، كونها عقدة وصل في مشروع كسر القطب الواحد، وبناء نظام دولي متعدد الأقطاب.. لذا فان أمريكا لا تحارب إيران لعقيدتها، بل تحارب موقعها، تحالفاتها، وقدرتها على تعطيل مشروعها الاقتصادي والسياسي العالمي.
أما السيناريو العسكري الشامل ضد إيران فهو الأقل ترجيحاً، لكنه ليس مستبعداً كلياً.
فالولايات المتحدة لا تفضل حرباً مباشرة واسعة مع إيران بالطائرات والقوات، والسبب بسيط وهو الكلفة التي ستكون باهظة جداً عسكرياً، اقتصادياً، وسياسياً، وقد تجرّ المنطقة إلى حرب إقليمية أو حتى دولية لا يمكن ضبطها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا!! ما الذي تفضّله أمريكا بدلاً من الحرب المباشرة على ايران!!؟
ربما تكون الحرب بالضغط الاقتصادي، او عقوبات خانقة طويلة النفس، أو تجفيف مصادر التمويل والطاقة، او إنهاك داخلي بطيء بدل صدمة عسكرية سريعة.
وربما تستخدم في حربها غير المباشرة ، إستخدام أطراف إقليمية، ضرب النفوذ الإيراني خارج حدودها بدل الداخل الإيراني، إبقاء الصراع "مفتوحاً" من دون إعلان حرب رسمية
وعلينا أن لا ننسى أننا نعيش عصراً رقمياً، لذا فربما يتم استخدام الحرب السيبرانية والاستخباراتية، من خلال إختراقات إلكترونية، أو تعطيل بنى تحتية حساسة أو عمليات استخباراتية صامتة لا تُنسب رسمياً.
لكن فيما لو لإضطرت أمريكا لإستخدام الضربات المحدودة عند الضرورة، عندها ستكون إستهدافاتها دقيقة، واستخدام رسائل ردع لا حرب شاملة، وحفظ (هيبة الردع) من دون الإنزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وفيما لو إستُخدم الخيار العسكري، فسيكون محدوداً.. ومحسوباً.. ومؤقتاً لا حرب إسقاط شامل.. كون إيران ليست دولة هامشية.
فهي تمتلك أدوات رد إقليمي، وأي حرب مفتوحة تعني. اضطراب أسواق الطاقة.. وتهديد الملاحة الدولية.. ودفع الصين وروسيا لمواقف أكثر صدامية.
في النهاية.. من يقرأ المشهد بعيداً عن العاطفة، يدرك أن الصراع ليس بين خير وشر، ولا بين إيمان وكفر، بل بين قوى تبحث عن البقاء في القمة، وأخرى تسعى لإعادة توزيع القوة في العالم.
ومن هنا يمكننا القول.. بان أمريكا لا تبحث عن حرب مع إيران، بل عن إخضاعها من دون حرب.