رؤية ملكية لبناء جيش أكثر قوة وكفاءة
الدكتورة ميس حياصات
25-01-2026 11:14 AM
ليست التوجيهات الملكية الأخيرة بشأن إعادة هيكلة الجيش العربي حدثًا عابرًا في سجل الأخبار اليومية، بل يمكن النظر إليها بوصفها علامة فارقة في مسار بناء الدولة الأردنية الحديثة. فعندما يتحدث جلالة الملك عبد الله الثاني عن تطوير القوات المسلحة، فإنه لا يفعل ذلك من موقع رمزي فحسب، بل من موقع القائد الذي يمتلك خبرة عسكرية عميقة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، ويدرك تمام الإدراك أن قوة الدول اليوم تُقاس بقدرتها على التكيّف مع المتغيرات، لا بالاكتفاء بما حققته في الماضي.
إن فكرة بناء جيش أكثر قوة وكفاءة لا تقتصر على زيادة العتاد أو تحديث المعدات، بل تقوم، قبل كل شيء، على إعادة التفكير في طبيعة العمل العسكري ذاته. فالعالم من حولنا يشهد تغيرات متسارعة، وطبيعة الصراعات لم تعد كما كانت، فيما أصبحت التهديدات أكثر تعقيدًا وتشابكًا. ومن هنا، تتجلى أهمية الرؤية الملكية التي تسعى إلى إعادة صياغة بنية الجيش، ليكون قادرًا على التعامل مع هذا الواقع الجديد بوعي واحتراف وكفاءة.
وما يميّز هذه الرؤية أنها لا تنطلق من منطق ردّ الفعل، بل من منطق المبادرة والاستباق. فعندما يوجّه جلالة الملك بإعداد استراتيجية شاملة لإعادة الهيكلة، فإنه يضع المؤسسة العسكرية أمام تحدٍّ إيجابي، يشكّل بحد ذاته تحوّلًا في الثقافة المؤسسية. فالجيوش الناجحة هي تلك التي تخطّط للمستقبل، لا تلك التي تكتفي بإدارة الحاضر.
ويتمثل أحد أبرز أبعاد هذه الرؤية في التركيز على الإنسان قبل السلاح؛ فالجيش القوي لا يُبنى بالمعدات وحدها، بل بالكفاءات البشرية المؤهلة القادرة على استخدامها بذكاء ومسؤولية. ومن هنا، فإن تطوير منظومات التدريب، ورفع مستويات التأهيل، وتعزيز ثقافة الاحتراف والانضباط، تشكّل ركائز أساسية في مشروع بناء جيش أكثر كفاءة. فالجندي الأردني، الذي لطالما عُرف بشجاعته والتزامه، تتطلب منه المرحلة المقبلة أن يكون أيضًا مسلحًا بالمعرفة، قادرًا على التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، ومؤهلًا للعمل ضمن بيئات عمليات معقدة ومتغيرة.
كما تنظر الرؤية الملكية إلى الجيش بوصفه منظومة متكاملة، لا مجرد وحدات قتالية منفصلة. ويتجسد ذلك في الاهتمام بتطوير منظومات القيادة والسيطرة، وتحسين آليات اتخاذ القرار، وتعزيز التنسيق بين مختلف التشكيلات. وقد تبدو هذه الجوانب تقنية للبعض، لكنها في جوهرها تمثل أساس العمل العسكري الحديث، حيث باتت القوة الحقيقية تكمن في إدارة المعلومات، وسرعة التواصل، ودقة التنسيق، وهي عناصر لا تقل أهمية عن امتلاك أي سلاح متطور.
ومن زاوية أوسع، يمكن قراءة هذه التوجيهات في إطار الحرص على تحصين الدولة الأردنية في مواجهة محيط إقليمي شديد الاضطراب. فالأردن، بحكم موقعه الجغرافي ودوره السياسي، يواجه تحديات أمنية متعددة، بعضها ظاهر وبعضها الآخر أكثر تعقيدًا وخفاءً. وفي مثل هذا السياق، يصبح وجود جيش قوي ومحترف شرطًا أساسيًا للحفاظ على الاستقرار الداخلي وحماية القرار الوطني المستقل. وعليه، فإن الرؤية الملكية لا تُختزل في بعدها العسكري، بل تمتد لتشكّل رؤية سيادية شاملة ترى في الجيش صمّام أمان للدولة والمجتمع.
ولا يمكن إغفال البعد المعنوي لهذه التوجيهات؛ فعندما يشعر أفراد القوات المسلحة بأن قائدهم الأعلى يتابع تفاصيل عملهم، ويولي تطوير مؤسستهم هذا القدر من الاهتمام، ينعكس ذلك مباشرة على الروح المعنوية، ويعزز الشعور بالانتماء والمسؤولية. وقد شكّلت هذه العلاقة المتينة بين القيادة والجيش إحدى أبرز نقاط القوة في التجربة الأردنية، وهي اليوم تتجدد بصورة أكثر وضوحًا في إطار مشروع التحديث الشامل.
وفي الختام، يمكن القول إن رؤية جلالة الملك لبناء جيش أكثر قوة وكفاءة ليست شعارًا إعلاميًا، بل مشروع عمل وطني طويل النفس، يقوم على التخطيط والعلم والانضباط. إنها رؤية تنطلق من إدراك عميق بأن أمن الأردن ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية، وأن الاستثمار في القوات المسلحة هو استثمار مباشر في مستقبل الدولة. ومع توافر الإرادة السياسية، والكفاءة المهنية داخل الجيش، والدعم الشعبي الواسع، تمتلك هذه الرؤية كل المقومات لتتحول من توجيهات على الورق إلى واقع ملموس يعتز به كل أردني.