في ذكرى رحيل الفقيه الدستوري محمد الحموري
حسام الحياري
01-02-2026 10:33 AM
يصادف اليوم، الأول من شباط، الذكرى السنوية الرابعة لرحيل المفكر والفقيه الدستوري د. محمد الحموري - رحمه الله -. والذي بقي حتى آخر أيامه مشغولاً بالإجابة على الأسئلة الكبرى التي ناقشها طيلة حياته: الدولة والدستور والحرية وحدود السلطة.
رأى في الدستور والقانون قوةً للدولة وسياجاً يحمي كرامة الإنسان. كان مقاتلًا شرسًا في سبيل مبادئه، مجاهداً على تخوم وعي أمته؛ يكشف ما يُبَيّت لها بليل، ويذود عنها الرياح الخبيثة، ولو كان من ينفخون فيها أكثر جُندٍ عددا أو أكثر شيءٍ مددا.
في مسيرته الفكرية والسياسية بقي ملتزماً بمبادئه وقناعاته؛ فالدستور ليس نصاً ساكناً، بل هو منظومة قيم تحمي حقوق المواطنين وتضبط سلطة الحاكم. وهذا ما جعل أطروحاته ذات رؤية نقدية صارمة، لا تبحث عن التوازنات بقدر ما تبحث عن المعايير. في تقديمه لأطروحاته خاطب السلطة بلغة القانون والفقه الدستوري، وخاطب الرأي العام بلغة الحقوق، دون أن يُفرّغ أيّاً منهما من مضمونه.
التزم بأفكاره في السلطة، ودفع ثمنها خارجها، وبقي وفيًّا لها في الحالتين؛ فبالرغم من فصله من الخدمة العسكرية وسجنه والحكم عليه بالإعدام، لم يُوهن ذلك من عزيمته، بل عمّق قناعته بأن الاستبداد لا يُهزم بالتكيّف معه، بل ببناء وعي قانوني ودستوري مضاد. وهو ما عبّر عنه في كتابه "الحقوق والحريات بين أهواء السياسة وموجبات الدستور" حين أشار إلى أن الخلل لا يكمن في الإعلان عن الحقوق، بل في تعطيلها فعلياً بذريعة التنظيم لهذه الحقوق والحريات.
وُلد محمد الحموري عام 1940 في قرية بيت راس، إحدى قرى مدينة إربد، وهو الابن البكر في أسرة تألفت من سبعة إخوة. التحق في سن السادسة بكتّاب القرية، وهناك بدأت علاقته الأولى بالمعرفة، علاقة ستتجاوز التلقين إلى السؤال، ومن السؤال إلى المعرفة والفهم وتبنّي الموقف.
في خمسينيات القرن العشرين، عايش الحموري تعريب قيادة الجيش العربي عام 1956 وما تلاه من إجراء أول انتخابات نيابية في الأردن، في مناخ عربي مشحون بالأفكار القومية والتحررية. في تلك المرحلة بدأ وعيه السياسي يتشكّل، فالتحق بحزب البعث، مدفوعًا بإيمان راسخ بأن النهضة العربية لا تنفصل عن الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية.
دفع الحموري ثمن هذا الفكر مبكرًا، ففي عام 1960 أُتهِم بالانضمام إلى تنظيم الضباط الأحرار، ففُصل من القوات المسلحة الأردنية واعتُقل ووُضع تحت الإقامة الجبرية في بيت والده في بيت راس لثلاثة أعوام. غير أنه جعل من تلك الإقامة فرصة لاستكمال دراسته؛ فدرس خلالها مواد التوجيهي المصري، واجتازه بنجاح، ليلتحق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة عام 1963، وهناك اتخذ قراره الحاسم: أن يكون الدستور ميدانه والقانون سلاحه في مواجهة الاستبداد؛ فدّرس القانون ونال شهادة البكالوريوس في القانون عام 1967، ثم الماجستير عام 1969، وتشرّب الفكر القومي العروبي الذي ظل ملازماً له طوال حياته.
بعد عودته إلى الأردن، عُيّن معيدًا في الجامعة الأردنية، ثم التحق بجامعة كمبردج في بريطانيا، حيث حصل على شهادة الدكتوراة في القانون عام 1975، وتزامن ذلك مع إنشاء كلية الحقوق في الجامعة الأردنية، فكان من المؤسسين للكلية ثم رئيسًا لقسم القانون الخاص ثم عميدًا للكلية عام 1980.
في أواخر الثمانينيات، دخل الحموري العمل الحكومي وزيراً للثقافة والتراث القومي، ثم وزيراً للتعليم العالي في حكومة طاهر المصري عام 1991. غير أن دخوله السلطة لم يغيّر من مواقفه ومبادئه، لذلك لم يتردد في تقديم استقالته عندما علم بتوجه الحكومة للدخول في مفاوضات السلام مع إسرائيل، رافضاً أن يكون جزءاً من مسار سياسي يتعارض مع قناعاته القومية وموقفه المبدئي من الصراع.
إلى جانب عمله الأكاديمي والحكومي، كان فاعلاً في المجتمع وقضايا الأمة، فقد كان عضواً في نقابة المحامين الأردنيين، وعضواً مؤسسًا للمنتدى العربي في عمّان، ورئيساً له لاحقاً، وعضواً في الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي، وفي الأمانة العامة للمنظمة العربية لمكافحة الفساد. وتُوّجت هذه المسيرة بتأسيس حزب الشراكة والإنقاذ، في محاولة لتحويل أطروحاته إلى مشروع عملي، ومواقفه إلى ممارسة سياسية.
دافع الحموري عن الحرية كشرط بنيوي للإصلاح والتنمية السياسية، فهي حقٌ طبيعيٌّ ملازمٌ للإنسان، لا تُنشئه السلطة ولا تمنحه، بل تُلزم نفسها باحترامه وحمايته. ولهذا نجده يرى أن تعطيل الحريات يجعل الدولة أسيرة منطق التفويض لا المحاسبة، ومن حامية للحقوق إلى وصيّة عليها.
في كتابه "المتطلبات الدستورية والقانونية لإصلاح سياسي حقيقي: لماذا وكيف؟" سلط الضوء على النصوص القانونية ليبين الفكرة التي تقوم خلفها، فنبّه إلى أن القانون يفقد جوهره الأخلاقي حين يتحول إلى أداة في يد السلطة، وهو ما يستدعي التمييز بين وظيفة القانون في الأنظمة الديمقراطية، من جهة أنه إطار لحماية الحقوق والحريات وضمان ممارستها في مواجهة تغوّل الحكومات، وبين واقع قانوني آخر تُستخدم فيه النصوص لتقييد تلك الحقوق أو سلبها أو لمنح السلطة التنفيذية صلاحيات تجعل ممارسة الحريات مرهونة بإرادتها.
لم يتوقف مشروع الحموري النقدي عند حدود النص الدستوري والتشريع، فبعد أن نقد ممارسات السلطة لتفريغ القانون من معناه، انتقل إلى نقدها حين توظف الدين؛ ففكك بنية السلطة المستبدة التي تُلغِي الحرية باسم المقدّس. وقد ذهب إلى أن هذا الشكل من الاستبداد هو الأخطر، لأنه لا يقمع الحرية بالقوة فقط، بل ينزع عنها مشروعيتها الأخلاقية.
ففي كتابه "الحريات الأسيرة بين استبداد الحكم واستغلال الدين" أشار إلى أن أخطر النظم الاستبدادية على حقوق الشعوب هي تلك التي تستند في وجودها أو ممارساتها إلى الدين، فيصبح الدين قيداً للإرادة الحرة لدى الناس، وينقل السلطة من موقع المساءلة إلى موقع العصمة.
قدّم الحموري تعريفه للإصلاح السياسي بوصفه استرداد الشعب لحقه، باعتباره مصدر السلطات، وإعادة تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس من المحاسبة والمسؤولية. وبهذا المعنى، يصبح الإصلاح فعلًا سياديًا يمارسه المجتمع حين تتوفر لديه الإرادة، ويكون قادراً على ممارسة الرقابة على السلطة، وهذا لا يكون إلا تحت مظلة الدستور بوصفه المرجعية العليا، وبسلطة قضائية مستقلة وضمان الحقوق والحريات.
بهذا التراكم الفكري، لم يقدّم د. محمد الحموري نفسه فقيهاً دستورياً فحسب، بل صاحب مشروع نقدي متكامل، يبدأ من النص الدستوري، ويمر بالقضاء والحقوق، ولا يتوقف عند حدود القانون، بل يطال بنية الاستبداد ذاتها، سواء ارتدت ثوب السلطة أو احتمت بقداسة الدين. وقد كان آخر ما كتبه بخط يده جملة تختصر مسيرته كلها:
"جبرية الطاعة السياسية للحاكم، بين شعوب فرضت إرادتها، وشعوب أسقطها الجبن إلى الهاوية".
لم تنتهِ هذه المسيرة بالرحيل، فما زال فكر وتراث د. محمد الحموري حاضراً؛ فقد تأسس في العام 2023 منتدى محمد الحموري للتنمية الثقافية بوصفه امتدادًا لهذا المشروع الفكري والوطني، ومساحة لمواصلة النقاش حول الدستور، والحقوق، والحريات، ودور الثقافة في بناء دولة القانون. المنتدى ليس تخليدًا للاسم فحسب، بل وفاءً للفكرة التي آمن بها: أن الإصلاح يبدأ من الوعي، وأن سيادة القانون أساس الحرية.
هذه سيرة رجل وطني لم يساوم على مبادئه، وفقيه دستوري رأى في الدستور روح الدولة، وفي القضاء المستقل بوابة الإصلاح، وفي الحرية جوهر الكرامة الإنسانية. رجلٌ ترك إرثاً وتتلمذ على يديه مئات الطلبة الذين أسهموا في بناء الأردن، وحملوا معهم فكره وشجاعته وإيمانه العميق بأن الحقوق لا تُمنح بل تؤخذ وتُصان بالقانون.