facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أربعة وستون


أ.د سلطان المعاني
31-01-2026 01:03 PM

نحتفلُ بعيد ميلادِ الملكِ الرابعِ والستّين، فنكتشفُ أن الأعيادَ في وطنٍ مثل الأردن تُصاغُ من خبرةِ شعبٍ تعلّمَ أن يزرعَ الأملَ في أرضٍ تعرفُ الصبر، وأن يرفعَ الرأسَ حين تتزاحمُ على المنطقة رياحٌ ثقيلة. نحتفلُ فنرى وجهَ البلادِ يبتسمُ ابتسامةَ المقاتلِ حين يعودُ من طريقٍ طويلٍ ومعه روحُ الرسالة: أن الكرامةَ طريقٌ، وأن الأوطانَ تُبنى حين يلتقي القلبُ بالقلب.

نستعيدُ في هذا اليوم سرديةَ العلاقة التي تَكبرُ مع السنوات، علاقةَ قائدٍ قرأَ الوطنَ في العيون: في عيونِ أمٍّ تُربّي أبناءها على شرفِ الخبز، وفي عيونِ شابٍّ يحلمُ بوظيفةٍ تليقُ بجهده، وفي عيونِ جنديٍّ يحرسُ الفجرَ عند الحدود فيصيرُ الليلُ أقلَّ قسوة. نستعيدُ كيف يصبحُ الحكمُ ميثاقَ رعايةٍ متبادلة: الملكُ يحملُ همَّ الناس، والناسُ يحملون في قلوبهم صورةَ الملك حارسًا للأفق.

نصغي إلى الأردن حين يتكلّمُ بصوته الجماعي: صوتِ المدنِ حين تُشعلُ قناديلها مبكرًا، وصوتِ القرى حين تضعُ القهوةَ على نارِ المحبة، وصوتِ البادية حين يجيءُ من بعيدٍ مثل دعاءٍ قديمٍ صافٍ. نصغي فنحسُّ أن حبَّ الناس معرفة يومية تتكوّنُ في التفاصيل، في مدرسةٍ تُفتحُ أبوابُها على رجاء، في مستشفى يضمّدُ وجعًا، في طريقٍ يصلُ ما انقطع، في بيتٍ يبتسمُ وهو يذكرُ الملك كأنه يذكرُ أحدَ أبنائه الكبار.

نكتبُ للملكِ لأن الكتابةَ هنا شكلٌ من الوفاء؛ وفاءٌ يليقُ بتاريخِ بلادٍ تعلّمت أن توازنَ بين الصلابةِ والرحمة. نكتبُ لأن الملك في العقل والوجدان الأردني إنسانٌ يرى، ويستمع، ويتقدّمُ في أكثر اللحظات حساسيةً نحو الناس. نكتبُ لأن الشعب حين يبادلُ قائده المحبة يهبُه أيضًا شرطها الأخلاقي: أن تظلَّ الكلمةُ صادقة، وأن يظلَّ القلبُ حاضرًا، وأن يظلَّ الوطنُ معيارَ الحكم.

نرى في عيد الميلاد هذا صورةَ الأبوةِ السياسية حين تترفّعُ عن الزينة وتقتربُ من المعايشة. نرى ملكًا يمرُّ في الذاكرة طريقاً تعلو، وفي أفقها ضوءًا يتّسع. نرى في خطابه نبرة تجمعُ الاعتزازَ والقلقَ والعمل. ونرى أن المحبة المتبادلة بين القائد وشعبه تقومُ على ثقةٍ تُصانُ بالفعل، وعلى شراكةٍ تُختبرُ كل يوم في القدرة على حماية المجتمع، وتطوير الاقتصاد، ورعاية الإنسان.

نستحضرُ صورةَ الأردن في لحظاته الدقيقة، حين يضيقُ الإقليم وتتشابكُ المصائر، وحين يحتاجُ الناسُ إلى من يثبتُ الخطوةَ ويصونُ التوازن. نستحضرُ كيف يتقدّمُ الملكُ في مثل هذه اللحظات بوجهٍ هادئ، ويقودُ السفينةَ بوعيٍ يعرفُ أن الريحَ قد تعلو، وأن شراعَ الدولة يحتاجُ إلى عقلٍ راجحٍ وقلبٍ دافئ. نستحضرُ شعورَ الأردني وهو يراقبُ بلده واقفًا، فيشكرُ العافية التي تُصنعُ باليقظة.

نحكي عن حبٍّ متبادلٍ يخرجُ من نطاق الشعار إلى نطاق التجربة؛ حبٍّ يمرُّ عبر تعبِ المعلّم، وعرقِ العامل، وسمتِ الجندي، وصبرِ الأم، ودعاءِ الجدّ الذي يربطُ بين الأجيال بخيطٍ واحد: الأردن. نحكي عن شعبٍ تتغذى المحبةُ عنده من عدلٍ يقاربُ بين الناس، ومن حضورٍ يراهنُ على الإنسان، ومن احترامٍ يشعرُ به المواطنُ وهو يمشي في الشارع.

نرفعُ في هذا اليوم التحيةَ للمليكِ المفدى، ونرفعُ معها تحيةً للشعب الذي صار شريكًا في المعنى الوطني، شريكًا في الحلم، والبناء، في الصبر، وفي استحقاقِ غدٍ أجمل. نرفعُ التحيةَ لكل يدٍ حملت حجرًا في طريق التنمية، ولكل عينٍ سهرت على أمن البلاد، ولكل قلبٍ دعا أن يبقى الأردن مساحةَ أمانٍ وعقلٍ وحكمة. نرفعُ التحيةَ لأن عيد الميلاد هنا مناسبةٌ لكتابة عهدٍ جديدٍ مع الأيام.

نختمُ فنقول: دمتَ يا جلالةَ الملك نبضًا في جسدِ وطنك، ودمتم يا أهلَ الأردن سندًا في ظهرِ ملكنا. كبرَت السنواتُ فازدادت في العلاقةِ بيننا حرارةُ الصدق، واتّسعت في الروح مساحةُ الامتنان، وصار كلُّ عيدٍ علامةً على طريقٍ يمضي: طريقٍ يحرسُ الإنسان، ويصونُ الدولة، ويُبقي الأردن واقفًا كالسنديانة؛ جذورُه في الأرض، وأغصانُه في السماء.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :