الهنداوي يبعث رسالة الى ذوقان : أيُّ بُنَيّ… سرديّتي الأردنيّة
د. أحمد ذوقان الهنداوي
21-02-2026 03:05 PM
أيُّ بُنَيّ... ذوقان…
لا تُقاس الأوطان فقط بمساحتها، ولا تُعرَّف بقوتها العسكرية أو بمواردها الطبيعية وحدها، بل تُعرف، قبل كل شيء، بسرديّتها... تُعرف بالقصة التي ترويها عن نفسها، وتُورِّثها من جيل إلى جيل، لتقول لأبنائها: من نحن؟ وكيف كنا؟ ولماذا بقينا؟... الأردن، يا بُنيّ، ليس وطنًا طارئًا على التاريخ، ولا كيانًا وُلد صدفة على خرائط المنتصرين، بل هو حكاية ممتدة، كتبت فصولها الأرض والإنسان، الحضارة والرسالة، العشيرة والدولة، الدم والصبر، والانتماء الذي لم ينكسر.
قد تكون سمعتَ مني بعض هذه الحكاية، وقد يكون جَدُّك وسَميُّك، قد قصّ عليك جزءًا منها، وربما قرأتَ شذرات متفرقة في كتاب مدرسي أو مقال أو محاضرة عابرة… لكنني أردت، في هذه المحاولة المتواضعة، أن أجمعها لك في سردٍ واحد، سردٍ لا يدّعي الإحاطة الكاملة، ولا يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، بل يقدّم رؤيتي كأردني، وابن عشيرة، وابن هذا التراب، وأبٍ يخشى أن تضيع القصة إذا لم تُروَ كما يجب أو ممن لا يجب.
أكتب إليك هذه السرديّة، رسالةً طويلة ولكن لا محاضرة، وحكايةً مفصلة لا درسًا تاريخيًا جامدًا، بل نصًا يحاول أن يجمع بين الشمول والبساطة، وبين الدقّة والوجدان، وبين التاريخ كما كُتب، والذاكرة كما عاشت في صدور الرجال الذين صنعوا الأردن.
سأحدّثك، يا بُنيّ، عن الأردن منذ أن كان مهدًا للحضارة الإنسانية، قبل أن تُعرف الحدود، وقبل أن تُرفع الرايات،
وقبل أن تُصاغ الأسماء الحديثة. سأحدّثك عن أرضٍ عرفت الزراعة والخبز قبل أن يعرفهما كثيرون، وعرفت التجارة والعبور والاستقرار، وعرفت الإنسان قبل أن يعرف الإنسان معنى الوطن. ثم سأمضي معك إلى الأردن مهد الرسالات، أرض الأنبياء، وأرض الوعد الإلهي، وأرض الذكر في القرآن والسنة، حيث مرّ إبراهيم، وكلم الله موسى، وبشّر عيسى، وخُتمت الرسالة بمحمد، عليهم جميعًا السلام. وسنقف طويلًا، لأن الوقوف واجب، عند العشائر الأردنية، لا بوصفها مجرد انتماء اجتماعي، بل بوصفها حامل الهوية، وعمود الاستقلال، وظهير الدولة. سنروي كيف قاومت الظلم، وكيف رفضت التبعية، وكيف صنعت السياسة قبل أن تُنشأ الوزارات، وكيف دفعت أثمانًا باهظة من الدم والنفي والسجون، كي يولد الأردن حرًّا. سأقصّ عليك حكاية الاستقلال، لا كما تُختصر في تاريخ رسمي، بل كما عاشها الرجال الذين وقّعوا الوثائق، وتحدّوا الانتداب، وشكّلوا الحكومات رغم السلاسل، ودفعوا ثمن مواقفهم إعدامًا ومنفىً وتشريدًا، ثم عادوا وأبناؤهم وأحفادهم ليبنوا الدولة بدل أن ينتقموا. وسأمشي معك في رحلة الدولة الحديثة، من التأسيس، إلى الحروب، إلى بناء المؤسسات، إلى صلابة الأردن في وجه العواصف، حتى نصل إلى حاضرنا، إلى الأردن الذي نعيش فيه اليوم، بإنجازاته وتحدياته، بقيادته، وبجيلك أنت...
أي بُنيّ…
أكتب هذا النص لأنني أؤمن أن من لا يملك سرديّته، يسرق الآخرون تاريخه، ومن لا يروي قصته لأبنائه،
سيجد أبناءه يصدّقون روايات غيرهم، ممن كان صادقا أمينا ومنتميا، ويسرد جزءا منها تحتاج لتكملة، وهو أمر طبيعي ومقبول، أو روايات بعض آخر ممن قد يكون جاهلا أو فاسدا أو انتهازيا متلونا أو مهرجا. لا يملك نفسه أصلا أو سردية، فإذا به ينتطح لرواية سردية وطن!!!
أكتبه لك بني لتعرف أن الأردن لم يكن يومًا عبئًا على أهله، ولا صدقة من أحد، بل أمانة حملها الأردنيون، وحافظوا عليها، وسلّموها جيلًا بعد جيل. هذه ليست قصة ماضٍ انتهى، بل قصة وطن ما زال يُكتب… وها أنا، يا ذوقان، أضعها بين يديك، لتقرأها، وتحفظها، وتُكملها…
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
حين نعود إلى تاريخ الأردن، فإننا لا نعود إلى بداية دولة، بل إلى بداية الإنسان نفسه. فالأردن، يا بُنيّ، ليس صفحة في كتاب التاريخ، بل فصلٌ من كتاب الحضارة الإنسانية... فمنذ أن بدأ الإنسان يبحث عن مكانٍ آمنٍ ليستقرّ فيه، ألاف السنوات قبل الميلاد، كانت هضاب ووديان شرق الأردن من أول الأماكن التي احتضنته. في عين غزال، لا نجد مجرد موقع أثري، بل نجد ثورة حضارية صامتة، انتقال الإنسان من الصيد إلى الزراعة، من الترحال إلى الاستقرار، من الكهف إلى القرية. التماثيل الجصّية ذات الوجوه المحدّقة، برأس واحد وذات الرأسين، والتي تعود لأكثر من تسعة آلاف عام، هي أقدم تعبير فني عن وعي الإنسان بذاته. هنا، تعلّم الإنسان، زراعة القمح والشعير، تخزين الغذاء، صناعة الخبز، تنظيم المجتمع، وهنا بدأت فكرة الوطن، حتى قبل أن تُعرف الكلمة.
ومع تطوّر المجتمعات، قبل الميلاد أيضا، بآلاف ومئات السنين، تحوّل الاستقرار إلى كيانات سياسية. فنشأت على أرض الأردن مملكة عمون (عمّان – ربّة عمّون) ومملكة مؤاب ومملكة أدوم، وكان يُشار إلى هذه الأرض في النصوص القديمة باسم (هٰأردانيم)، أي الأرض الواقعة عبر نهر الأردن. لم تكن هذه الممالك هامشية، بل لعبت دورًا محوريًا في التجارة بين الجزيرة العربية وبلاد الشام والتحكم بالطرق الملكية والصراعات والتحالفات الإقليمية. وهنا، تعلّم الأردني القديم السياسة، والتحالف، والدفاع عن الأرض.
ثم جاءت لحظة التحوّل الكبرى، الأنباط، الدولة العربية الأولى المنظمة، مئات السنون قبل وبعد الميلاد، وهم عربٌ قدموا من عمق الجزيرة، لم يكتفوا بالمرور، بل أسّسوا دولة متكاملة. البتراء عاصمة سياسية ومركز تجاري عالمي ونظام هندسي متقدم للمياه وإدارة مالية وتنظيم عمراني... هنا، لم يُنحت الصخر للزينة، بل ليكون هوية سياسية وحضارية. الأنباط علّموا العال: كيف تُبنى دولة في الصحراء، كيف يتحوّل الموقع الجغرافي إلى قوة اقتصادية، كيف تكون العروبة حضارة لا قبيلة فقط... وحين ضمّ الرومان المنطقة، أصبح الأردن مدينةً مفتوحة لمئات السنين بعد الميلاد، لم يلغوا ما قبلهم، بل دمجوه في منظومة أوسع. في جر ش وأم قيس، وفيلادلفيا (عمّان). مدن، مجالس، مسارح، شوارع مخططة. الأردن أصبح جزءًا من العالم المتحضّر، لا تابعًا له.
أي بُنيّ…
حين نقول إن الأردن قديم، فنحن لا نعني قدم الحجر، بل استمرارية الإنسان. تعاقبت الحضارات، لكن الأرض بقيت أردنية، والدور بقي محوريًا: مهدًا للاستقرار، جسرًا للحضارة، نقطة التقاء لا صدام، وهذا ما يفسّر، لماذا حين جاء زمن الدولة الحديثة، لم يكن الأردني غريبًا عن معنى الوطن، بل كان امتدادًا طبيعيًا لتاريخ طويل من الوعي بالأرض والهوية…
أيُّ بُنَيّ ذوقان...
إذا كان للأمكنة ذاكرة، فإن ذاكرة الأردن ليست حجرًا ولا نقشًا فقط، بل وحيٌ مرّ من هنا، واستقرّ، وترك أثره في التاريخ والوجدان. لم تكن أرض الأردن يومًا مسرحًا محايدًا للرسالات السماوية، بل كانت جزءًا من حكمة واختيارٍ إلهيٍّ دقيق، اختيارٍ للمكان كما هو اختيارٌ للزمان والإنسان. فهنا، في قلب بلاد الشام، حيث تلتقي القارات، وتتشابك الطرق، وتضيق المسافة بين السماء والأرض، كانت هذه البقعة مهيّأة لأن تكون أرض النبوّات، وأرض الابتلاء، وأرض البركة.
يخبرنا الله في كتابه الكريم بأنه تعالى قد نجّى إبراهيم ولوطًا عليهما السلام إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين، ومنذ تلك اللحظة، دخل الأردن، جغرافيًا وتاريخيًا، في قلب السردية الإلهية للتوحيد. مرّ إبراهيم الخليل عليه السلام من هذه الأرض في رحلته الكبرى، رحلة الخروج من الوثنية إلى التوحيد، ومن الخوف إلى اليقين. لم يكن مروره عابرًا، بل تأسيسيًا؛ إذ إن البركة التي وُصفت بها الأرض لم تكن نعمة سكون، بل نعمة إعدادٍ لما سيأتي بعدها من رسالات. وعلى هذه الأرض أيضًا عاش لوط عليه السلام، وواجه قومه، ونجّاه الله من بطشهم، في مشهدٍ مبكّر يربط الأردن بفكرة النجاة الأخلاقية في مواجهة الطغيان.
ثم جاءت لحظة موسى عليه السلام، لحظة ثقيلة المعنى، عميقة الدلالة. فعلى أرض الأردن، وتحديدًا على جبل نيبو، انتهت رحلة نبيٍّ قاد شعبه أربعين عامًا في التيه، ولم يُكتب له أن يدخل الأرض المقدسة. وقف موسى هناك، فرأى بعينيه ما وُعد به، ثم أسلم الروح، لتكون هذه الأرض شاهدًا على واحدة من أعظم دروس النبوّة.
وعلى ضفاف نهر الأردن، تغيّر معنى الماء في التاريخ الديني للإنسان. فهنا، في المغطس، تعمّد عيسى عليه السلام، وانطلقت دعوته التي ستغيّر وجه العالم. لم يكن اختيار المكان تفصيلًا ثانويًا، بل كان تثبيتًا لمكانة الأردن في قلب المسيحية الأولى. ولهذا اعترفت الكنائس العالمية، والفاتيكان، ومنظمة اليونسكو، بأن هذا الموقع الأردني هو المكان الأصيل لعماد السيد المسيح. لم يكن الأردن هنا معبرًا، بل بداية رسالة عالمية.
ثم جاءت الرسالة الخاتمة، رسالة محمد ﷺ، فلم تلغِ ما قبلها، بل أعادت تأكيده. حضور الأردن جاء أوضح ما يكون في المعنى والمكان. يقول الله تعالى في آية الإسراء: "إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله". وكذلك قصة أهل الكهف، الواردة في القرآن الكريم، وجدنا أنفسنا مرة أخرى أمام الأردن بوصفه ملجأً للإيمان في زمن القهر. فهؤلاء الفتية الذين فرّوا بدينهم من بطش السلطة، وجدوا في هذه الأرض مأوىً، وحفظهم الله ليكونوا آيةً للناس. وكأن التاريخ يعيد نفسه: كلما ضاق الإيمان في مكان، اتسعت له هذه الأرض...
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
بعد أن كانت أرض الأردن ممرًّا للأنبياء ومهبطًا للبركة، جاء زمنٌ صار فيه الإيمان فعلًا لا قولًا، وصارت العقيدة ثباتًا يُختبَر في ساحات الوغى. على هذه الأرض وقعت معارك فاصلة في التاريخ الإسلامي، لم تُخض طلبًا لغنيمة ولا توسّعًا في سلطان، بل دفاعًا عن رسالةٍ وُلدت لتُبلَّغ بصدق. في مؤتة، تقدّم زيد بن حارثة حاملا راية الإسلام فسقط شهيدًا، ثم حملها جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قُطعت يداه فاحتضن الراية بعضديه وسقط شهيدًا، ثم تبعه عبد الله بن رواحة ثابت القلب حتى لقي الله، ثلاثة قادة وثلاث شهادات في يوم واحد على أرض الأردن، وكأنها منذ ذلك الحين كُتِب لها أن تكون أرض الكرامة. ثم جاءت اليرموك، خالد بن الوليد سيف الله المسلول، المعركة التي لم تغيّر حدودًا فحسب، بل غيّرت مسار التاريخ، حين انتصر الإيمان والعبقرية العسكرية والتنظيم على كثرةٍ إمبراطورية، فانفتح المشرق وانهار وهم أن القوة وحدها تصنع المصير. وفي فِحل (بيلا)، شرحبيل بن حسنة ورفاقه، تثبّت الفتح وترسّخت نتائجه، لا كاندفاعٍ عابر، بل كمشروع عدلٍ وحكم. ولم تكن أرض الأردن ميدان معارك فقط، بل مرقدًا لرجالٍ عظام؛ ففي ثراها عاش ومات أبو عبيدة عامر بن الجراح أمين هذه الأمة، ودفن فيها شرحبيل بن حسنة وغيرهما من الصحابة، لتبقى هذه الأرض شاهدة أن الرسالة لم تمرّ من هنا مرورًا عابرًا، بل استقرت وارتوت بدمٍ طاهر. ولهذا، حين جاء زمن العشائر، ثم الثورة ثم الدولة، لم يكن الأردني غريبًا عن معنى التضحية، فالأرض التي عرفت مؤتة واليرموك، تعرف كيف تُنجب رجالًا يحملون الراية… حتى النهاية.
أي بُنيّ…
حين تقرأ كل هذا، تفهم أن الأردن لم يكن يومًا خارج النصّ المقدّس، ولا على هامش الرسالات، بل كان جزءًا من منطقها ومسارها. ومن عاش على أرضٍ مرّ بها الأنبياء، وسكنتْها البركة، لا يمكن أن يكون غريبًا عن معنى التضحية، ولا عن فكرة الحق، ولا عن رفض الظلم. ولهذا، حين نصل في السرد إلى زمن الثورة، وزمن الاستقلال، وزمن الدولة، سنفهم أن ما فعله الأردنيون لم يكن طارئًا على تاريخهم، بل امتدادًا طبيعيًا لأرضٍ تعلّمت منذ آلاف السنين أن تكون مع الحق، مهما كان الثمن.
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
لكي تفهم لماذا وُلد الأردن دولةً، عليك أولًا أن تفهم لماذا لم يعد ممكنًا أن يبقى بلا دولة. فالتاريخ، يا بُنيّ، لا يصنع الكيانات فجأة، بل يهيّئ لها الأرض حين يتراكم الظلم حتى يصبح الانفجار ضرورة أخلاقية.
ففي أواخر القرن التاسع عشر، كانت الدولة العثمانية قد دخلت مرحلة الشيخوخة السياسية. لم تعد تلك الدولة التي حملت راية الخلافة قرونًا، ولا تلك التي وحّدت أطراف العالم الإسلامي. تحوّلت، شيئًا فشيئًا، إلى كيانٍ مرتبك، تجاذبه الضغوط الأوروبية من الخارج، وتنهشه الصراعات الداخلية من الداخل. ثم جاء حزب الاتحاد والترقي، لا بوصفه مشروع إصلاحٍ حقيقي، بل بوصفه انقلابًا على روح الدولة نفسها.
رفع الحزب شعارات الحداثة، لكنّه مارس أقسى أشكال التتريك والإقصاء. لم يعد العربي شريكًا في الدولة، بل صار عبئًا في نظر السلطة الجديدة، تُنتزع لغته من الإدارة، ويُهمَّش تاريخه، ويُراقَب فكره، ويُلاحَق كل من يطالب بالكرامة أو الإصلاح. في تلك المرحلة، لم يكن القهر نظريًا، بل معيشًا. الإعدامات في ساحات دمشق وبيروت، السجون، النفي، مصادرة الصحف، وتجريم الفكرة قبل الفعل. وكان نصيب بلاد الشام، ومنها شرق الأردن، ثقيلاً من هذا الظلم المتأخر..
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
وهكذا، يا بُنيّ، لم يكن إغلاق الصحف حدثًا إداريًا، ولا الإعدامات إجراءً استثنائيًا، بل كانت سياسة ممنهجة لإسكات هوية كاملة. وحين تُغلق الكلمة، لا يبقى أمام الشعوب إلا أن تتكلم بالفعل... لكنّ الشعوب، يا بُنيّ، قد تصبر طويلًا، غير أنها لا تنسى. وقد تتحمّل القهر، لكنها لا تقبل إلغاء هويتها. وهنا، بدأ الوعي العربي يتشكّل لا بوصفه عصبية، بل بوصفه حقًا سياسيًا وأخلاقيًا. ظهرت الجمعيات العربية، وتحرّكت النخب الفكرية، وبدأ السؤال الكبير يُطرح: هل يمكن أن تستمر دولةٌ تنكر على أبنائها لغتهم وكرامتهم؟
في هذا السياق التاريخي، برز دور الشريف حسين بن علي، شريف مكة، وحفيد بيت النبوّة، بوصفه رجل لحظةٍ تاريخية، لا مغامر سياسة. لم يرفع الشريف حسين راية الثورة طلبًا لسلطة، بل دفاعًا عن كرامة العرب، وعن حقهم في حكم أنفسهم داخل دولةٍ عادلة. فدخل في مراسلاتٍ مع المندوب البريطاني هنري مكماهون، عُرفت تاريخيًا بـ مراسلات الحسين–مكماهون، طالب فيها باعترافٍ باستقلال البلاد العربية مقابل الوقوف في وجه الظلم العثماني. كانت تلك المراسلات، رغم ما شابها لاحقًا من خيبات، أول وثيقة سياسية حديثة، تطالب باستقلال عربي شامل، لا بإصلاحات جزئية ولا امتيازات شكلية.
وفي عام 1916، انطلقت الثورة العربية الكبرى، لا كتمرّدٍ عابر، بل كثورة تحمل مشروعًا: الحرية والاستقلال ووحدة الأرض العربية. وهنا، يا بُنيّ، دخلت أرض شرق الأردن مرحلة جديدة من تاريخها. لم تكن هذه الأرض بعيدة عن الثورة، ولا متفرّجة عليها، بل كانت جزءًا من مسارها الجغرافي والبشري. عبرت قوات الثورة من جنوبها، ووجدت في عشائرها سندًا، وفي طرقها عمقًا استراتيجيًا، وفي أهلها فهمًا فطريًا لمعنى التحرر. وحين فُتحت العقبة عام 1917، لم يكن ذلك انتصارًا عسكريًا فقط، بل كان كسرًا لحاجز الجغرافيا السياسية، وفتحًا لطريق شماليٍّ سيمتدّ نحو شام العروبة.
لكن التاريخ، كما تعلّمنا لاحقًا بني، ليس مستقيمًا. ففي الوقت الذي كان العرب يقاتلون على أمل الاستقلال، كانت القوى الكبرى ترسم خرائط أخرى. اتفاقيات سرّية ووعود متناقضة، سايكس بيكو 1916 ووعد بلفور 1917 المشؤومة، وعد من لا يملك لمن لا يستحق، كما وصفها جدك في كتابه "القضية الفلسطينية"، وما سيأتي لاحقًا من تقسيمٍ وانتداب.
ومع ذلك، يا ذوقان، فإن لحظة الثورة لم تُهدر... لأنها زرعت في وعي أهل هذه الأرض حقيقةً لا تُمحى: أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن الدولة ليست هدية، بل ثمرة نضالٍ طويل. من هنا، لم تولد الثورة العربية الكبرى من فراغ، ولم تكن تمرّدًا عاطفيًا، بل كانت ردًّا تاريخيًا على قمعٍ تاريخي. وحين انهارت الدولة العثمانية في هذه المنطقة، لم يسقط معها نظام حكم فقط، بل سقط وهمٌ كبير اسمه أن الظلم يمكن أن يدوم إلى الأبد... وهكذا، حين انتهت الحرب العالمية الأولى عام 1918، لم يكن شرق الأردن فراغًا سياسيًا، ولا أرضًا بلا وعي، بل مساحةً مشبعةً بروح الثورة، ومهيّأة لمرحلة أصعب، مرحلة مواجهة الانتداب، وبناء الدولة من تحت الرماد. فما جرى يا بني قبل الإمارة، لم يكن تمهيدًا إداريًا، بل تكوينًا نفسيًا وسياسيًا للأردني. ومن لم يفهم هذا التكوين، لن يفهم لماذا قاوم الأردنيون الانتداب، ولا لماذا تمسّكوا بالاستقلال، ولا لماذا لم يقبلوا أن يكون وطنهم مؤقتًا.
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
فكيف تحولنا من الوعي إلى الدولة بين الأعوام 1900 إلى 1946... وكيف نضج الإستقلال قبل أن يعلن؟؟!! فبعد انقضاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، لم يكن شرق الأردن كيانًا سياسيًا مُعلنًا، لكنه لم يكن، في أي لحظة، أرضًا سائبة بلا إرادة. فالفراغ الذي خلّفه سقوط الحكم العثماني كان فراغًا إداريًا لا وطنيًا، وسرعان ما ملأه الأردنيون، بزعاماتهم الوطنية آنذاك، بمبادرات ذاتية للحكم والتنظيم، نابعة من مجتمعٍ خبر إدارة شؤونه قبل قيام الدولة المركزية بزمن طويل.
في مطلع القرن العشرين، كانت الوطنية الأردنية تتشكّل تنظيمًا وفعلًا. ففي عام 1910، ساهمت زعامات أردنية مبكرة في تأسيس أول حزب وطني أردني، حزب الإستقلال الأردني، والذي كان امتدادًا لحزب الإستقلال في سوريا الذي عملت سلطات الانتداب الفرنسي على حلّه في دمشق. ومن بين مؤسسي هذا التيار الوطني والحزب جدكم الأكبر سالم باشا الهنداوي، أحد زعامات الأردن في تلك المرحلة. ضمّ هذا التيار رجالًا من مختلف أقاليم البلاد، منهم حسين باشا الطراونة من الكرك، وعبد القادر أحمد التل من إربد، وسليمان باشا السودي الروسان من بني كنانة، وراشد باشا الخزاعي الفريحات من عجلون، وناجي باشا العزام من إربد، وعلي خلقي باشا الشراري، وماجد باشا العدوان، ومثقال باشا الفايز، وعبد الرحمن إرشيدات، وكايد المفلح العبيدات، الذي سيُستشهد لاحقًا ليكون أول شهيد أردني على أرض فلسطين، في إكليل شرفٍ وغارٍ نتوارثه جيلًا بعد جيل... أسماء خلدها الوطن...
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918 وسقوط السلطة العثمانية، انتقل هذا الوعي من التنظيم السياسي إلى الفعل الإداري. ففي شمال البلاد، وتحديدًا في عجلون، تشكّلت عام 1920 حكومة محلية عُرفت تاريخيًا بـحكومة عجلون، وكانت أول محاولة عملية لإدارة شؤون الناس بعيدًا عن أي سلطة خارجية. وفي دير يوسف قرب إربد، قامت حكومة محلية أخرى تولّت الأمن، والقضاء العشائري، وإدارة الموارد، وحماية القرى. لم تكن هذه الحكومات دولًا بالمعنى القانوني، لكنها كانت إعلانًا مبكرًا عن رفض الفراغ والوصاية معًا، ودليلًا عمليًا على أن المجتمع الأردني قادر على إدارة نفسه بنفسه.
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
ثم جاء مؤتمر ووثيقة أم قيس... حين نطقت الإرادة الأردنية باسم الإستقلال... ففي ربيع عام 1920، وعلى تخوم التاريخ والجغرافيا، انعقد في بلدة أم قيس شمال الأردن واحدٌ من أهم وأشرف الاجتماعات السياسية في تاريخ الأردن الحديث، والتي يجب على جيلكم أن يعرف عنها ويعيها ويستوعب معانيها وأهميتها في تحقيق استقلال الوطن. لم يكن لقاءً عابرًا لوجهاء منطقة، ولا ردّ فعلٍ آنيًّا على أحداثٍ متسارعة، بل كان وعيًا مبكرًا يُترجِم ما كان يدور في صدور الأردنيين إلى موقفٍ مكتوبٍ واضحٍ لا يحتمل التأويل. هناك، وُلدت وثيقة أم قيس؛ لا بوصفها بيان احتجاج، بل بوصفها برنامجًا وطنيًا متكاملًا رسم ملامح الاستقلال قبل أن تُعلن الدولة بربع قرن.
جاءت بنود الوثيقة جريئةً في زمانها، صريحةً في لغتها، متقدمةً على سياقها الإقليمي والدولي. طالبت بقيام حكومة عربية وطنية مستقلة في شرق الأردن، ورفضت الانتداب بكل صوره، وأعلنت رفض وعد بلفور رفضًا قاطعًا، ورفضت تحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود، وطالبت بمنع الهجرة الصهيونية، وأكدت أن الشرعية السياسية لا تُستمد من قرارات الخارج، بل من إرادة السكان المحليين، وأن أي سلطة لا تحظى بقبول الأهالي هي سلطة مرفوضة أخلاقيًا ووطنيًا. بهذه البنود، لم تكن الوثيقة مطلبية فحسب، بل إعلان سيادة قبل قيام الدولة، وصيغة أردنية خالصة لمفهوم حق تقرير المصير.
وقّع الوثيقة عددٌ من أبرز شيوخ ووجهاء الأردن، ممثلين عن عشائرهم ومجتمعاتهم، في أول تعبير جماعي منظّم عن الإرادة السياسية الأردنية. وكان في مقدمتهم علي خلقي باشا الشراري، وجدكم الأكبر سالم باشا الهنداوي، وناجي باشا العزام، وسليمان باشا السودي الروسان، وراشد باشا الخزاعي الفريحات وسعد العلي البطاينة ومحمد الحمود وعبد الرحمن ارشيدات وتركي كايد العبيدات ومحمود الفنيش النصيرات ومصطفى حجازي ونجيب فركوح وعودة القسوس وغيرهم من زعامات الوطن آنذاك. لم يوقّع هؤلاء بصفتهم الشخصية، بل بصفتهم أمناء على وعيٍ جمعيٍّ ناشئ، يعرف ما يريد، ويعرف ما يرفض، ولا يخشى التصريح بذلك.
تكمن أهمية وثيقة أم قيس في أنها لم تُطالِب بالاستقلال بعد أن صار ممكنًا، بل زرعت بذوره حين كان مكلفًا وخطِرًا. كانت الوثيقة جسرًا بين الوعي والتنظيم، وبين العشيرة والدولة، وبين الفعل المحلي والمطلب الوطني العام. ومنها انطلقت سلسلة من المواقف والمؤتمرات والحكومات والمحاكمات والنفي، وصولًا إلى المجلس التشريعي الخامس، ثم إلى يوم الاستقلال في الخامس والعشرين من أيار 1946. لذلك، فإن وثيقة أم قيس ليست صفحةً في كتاب، بل حجر الأساس في بناء الذاكرة السياسية الأردنية.
ومن هنا، يا بُنيّ، فإن الذاكرة الوطنية الأردنية مُطالبة بأن تحفظ أسماء موقّعي وثيقة أم قيس خالدةً في الأذهان؛ لا لأنهم كانوا وحدهم في الميدان، بل لأنهم كانوا أول من تجرّأ على كتابة كلمة "نريد" باسم الأردن. هم الرجال الذين زرعوا بذرة الاستقلال بوعيٍ وشجاعة، وسقوها بالصبر، حتى أينعت دولةً ذات سيادة. ومن لا يحفظ أسماء البذّارين، لا يحق له أن يتفاخر بالحصاد.
وفي الوقت الذي كانت فيه بريطانيا تسعى لترتيب وضع إداري يضمن نفوذها، كان الأردنيون يتقدّمون خطوة أخرى إلى الأمام. ففي عام 1921، شكل حزب الإستقلال الأردني أول حكومة مركزية في شرق الأردن، برئاسة رشيد طليع، بتكليف من الأمير عبد الله بن الحسين رغم معارضة سلطات الإنتداب البريطاني لهذا التشكيل بسبب وطنية الحزب ومؤسسيه ودعوتهم لاستقلال البلاد. كانت تلك الحكومة، رغم قصر عمرها، خطوة سياسية جريئة، لأنها تشكّلت دون أن تمنحها سلطة الانتداب اعترافًا، وسعت إلى تأسيس مؤسسات دولة لا مجرد إدارة محلية، لكنها اصطدمت سريعًا برفض بريطاني صريح لأنها عبّرت عن توجّه استقلالي واضح.
ومع نهاية العشرينيات، وحين فُرضت معاهدة 1928 التي قيّدت السيادة الأردنية، ردّت الحركة الوطنية بعقد المؤتمرات الوطنية الأردنية أعوام 1928 و1929 و1930، مطالبة ببرلمان منتخب، وحكومة وطنية مسؤولة، وإنهاء فعلي للانتداب. ولمّا كان الانتداب لا يحتمل هذا المستوى من التنظيم الوطني، جاء الرد قاسيًا. ففي عام 1937، ومع احتدام الثورة الفلسطينية الكبرى، شُنّت حملات اعتقال ومحاكمات واسعة بحق زعامات شمال الأردن، بتهم دعم الثورة الفلسطينية بالرجال والمال والسلاح، ومحاولة إسقاط حكومة الانتداب، وقطع خطوط الاتصال، وإحراق مبانٍ حكومية. وصدر بحق عدد من هؤلاء الزعماء أحكام بالإعدام، منهم محمد علي بيك العجلوني، وسالم باشا الهنداوي، وسليمان باشا السودي الروسان، وراشد باشا الخزاعي الفريحات، وغيرهم. غادر هؤلاء إلى سوريا، وحوكموا غيابيًا، ثم سُلّموا لاحقًا إلى سلطات الانتداب البريطاني، وسُجنوا في العقبة تمهيدًا لتنفيذ أحكام الإعدام. ومن هناك، تمكنوا من الهرب إلى الجزيرة العربية، حيث أقاموا ثلاث سنوات، قبل أن يصدر الأمير عبد الله الأول عفوًا خاصًا عنهم عام 1941، ليعودوا إلى الوطن ويشاركوا في الحياة السياسية فيه.
وفي قلب هذه المرحلة، برز نموذج أخلاقي فريد في العمل العام تمثّل في عمكم الأكبر قاسم بيك الهنداوي، الذي حذّر في خطابه الشهير بمؤتمر الشعب الأردني عام 1933 من الخطر الصهيوني، ودعا إلى استعداد حقيقي للتضحية دفاعًا عن الأرض. ثم قدّم استقالته من حكومة إبراهيم هاشم عام 1934، في سابقة نادرة، مؤكدًا أن البقاء في منصب لا يخدم الوطن هو زيادة في نكبة الأمة، ليقدّم درسًا مبكرًا في أن السياسة أخلاق قبل أن تكون سلطة.
وهكذا، يا ذوقان، كان الزمن يعمل لصالح الفكرة لا ضدها. عاد المنفيون، وشاركوا في انتخابات المجلس التشريعي الخامس، وفازوا بثقة الناس، ليكونوا هم أنفسهم من أعلنوا، في الخامس والعشرين من أيار عام 1946، استقلال البلاد وقيام المملكة الأردنية الهاشمية. لم يكن الاستقلال لحظة مفاجئة، بل ثمرة مسار طويل من الوعي والتنظيم والتضحية، مسارٍ صُنعت فيه الدولة في الوجدان قبل أن تُعلَن على الورق.
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
حين نستذكر الاستقلال، فإننا لا نستذكر يومًا في الروزنامة، ولا نحتفل بقرارٍ إداري، بل نستحضر أعمارًا كاملة أُنفقت رخيصة في سبيل الوطن. نستذكر رجالًا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فبذلوا الغالي والنفيس، ودفعوا أثمانًا لم تكن سهلة ولا قصيرة: دمًا وعرقًا ودموعًا، مقاومةً ومقارعةً لمستعمر، سجنًا ونفيًا وتشريدًا، وشهادةً لمن اختاروا الطريق حتى نهايته. لم يكن الاستقلال لحظة فجائية، بل خلاصة عقودٍ طويلة من النضال الصامت والعلني، قادته عشائر، وحملته زعامات وطنية، وتراكم عبر وثائق ومؤتمرات وسجون ومنافي، حتى نضجت اللحظة… وجاء يوم الحرية.
في صبيحة يوم السبت الخامس والعشرين من أيار عام 1946، وفي تمام الساعة الثامنة صباحًا، انعقد المجلس التشريعي الأردني الخامس جلسته الثالثة لدورته فوق العادة، في لحظةٍ استثنائية من تاريخ البلاد، خُصصت لمناقشة رغبات "البلاد الأردنية العامة" في التحرر والاستقلال التام من الانتداب البريطاني. لم تكن الجلسة شكلية، ولا كانت كلماتها محفوظة سلفًا، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن أماني شعبٍ قدّم تضحيات جسيمة في سبيل حريته وكرامته، ودعم الثورة الفلسطينية المباركة في وجه الظلم والعدوان، استنادًا إلى المبادئ العامة والمواثيق الدولية وحق الشعوب الأصيل في تقرير مصيرها.
وبعد مناقشاتٍ حملت ثقل التاريخ ومسؤوليته، أصدر المجلس التشريعي الأردني الخامس بالإجماع قراره التاريخي الذي لا لبس فيه: إعلان البلاد الأردنية دولةً مستقلة استقلالًا تامًا، وذات سيادة، وحكومة ملكية وراثية نيابية، ومبايعة سيد البلاد ومؤسس كيانها، وريث النهضة العربية، سمو الأمير عبد الله بن الحسين المعظم، ملكًا دستوريًا على رأس الدولة الأردنية، بلقب "حضرة صاحب الجلالة ملك المملكة الأردنية الهاشمية". بهذا القرار، لم تُعلن دولة فقط، بل أُغلقت صفحة الانتداب إلى غير رجعة، وفُتحت صفحة السيادة الوطنية بإرادة ممثلي الشعب لا بإملاء الخارج.
ولأن اللحظة كانت لحظة أمة، اختار المجلس التشريعي الخامس أربعةً من رجالاته، يمثّلون أقاليم الوطن ليرفعوا قرار الأمة إلى القائد المؤسس، ويبايعونه نيابةً عن الشعب الأردني كله. فكانوا: ماجد باشا العدوان ممثلًا عن لواء البلقاء، ومعارك باشا المجالي ممثلًا عن لواء الكرك، وجدكم الأكبر سالم باشا الهنداوي ممثلًا عن لواء عجلون وحمد باشا الجازي ممثلًا عن لواء معان/ البادية. هؤلاء لم يكونوا مجرد أسماء في محضر جلسة، بل خلاصة مسار طويل من النضال العشائري والوطني، حملوا قرار الشعب وسلّموه إلى الأمير الملك عبد الله بن الحسين، وبايعوه عليها، نيابة عن الشعب، ملكا على المملكة الوليدة بلقب" حضرة صاحب الجلالة الهاشمية"، الملك المؤسس، ليبدأ عهد الدولة المستقلة، الدولة التي صُنعت قبل أن تُعلَن، وتشكّلت في الوعي قبل أن تُرسَّم على الورق.
ونحن، إذ نستذكر هذه المناسبة ضمن هذه السردية، لا نملك إلا أن نترحّم على صانعيها، زعاماتٍ ورجالاتٍ مخلصين كُثُر، صنعوا الاستقلال بدمائهم وعرقهم، ثم رحلوا دون أن يطلبوا ثمنًا أو مجدًا شخصيًا. كما نستذكر بناة الوطن، الذين أفنوا أعمارهم رخيصة في سبيل رفعته، وإعلاء شأنه وبنيانه، ليصل إلينا وطنًا قائمًا، لا فكرة مؤجلة ولا حلمًا منقوصًا. جزاهم الله جميعًا عن وطننا، وعن أجياله، وعن ذوقان وأقرانه، خير الجزاء.
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
حين أُعلن استقلال الأردن في الخامس والعشرين من أيار عام 1946، لم يكن ذلك اليوم نهاية معركة، بل بداية أصعب اختبارٍ عرفته الدولة الوليدة. فالدول، يا بُنيّ، لا تُقاس بلحظة إعلانها، بل بقدرتها على الصمود حين تهبّ العواصف من حولها. في ذلك اليوم، عنما وقف جدك الأكبر وأقرانه، أعضاء المجلس التشريعي الخامس، وأعلنوا قيام المملكة الأردنية الهاشمية، وتُوِّج الملك عبد الله الأول بن الحسين ملكًا دستوريًا على البلاد. لم يكن جلالته حاكمًا طارئًا، بل كان سياسيًا مخضرمًا، ورجل دولة تشكّل وعيه في قلب الثورة العربية الكبرى، وحمل مشروعًا واضحًا: بناء دولة عربية مستقلة، قادرة على الحياة، في إقليم لا يرحم الضعفاء.
لكن الاستقلال جاء في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. فالانتداب البريطاني كان ينسحب شكليًا، لكنه ما زال حاضرًا بتأثيره، والمنطقة بأكملها كانت على أعتاب زلزال سياسي كبير بؤرته القضية الفلسطينية. فكانت نكسة عام 1948، الحرب التي امتحنت الدولة. فلم تكد تمضِ سنتان على الاستقلال، حتى اندلعت حرب 1948، وهي الحرب التي لم تختبر فقط الجيوش، بل اختبرت شرعية الدول العربية الحديثة وقدرتها على الفعل. دخل الأردن هذه الحرب بجيشٍ لم يكن الأكبر عددًا، لكنه كان الأكثر تنظيمًا وانضباطًا: الجيش العربي. هذا الجيش لم يُبنَ على عجل، بل كان ثمرة سنوات من التنظيم والتدريب، وعقيدة واضحة مفادها أن الجندي لا يدافع عن نظام، بل عن أرض وكرامة وهوية. خاض الجيش العربي معاركه في القدس واللطرون وباب الواد، وسجّل حضورًا عسكريًا حاسمًا في الدفاع عن القدس الشرقية والحفاظ عليها عربية. وفي زمنٍ كثرت فيه الإخفاقات العربية، برز الدور الأردني بوصفه الأكثر تماسُكًا وواقعيةً عسكرية.
لكن الحرب، يا ذوقان، لم تكن نصرًا خالصًا، ولا هزيمةً مطلقة، بل كانت جرحًا مفتوحًا. فُرضت هدنة، وتغيّرت الخرائط، وتدفّق مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين إلى شرق الأردن، ليصبح الأردن فجأة ليس فقط دولة حديثة، بل دولة تحمّل عبء قضية أكبر من إمكاناتها.
بعد الحرب، برز واقع سياسي جديد. الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أصبحت تحت الإدارة الأردنية. ولم يكن هذا الواقع قرارًا عسكريًا فقط، بل تُوِّج لاحقًا بوحدة الضفتين عام 1950، في خطوة سياسية عكست فهم القيادة الأردنية لوحدة المصير بين الشعبين. كان القرار مثار جدل عربي ودولي، لكنه في السياق الأردني جاء من منطلق تحمّل المسؤولية وبناء على طلب الأخوة، لا توسيع النفوذ. فالأردن، يا بُنيّ، لم ينظر إلى فلسطين يومًا بوصفها ورقة تفاوض، بل بوصفها قضيته، قضية وجود وعدالة.
في العشرين من تموز عام 1951، وقعت الفاجعة. اغتيل الملك عبد الله الأول على عتبات المسجد الأقصى في القدس، وخلال الأسبوعين التي سبقتها، اغتيال جدكم الأكبر سالم باشا الهنداوي في مضافة العشيرة في النعيمة واغتيال رياض الصلح، رئيس وزراء لبنان، في عمان. ثلاثة زعماء وطنيون قوميون يتم اغتيالهم في بحر أسبوعين، ولربما بنفس يد الغدر التي أرادت وأد رؤيتهم ونهجهم العروبي والوطني، في لحظة اختزلت قسوة المرحلة واضطراب الإقليم. لم يكن اغتياله حدثًا داخليًا معزولًا، بل كان نتيجة مباشرة للتآمر الدولي وتشابك الصراعات والتوترات الإقليمية، وتناقض المشاريع السياسية في المنطقة. برحيله، فقد الأردن مؤسس دولته، في وقتٍ كان لا يزال في طور التثبيت والبناء.
تولّى العرش من بعده الملك طلال بن عبد الله، في مرحلة قصيرة زمنًا، لكنها عميقة الأثر. في عهده، وُضع دستور 1952، الذي سيُعدّ لاحقًا أحد أكثر الدساتير تقدمًا في المنطقة العربية، مُكرِّسًا مبدأ الملكية الدستورية، والفصل بين السلطات، وحقوق المواطنين. لم يُمهل المرض الملك طلال طويلًا، لكن بصمته الدستورية بقيت راسخة، وشكّلت الأساس القانوني للدولة الأردنية الحديثة. وهنا نستذكر أيضا رجالات وسيدات وطن ساهموا في صياغة الدستور والقوانين التأسيسية الأولى في المملكة أمثال إبراهيم هاشم وسليمان طوقان وعبد الرحمن ارشيدات وعلي الهنداوي وضيف الله الحمود وإميلي بشارات.
أيُّ بُنَيّ…
بين عامي 1946 و1951، عاش الأردن ما تعيشه دول في عقود لا في سنوات: استقلال، حرب، لجوء، وحدة، اغتيال، ودستور... ومع ذلك، لم تنهَر الدولة، ولم تتفكك، بل خرجت من هذه السنوات القاسية أكثر صلابة، وأكثر وعيًا بمعنى البقاء.
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
حين اعتلى المغفور له الملك حسين بن طلال، طيب الله ثراه، العرش عام 1952، لم يكن رجلا يرث دولة مستقرة، بل قائدًا شابًا فتيا يتسلّم وطنًا محاطًا بالعواصف، حديث الاستقلال، مثقَلًا بتبعات حرب، ومفتوحًا على صراعات إقليمية لا ترحم الصغار. كانت السنوات الأولى من حكمه سنوات اختبارٍ حقيقي لمفهوم الدولة ذاته. فالجيش ما زال في طور البناء، والاقتصاد محدود الموارد، والسياسة العربية تعيش حالة استقطاب حاد بين مشاريع وحدوية وشعارات ثورية وانقلابات عسكرية. فجاءت سنوات الخمسينيات، سنوات تثبيت السيادة وبناء القرار الوطني.
في منتصف الخمسينيات، اتخذ الأردن أحد أهم قراراته السيادية، بإنهاء الوجود العسكري البريطاني، وتعريب قيادة الجيش العربي عام 1956. لم يكن القرار إداريًا، بل إعلان استقلال فعلي للقرار العسكري والسياسي. بهذا القرار، أصبح الجيش العربي جيشًا وطنيًا خالصًا، وانتقلت القيادة إلى ضباط أردنيين، في مقدمتهم راضي عناب وحابس المجالي، الذي سيصبح لاحقًا رمزًا عسكريًا وطنيًا خصوصًا بعد معركة الكرامة...
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
منذ مطلع الخمسينيات، لم يعد التحدي أمام الأردن مقتصرًا على بناء مؤسسات الدولة، بل أصبح التحدي الأعمق هو حماية فكرة الدولة نفسها. كان وطنًا حديث الاستقلال، محدود الموارد، محاطًا بإقليمٍ يغلي بالانقلابات، والمشاريع العابرة للحدود، والشعارات التي لا تعترف بحدود ولا بسيادة الدول الصغيرة.
في تلك السنوات، لم يكن القرار السياسي ترفًا، بل مخاطرة. وكان المنصب العام عبئًا ثقيلًا، لا وجاهة فيه ولا ضمانة، بل احتمال دائم لدفع الثمن. في هذا السياق، برز هزّاع المجالي رئيسًا للوزراء في أواخر الخمسينيات، ممثلًا لوجه الدولة الصارم الذي يرفض العبث بأمن الأردن واستقلاله. كان واضحًا في موقفه، حازمًا في قراره، مؤمنًا بأن الاستقلال الذي دُفع ثمنه غاليًا لا يُدار بالمجاملة ولا يُحمى بالتردد.
وحين امتدت يد الغدر لتغتاله عام 1960 في مكتبه، لم يكن الاغتيال استهدافًا لرجل بعينه، بل محاولة لضرب هيبة الدولة الأردنية في لحظة تثبيت سيادتها. لكن الأردن لم ينكسر. تحوّل الألم إلى وعي، والحزن إلى تصميم، وخرج الوطن من الفاجعة أكثر إدراكًا لحقيقة مرة: أن طريق الدولة محفوف بالتضحيات، وأن القرار الوطني قد يُدفَع ثمنه من دم الرجال الكبار.
دخل الأردن بعد ذلك عقد الستينيات مثقلًا بالتحديات. جاءت نكسة عام 1967، فخسر الوطن الضفة الغربية والقدس الشرقية، وتدفقت الجراح فوق جراح. ومع ذلك، لم تتفكك الدولة، ولم ينهَر المجتمع، بل تعمّق السؤال الأخطر: كيف تحمي الأردن، وأنت تحمل قضية فلسطين في قلبك وواقعك معًا؟
نعم خسر الأردن الضفة الغربية والقدس الشرقية بعد حرب قصيرة قاسية. كانت الخسارة موجعة، لكن الدولة لم تنهَر. تحوّل التحدي إلى سؤال وجودي: كيف تحافظ على الوطن وأنت تحمل جرح فلسطين دون أن تضيع الأردن نفسها؟ فجاءت "الكرامة" عام 1968 لتجسد معنى النصر والصمود. ففي آذار 1968 وقعت معركة الكرامة، التي شكّلت منعطفًا نفسيًا وسياسيًا. واجه الجيش العربي الأردني القوات الإسرائيلية الغازية، فكبدها الخسائر الموجعة وأجبرها على التراجع. لم تكن الكرامة نصرًا عسكريًا تقليديًا، لكنها كانت نصرًا للمعنويات العربية، وأكدت أن الجيش الأردني قادر على القتال والدفاع عن أرضه.
ثم جاءت أحداث أيلول 1970، اللحظة الأخطر في تاريخ الدولة الأردنية الحديث. لم يكن الخطر خارجيًا فقط، بل وجوديًا. سلاح خارج السيطرة، ضغوط عربية وإقليمية، وتناقض حاد بين منطق الدولة ومنطق الفوضى الثورية. في تلك الأيام الثقيلة، اتُّخذت قرارات صعبة، مؤلمة، لكنها كانت حاسمة: حماية الدولة أولًا، لأن ضياع الدولة يعني ضياع كل القضايا معها، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. خرج الأردن من أيلول مثقلًا بالجراح، لكنه متماسك. خرج وقد ثبتت حقيقة قاسية لكنها حاسمة: أن الدولة ليست شعارًا عاطفيًا، بل مسؤولية أخلاقية وتاريخية لا تحتمل التردد.
ومنذ الستينات وحتى مطلع السبعينيات، تجسّد هذا المعنى مرة أخرى في رجل دولة آخر هو وصفي التل. كان وطنيًا صلبًا، نزيهًا في زمن كثرت فيه المساومات، واضحًا في إيمانه بأن الأردن دولة نهائية لا مرحلة عابرة، وأن الاعتماد على الذات هو أساس الكرامة والسيادة.
وحين اغتيل وصفي التل في القاهرة عام 1971، لم يكن اغتياله حادثًا معزولًا، بل محاولة جديدة لإرباك دولة اختارت أن تحمي نفسها حين كانت الفوضى خيارًا سهلًا لكثيرين.
ومرة أخرى، يا ذوقان، لم يسقط الأردن... لم يتحول الدم إلى انتقام، ولا الحزن إلى فوضى، بل إلى ترسيخ أعمق لمعنى الدولة والمؤسسات. ثبت أن الأردن لا يقوم على الأفراد مهما عظُموا، بل على القيم التي يزرعونها، وعلى وعي شعبٍ فهم أن البديل عن الدولة ليس الحرية، بل الضياع.
من الخمسينيات إلى السبعينيات، تشكّل الوعي الأردني الحديث في النار لا في الرفاه، وفي الاختبار لا في الشعارات. وغرس وصفي التل وهزاع المجالي في الوطنية، والاستقامة، والنزاهة، والرجولة في الموقف، بقي حيًا في وجدان الدولة، وسيبقى، ما بقي الأردن يعرف معنى أن يكون له رجال يقدّمون الوطن على أنفسهم.
أيُّ بُنَيّ…
بين عامي 1951 و1999، لم يبنِ الأردن ناطحات سحاب... بل بنى الإنسان الذي وصفه وحدده جلالة المغفور له الحسين بأنه "أغلى ما نملك". بنى دولة تعرف حدودها، وتفهم دورها، وتحمي شعبها. هذا العهد الطويل علّم الأردنيين أن البقاء ليس صدفة، بل قرار يومي صعب.
ومع كل ما يُقال ويُشاع عن فسادٍ طال بعض من مرّوا على مواقع المسؤولية وربما تبوؤا مواقع قيادية في بعض الحكومات، تبقى في الذاكرة الأردنية أسماءٌ عصيّة على التشويه، لأنها لم تُكتب بالحبر بل بالموقف. أسماء لمسؤولين حملوا الدولة كأمانة ثقيلة لا كغنيمة عابرة، ومضوا دون أن يتركوا خلفهم مالًا أو امتيازًا أو سؤالًا معلّقًا. كان وصفي التل في مقدمة هؤلاء؛ دخل الحكم وخرج منه نظيف اليد، صلب الموقف، ودفع حياته ثمنًا لقناعته بأن الدولة لا تُدار بالمساومة. وكان جدكم ذوقان الهنداوي نبراسا شاهدا على أن التربية والعلم والثقافة يمكن أن تكون ضميرًا في السلطة، وأن المسؤول يمكن أن يقود العمل الحكومي لعقود طويلة ثم يغادر مكتبه ليعود إلى شعبه وأسرته وكتبه دون أن يفقد رضى ربه عليه واحترامه لذاته وحب واحترام الناس له. وإلى جانبهم، برز فلاح المدادحة وفضل الدلقموني وعلي الهنداوي وضيف الله الحمود وطراد القاضي ومحمد عودة القرعان ومحمد السقاف ومروان الحمود وسعيد التل، وغيرهم كثيرون، كرجال دولة آمنوا بأن الأمانة والنزاهة والإستقامة والشرف، قبل القانون، هي السقف الوحيد للعمل الحكومي، فطبّقوها روحا ومضمونا ونصا، بعدالة، وتركوا مناصبهم كما تسلّموها، بلا ضجيج ولا مكاسب. فكانوا أمثّلة لذلك النموذج الهادئ لرجل الدولة الذي أدّى واجبه ثم انسحب بصمت، تاركًا سيرة نظيفة لا تحتاج إلى دفاع. إن استدعاء هذه الأسماء اليوم ليس حنينًا إلى الماضي، ولا إبرازا لأخطاءٍ، أو خطايا، وقعت من قبل غيرهم، بل تذكيرٌ بأن هذا الوطن، رغم كل العثرات، أنجب رجالًا قدوة أنموذج فهموا المسؤولية بوصفها امتحانًا للأخلاق قبل أن تكون منصبًا، وبقيت أسماؤهم شاهدًا على أن النزاهة كانت، وما زالت، ممكنة.
أي بني...
وبموازاة نزاهتهم واستقامتهم، خاض الأردن بين ستينيات القرن الماضي وتسعينياته واحدة من أعظم معاركه الهادئة وأنجحها: معركة التعليم والصحة، بوصفهما الأساس الصلب لبناء الإنسان والدولة معًا. ففي تلك العقود المفصلية، لم يكن التعليم ترفًا ولا خيارًا ثانويًا، بل قرار سيادي اتخذته الدولة بوعيٍ مبكر، حين جعلت تعميم التعليم الأساسي وتثبيت مجانيته أولوية وطنية مطلقة، ووسّعت شبكة المدارس في المدن والقرى والبوادي، حتى صدر القرار الجريء ببناء مدرسة لكل تجمع سكني فيه عشرة طلاب فأكثر، في رسالة واضحة مفادها أن المدرسة حق، لا منّة، وأن المعرفة لا تُحتكَر ولا تُؤجَّل. وقد تعزّز هذا المسار في عهد وزراء تربية حملوا المشروع الوطني قبل العناوين، وفي مقدمتهم جدكم ذوقان الهنداوي، الذي ارتبط اسمه بالتربية والتعليم حتى صار جزءًا من ذاكرتها الوطنية؛ الوزير الأكثر خدمة في تاريخ الأردن، والقائد التربوي الذي قاد تحديث المناهج، وبناء المدرسة الوطنية، وتعزيز الهوية في التعليم، وربط المعرفة بالوعي العام لا بالحفظ والتلقين، حتى استحق بجدارة أن يُعرف بلقب “أبو التربية والتعليم” في الأردن. وفي عهده، لم تكن المدرسة مكانًا لتكديس المعلومات، بل فضاءً لبناء الشخصية، وترسيخ الانتماء، وتحصين الوعي، وهو ما تجلّى بوضوح في كتابه "القضية الفلسطينية" الذي ضمن للمنهاج، بوصفها قضية وعي وهوية لا مادة امتحان.
ومع دخول الثمانينيات، انتقل التعليم الأردني إلى مرحلة التوسّع النوعي؛ فترسّخت الإدارة التعليمية الحديثة، وتوسّع التعليم الثانوي، وتزامن ذلك مع نمو التعليم العالي وبناء الجامعات الوطنية، وفي مقدمتها الجامعة الأردنية، أمّ الجامعات، ثم جامعة اليرموك وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إلى جانب إنشاء مدينة الحسين للشباب، في إطار رؤية دولة لا تنظر إلى التعليم بوصفه خدمة تُقدَّم، ولا إلى الشباب بوصفهم متلقين، بل باعتبارهم ثروة وطنية وسيادة مستقبلية. وخلال تلك المرحلة، أصبح الأردن الأول عربيًا في نوعا وفي نسبة المتعلمين قياسًا بعدد السكان، ومن أوائل الدول عالميًا في مؤشرات التعليم النوعي، حتى غدا مصدّرًا للمعرفة لا مستوردًا لها، حين ابتعث وصدّر آلاف المعلمين إلى الدول العربية الشقيقة، فأسهموا في بناء منظوماتها التعليمية، وفي نهضتها الإدارية والاقتصادية والعلمية، وكان المعلّم الأردني هناك سفيرًا لوطنه ونموذجًا للجدية والانضباط والاعتدال.
ولم يقتصر أثر هذا الإنجاز على الإقليم، بل نال اعترافًا دوليًا رفيع المستوى، حين كرّمت جامعات عالمية مرموقة، وفي مقدمتها جامعة كامبردج، التجربة التعليمية الأردنية باستحداث منح تعليمية تحمل اسم جدكم ذوقان الهنداوي، تقديرًا لدوره الريادي في تحديث التعليم، وللأثر الذي تجاوز حدود الدولة ليبلغ فضاء التعليم الإقليمي والعالمي. هكذا، لم يكن التعليم في تلك العقود قطاعًا من قطاعات الدولة فحسب، بل مشروع نهضة وسيادة وقوة ناعمة، وواحدًا من أعمدة الاستقرار الأردني، ودليلًا ساطعًا على أن هذا الوطن، حين يراهن على الإنسان، ينتصر...
وفي قطاع الصحة، بدأ التحوّل منذ السبعينات من خدمات محدودة إلى منظومة وطنية للرعاية الصحية، وتسارع هذا التحوّل في الثمانينات والتسعينات على يد أطباء دولة تولّوا المسؤولية التنفيذية، وفي مقدمتهم الدكتور عبد السلام المجالي الذي ارتبط اسمه بتحديث البنية الصحية، وتطوير المستشفيات الحكومية، وتعزيز التدريب الطبي المؤسسي، فكان إنشاء مدينة الحسين الطبية، جوهرة المؤسسات الطبية العربية في زمنها. ثم تلاه في التسعينات وزراء صحة ركّزوا على الطب الوقائي، وتوسيع المراكز الصحية، وعدالة الوصول للخدمة، والذين مثّلوا مرحلة انفتاح القطاع الصحي الأردني على المعايير الدولية. وهكذا، لم يكن التطور في التعليم والصحة نتاج وفرةٍ أو ظرفٍ عابر، بل ثمرة خيار دولة ورجالها امتدّ عبر عقود، آمنت بأن الإنسان المتعلّم والمعافى هو خط الدفاع الأعمق عن الاستقرار والسيادة، فأصبح الأردن في طليعة الدول العربية وفي المقدمة عالميا في التعليم والصحة، وساهم في تأسيسها وتطويرها في الدول العربية الشقيقة خلال تلك العقود ... وتجذرت مقولة الملك الباني بأن "ألإنسان أغلى ما نملك"....
وحين كان الإقليم يغلي، وتتشابك فيه الانقلابات والحروب والتحالفات المتقلّبة، لم يكن القرار في الأردن وليد لحظة، بل ثمرة عقلٍ ملكي أحاط نفسه برجال دولة خبروا السياسة بوصفها مسؤولية تاريخية لا دهاءً عابرًا. كان سمير الرفاعي من أوائل من أسهموا في ترسيخ نهج الدولة المؤسسية في بدايات الاستقلال، فدعم بناء القرار الدبلوماسي المتوازن وربط الداخل بشرعية الدولة الحديثة في محيط عربي مضطرب. وجاء بهجت التلهوني ليشكّل صوت الحكمة في أكثر المراحل حساسية، لا سيما خلال تداعيات حربي 1967 و1973، حيث كان حضوره عامل اتزان وتماسك داخلي وتفاديًا لمغامرات غير محسوبة. أما زيد الرفاعي، فقد برع في إدارة التوازنات الإقليمية والدولية خلال سنوات الحرب الباردة، محافظًا على استقلال القرار الأردني رغم ضغوط الاستقطاب والتحالفات. وفي الدائرة الأقرب لصناعة القرار، الديوان الملكي العامر، أدّى الشريف الأمير زيد بن شاكر وذوقان الهنداوي وعدنان أبو عودة دور الحكمة والإدارة الحصيفة والأمينة للدولة في الداخل، والعقل الاستراتيجي في الخارج، فكانوا شهودا وصناع قرار في محطات مفصلية من إدارة الدولة داخليا وإدارة الصراع العربي–الإسرائيلي وصياغة الخطاب الأردني العقلاني، الداخلي والخارجي، في زمن الانفعال. وإلى جانبهم، أسهم الدكتور عبد السلام المجالي ومروان القاسم والدكتور كامل أبو جابر بهدوءٍ واحتراف في إدارة القنوات الدبلوماسية الحساسة ونقل الموقف الأردني المتزن إلى العواصم المؤثرة. ثم جاء طاهر المصري ليجسّد مدرسة مختلفة في السياسة، مدرسة الإصغاء للمجتمع واحترام التعددية، حين قاد حكومة عام 1991 في مرحلة الانفتاح السياسي وعودة الحياة البرلمانية، فكان صوته داعمًا للإصلاح وضبط الانتقال الديمقراطي دون صدام أو فوضى. لم يكونوا صُنّاع قرار منفردين، بل عقول دولة عملت إلى جانب قائدٍ استثنائي، فأسهمت بمشورتها وخبرتها في أن يخرج الأردن، مرة بعد مرة، من أتون إقليمٍ ملتهب بأقل الخسائر، وأكثر ما يمكن من الكرامة والسيادة...
وإذا كانت السياسة تُختبر في المنعطفات، فإن الجندية تُختبر في اللحظة التي يُصبح فيها الوطن أثقل من الحياة نفسها. هناك، كتب الجيش العربي فصله الأصدق. ففي عام 1948، لم تكن القدس شعارًا، بل موقعًا يُدافع عنه بالسلاح، حين قاد حابس باشا المجالي معارك اللطرون وباب الواد، فأوقف التقدّم الإسرائيلي نحو المدينة، وثبّت القدس الشرقية عربية بالفعل العسكري لا بالبيانات. وعلى امتداد محاور القتال في الضفة الغربية، ثبّت المواقع الأردنية ومنع اختراقها في لحظات كانت فيها الجبهة على حافة الانكسار. ثم جاءت الكرامة عام 1968، لا كخطاب معنوي، بل كمعركة مكتملة الأركان، حين قاد حابس المجالي ومشهور حديثة الجازي القوات الأردنية وأجبر الجيش الإسرائيلي على الانسحاب، تاركًا خلفه آلياته المدمّرة، في أول تراجع ميداني حقيقي له. وفي حرب تشرين عام 1973، قاد خالد الهجوج المجالي، ثعلب المدرعات، عملية ردع الهجوم المضاد للعدو في الجولان والحول دون أن يتحول النصر إلى هزيمة فأعاد بناء الخطوط الدفاعية، وتنظيم القيادة والسيطرة، وحماية تماسك الجيش في أكثر مراحل الحرب دقة وحساسية. وفي السماء، لم يكن الطيارون شهودًا، بل مقاتلين، إذ استُشهد فراس العجلوني ورفيقه موفق السلطي خلال تنفيذ طلعات قتالية في حوب السموع 1966 وحرب 1967 دفاعًا عن سماء الوطن. وعلى الأرض، وفي لحظة اختُصر فيها الوطن في موقع، قال الجندي خضر شكري دنكجيان في معركة الكرامة عام 1968 كلمته التي تجاوزت الحرب إلى التاريخ: "الهدف موقعي… اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله... إرمي... إرمي... إنتهى... "، فكانت قرارًا أوقف التقدّم المعادي، وخلّد معنى الجندية بوصفها فعل فداء لا طلب نجاة. هكذا لم تُصَغ بطولة الجيش العربي في الذاكرة، بل في الميدان، ولم تُورَّث كحكاية، بل كعقيدة دفاعٍ عن وطنٍ عرف رجاله متى يُقاتَل… ومتى يُستشهَد...
وإذا كان الجيش العربي قد صان حدود الوطن في ميادين المواجهة المفتوحة، فإن الأجهزة الأمنية الأردنية حملت عبء حماية الدولة من الداخل، في معركةٍ صامتة لا تُوثَّق غالبًا إلا بالدم. قادةٌ أدركوا أن الأمن ليس قبضة، بل وعيٌ وانضباط واستباق. كان محمد رسول الكيلاني من الذين أسّسوا مدرسة أمنية جعلت من الاحتراف والولاء للدولة معيارًا، فحافظ على تماسك الأردن في أكثر مراحله حساسية. ورسّخ، هو ونذير رشيد من بعده، مفهوم الأمن الوقائي، حيث تُجهَض الأخطار قبل أن تتحوّل إلى انفجارات، ويُحمى المجتمع دون أن يُرهق. أما مضر بدران، فقد جمع بين الخبرة الأمنية والقرار السياسي، وقاد الحكومة في لحظات دقيقة حافظ فيها على الاستقرار دون أن ينزلق إلى الفوضى. وفي مرحلة مفصلية من تاريخ الدولة، تولّى أحمد عبيدات مسؤولية الأمن الوطني ورئاسة الحكومة، فواجه التحديات بعقل الدولة لا بردّ الفعل، وحمى الشرعية في زمن الاضطراب. ومن تلاهم سار على نهجهم. وإلى جانب هؤلاء القادة، وقف رجال الميدان في الصفوف الأولى، ودفعوا حياتهم ثمنًا لحماية الأردن من الإرهاب، وفي مقدمتهم الشهداء معاذ الكساسبة وراشد الزيود وسائد المعايطة الذي ارتقوا جميعا خلال مداهمات في مواجهة الإرهاب، إلى جانب شهداء آخرين من الأمن العام والدرك والمخابرات، فرسان الحق، الذين سقطوا شهداء وهم يؤدّون واجبهم بصمتٍ كامل. هؤلاء لم يطلبوا مجدًا ولا ظهروا في الصور، لكن دماءهم كانت السطر الخفي الذي حفظ استقرار الوطن، وأكّد أن أمن الأردن لم يكن يومًا صدفة، بل حصيلة يقظةٍ دائمة وتضحياتٍ لا تُعلن...
ولم يكن ما حقّقه الأردن في التعليم والصحة، وما وفره من الإستقرار السياسي والأمني، عبر العقود مجرّد جهدٍ حكومي معزول، بل جاء في سياق بنيةٍ اقتصادية وطنية ممكنة بالاستقرار والقدرة على الاستمرار. فإلى جانب المدرسة والمستشفى والثكنة، كان هناك اقتصادٌ يُنتج ويُموِّل ويصبر، قادته عائلات وطنية رأت في الاستثمار شراكةً مع الدولة لا مضاربةً عليها. ففي القطاع المالي والمصرفي، أسهمت عائلتا شومان والمصري في تأسيس المصارف الوطنية وترسيخ الثقة بالعملة والائتمان، ما وفّر قاعدة تمويل للتجارة والصناعة والنمو طويل الأمد. وفي قطاع الصناعة والدواء، برزت عائلات السختيان ودروزة والطباع بتوطين صناعات دوائية وتجارية وصلت إلى الأسواق الإقليمية، وأسهمت في نقل المعرفة وبناء قيمة مضافة حقيقية. أما قطاع المقاولات والبنية التحتية والصناعة والخدمات الهندسية، فقد حملت رايته عائلات نقل وجردانة والقاضي، التي شاركت في تنفيذ مشاريع وطنية كبرى شكّلت ملامح العمران والصناعة الحديثة.
وفي التجارة والخدمات والصناعات التحويلية، كان لعائلات الصايغ وأبو خضر والفاخوري وأبو جابر والدجاني والسلفيتي والمعشر وغرغور وغيرها دورٌ في تشغيل آلاف الأردنيين وتوسيع قاعدة الاقتصاد الحقيقي. ومع تحوّلات المرحلة اللاحقة، برزت عائلات مثل الكردي والمناصير في قطاعات الطاقة والصناعة الثقيلة، مستثمرةً في مشاريع استراتيجية عزّزت أمن الطاقة ونوّعت القاعدة الإنتاجية. وهكذا تشكّل الاقتصاد الأردني عبر تراكمٍ صبور لرأس مالٍ وطني آمن بالدولة، واستثمر في الداخل، وبنى حضوره على العمل لا على الريع، فكان شريكًا أصيلًا في مسار الاستقرار والتنمية.
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
لم تُبنَ الدولة الأردنية على الورق وحده، ولا حمتها القوانين قبل أن تحميها القيم، بل قام بنيانها على مجتمعٍ متماسكٍ سبق الدولة واحتواها. ففي مرحلة التأسيس، كانت العشائر الأردنية العمود الفقري للأمن والاستقرار، والسند الحقيقي للحكم والإدارة، حين لم يكن للجيش العربي بعدُ عدده الكامل، ولا للأجهزة الأمنية بنيتها الحديثة. لعبت عشائر بني صخر وبني حسن وعبّاد وبني حميدة والدعجة، ومعها الحويطات والعجارمة والعدوان والسرحان وغيرها من عشائر الأردن التي تضرب بجذورها أعماق الأرض وتعانق بفروعها عنان السماء، دورًا حاسمًا في الحفاظ على الأردن واستقراره وأمنه وبنائه. فمنذ البدايات كان لهم الدور البارز في حماية الطرق، وضبط البوادي، وتأمين القرى والمدن، وفرض السلم الأهلي، بالتوازي الكامل مع نشوء الجيش العربي وتطوّر مؤسسات الدولة. لم تكن هذه العشائر قوى منفصلة عن الدولة، بل كانت الدولة في طورها الاجتماعي الأول؛ منها خرج الضباط والجند، ومنها خرج القادة والإداريون والوجهاء، وحين استقر الحكم، سلّمت دورها الطبيعي لمؤسسات الدولة دون صراع، لأن هدفها لم يكن سلطةً ولا امتيازًا، بل وطنًا آمنًا قائمًا. وهكذا، تَشكّل النموذج الأردني الفريد: دولة حديثة تستند إلى جيشٍ منضبط، وأجهزةٍ مهنية، ومجتمعٍ عشائريٍّ واعٍ اختار أن يكون حارس الاستقرار لا بديله، وشريك البناء لا عائقه. ولهذا، بقي الأردن متماسكًا حين تهاوت دول، لأن جذوره لم تكن في السلطة وحدها، بل في العشيرة التي فهمت باكرًا أن قوة الدولة من قوتها، وأن بقاء الوطن هو أعلى مراتب الشرف..
ولم تكن الدولة الأردنية حكرًا على أصلٍ واحد، ولا نتاج جماعةٍ بعينها، بل كانت ثمرة تلاقي أقدارٍ مختلفة على أرضٍ واحدة. فمنذ البدايات، أسهم الأردنيون من شتّى الأصول والمنابت في بناء الدولة وحماية أمنها واستقرارها، لا بوصفهم ضيوفًا أو طارئين، بل مواطنين كاملي الانتماء. كان الشركس والشيشان في طليعة من أسّسوا المدن وحموا الطرق والتحقوا مبكرًا بالجيش والأجهزة الأمنية، فكانوا نموذجًا للانضباط والوفاء للدولة الناشئة. وأسهم الأرمن بجهدهم ومهنيتهم وحرفيتهم العالية في الاقتصاد والعمران والإدارة، فكان حضورهم ركنًا من أركان البناء المدني. ووقف المسيحيون الأردنيون، ملح الأرض، منذ التأسيس، شركاء أصيلين في القرار والبرلمان والجيش والقضاء والتعليم، حاملين قيم المواطنة والاعتدال، ومؤكدين أن الهوية الوطنية لا تُقاس بالدين بل بالانتماء والالتزام. هكذا تشكّل النموذج الأردني الفريد: دولةٌ آمنة لأن أبناءها، على اختلاف أصولهم، اتفقوا على وطنٍ واحد وقانونٍ واحد ومصيرٍ واحد. ولم يكن هذا التنوّع مصدر ضعف، بل مصدر قوةٍ واستقرار، لأن الجميع اختار أن يكون شريكًا في الحماية والبناء، لا متفرّجًا على التاريخ. ولهذا، بقي الأردن متماسكًا؛ لأن نسيجه لم يُفرض بالقوة، بل نُسج بالثقة، وتكرّس بالمواطنة، وحُرس بالولاء الصادق للوطن...
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
في الأردن، لم تكن الوحدة الوطنية يومًا بندًا في خطاب، ولا صيغة توافقية عابرة، بل كانت جوهر الدولة وروحها الصلبة. نحن في هذا الوطن لا نُعرّف أنفسنا بالأصول والمنابت، بل بالموقف والانتماء والمصير. نحن جميعًا أردنيون في الداخل، نحمل دولة واحدة لا تتجزأ، وقانونًا واحدًا لا يُفاضَل فيه، وراية واحدة لا تُنكّس. ونحن جميعًا فلسطينيون في الخارج، نحمل قضية واحدة لا تُساوَم ولا تُفَوَّض، لأن فلسطين لم تكن يومًا “قضية أشقاء”، بل قضية الأردن نفسه: تاريخًا، وجغرافيا، وأمنًا، ووجودًا. هكذا علّمنا التاريخ قبل السياسة؛ هكذا غرس فينا الآباء والأجداد قبل أن تعلمنا الكتب. حتى في زمن الفتوحات الإسلامية، لم تُقسَّم هذه الأرض بهويات ضيقة، بل كان جند فلسطين جنوب البحر الميت شرقا وغربا، وكان جند الأردن شماله شرقًا وغربًا على ضفاف نهر الأردن، ممتدًا حتى ساحل المتوسط. وكما كان أجدادنا يروون لنا كيف كان التنقل من إربد إلى نابلس أو من الكرك إلى الخليل أسهل بكثير من التنقل من اربد إلى الكرك. وكأن الجغرافيا والعقيدة كانتا تقولان معًا إن هذه الأرض وحدة واحدة لا تعرف القَطع ولا الفصل. ومن هنا، فإن ما يجمعنا أكبر من كل الرموز الجميلة التي نعتز بها؛ أكبر من الفيصلي والوحدات، وأعمق من المنسف والملوخية، وأرسخ من الشماغ الأحمر والشماغ الأسود. ما يجمعنا هو وحدة التاريخ ووحدة المصير في وجه مشروعٍ لم يتوقف يومًا عن استهداف الأردن كما استهدف فلسطين.
ومن هذا الفهم العميق، جاء الدور الأردني في القدس، لا بوصفه موقف تضامن، بل مسؤولية سيادية وأخلاقية وتاريخية. فالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية لم تكن امتيازًا سياسيًا ولا عنوانًا بروتوكوليًا، بل عهدًا ثابتًا حُمل منذ الشريف الحسين بن علي، وترسّخ عبر الملوك الهاشميين، وصار اليوم خط الدفاع الأول عن هوية القدس العربية والإسلامية والمسيحية. في القدس، لم يقف الأردن يومًا على الحياد، ولم يساوم، ولم يبدّل ثوابته؛ دافع عن المسجد الأقصى، وحمى المقدسات، وواجه محاولات التهويد، ودفع كلفة موقفه سياسيًا واقتصاديًا، لأنه يعرف أن التفريط في القدس تفريط بالذات الأردنية نفسها. ولهذا، حين حاولت المشاريع المعادية اللعب على الهويات داخل الأردن لتفكيكه من الداخل، فشلت؛ لأن هذا الشعب فهم باكرًا أن فلسطين ليست عبئًا على الأردن، بل جزءًا من تعريفه لنفسه، وأن القدس ليست عنوانًا بعيدًا، بل بوصلة وطنية لا تنكسر. هكذا بقي الأردن متماسكًا وقويًا: دولةً واحدة، وشعبًا واحدًا، وموقفًا واحدًا، يعرف أن وحدته ليست خيارًا سياسيًا، بل قدرًا تاريخيًا، ومصيرًا لا رجعة عنه، وخطًا أحمر لا يُمتحَن.
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
ألتسعينات كانت مرحلة الواقعية السياسية بين الضرورة والضبابية... فمع نهاية الحرب الباردة وانهيار نظام القطبية الثنائية، تغيّر العالم بسرعة لم تُتح للدول الصغيرة ترف التردّد. دخل الأردن التسعينيات مثقلًا بأعباء جسيمة: اقتصاد هشّ، شحّ في الموارد، حصار إقليمي غير معلن، وتداعيات حرب الخليج التي أضعفت شبكة علاقاته التقليدية وأثّرت في أمنه الاقتصادي والسياسي. في ذلك السياق الدولي الضاغط، وجدت القيادة الأردنية نفسها أمام خيارات صعبة، أحلاها مر، وكلّها مُكلفة، ولا يخلو أيٌّ منها من المخاطر.
كان قرار توقيع معاهدة السلام عام 1994 مع إسرائيل قرار دولةٍ تسعى إلى تثبيت وجودها وحماية مصالحها العليا في إقليمٍ مضطرب، أكثر مما كان تعبيرًا عن ثقةٍ بحسن نوايا الطرف الآخر. أدرك الأردن، بواقعية صارمة، أن ميزان القوى الدولي لا يعمل لصالح الرفض المطلق، وأن البقاء خارج الترتيبات الجديدة، وخاصة بعد توقيع الأشقاء الفلسطينيين اتفاقية أوسلو في العام الذي سبقه، قد يعرّض أمنه واقتصاده لضغوط لا يحتملها. كما رأى في المعاهدة محاولةً لضبط الحدود، وتأمين المياه، وكبح احتمالات التهجير القسري، وحماية الدور الأردني في القدس، وإدارة الصراع بأدوات سياسية بدل أن يُفرض عليه بأدوات القوة وحدها.
ومع ذلك، لم يدخل الأردن هذا المسار بوهم السلام الكامل، ولا بإنكارٍ لتاريخ إسرائيل وأطماعها المعروفة في الأردن وفلسطين. كان في صلب الوعي الأردني، الرسمي والشعبي، إدراكٌ عميق بأن إسرائيل لن تتخلى عن سياسات الهيمنة ولا عن تهديد الأمن والسيادة الأردنية متى سنحت لها الفرصة، وأن السلام في هذه المنطقة سيبقى هشًّا ما دامت العدالة غائبة. لذلك، لم يرَ الأردن في المعاهدة تخلّيًا عن فلسطين، بل إدارةً اضطرارية للصراع، مع الحفاظ على ثوابته التاريخية في دعم الحقوق الفلسطينية ورفض التوطين والوطن البديل.
وفي خضمّ هذا الجدل الوطني العميق، برزت مواقف مبدئية داخل الدولة نفسها، عبّرت عن القلق من ضبابية الاتفاق وحدود ضماناته. وكان من أبرز هذه المواقف استقالة جدكم ذوقان الهنداوي من حكومة الدكتور عبد السلام المجالي، استقالة لم تكن اعتراضًا على الدولة ولا على شرعيتها، بل موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا نابعًا من قناعة راسخة بأن الاتفاق، بصيغته ومرجعياته، يحمل أخطار استراتيجية على المدى البعيد، وأن الغموض الذي اكتنف بعض بنوده قد يُستخدم لاحقًا للضغط على الأردن وتهديد أمنه ودوره التاريخي. وبعد مرور ما يقارب ثلاثة عقود على توقيع المعاهدة، تبيّن أن كثيرًا من تلك التحفّظات لم تكن تشاؤمًا ولا مزايدة، بل استشرافا وقراءة مبكرة لواقعٍ لم يتغيّر: إسرائيل ما زالت تمارس سياسات التوسّع والعدوان، وتواصل تهديدها المباشر وغير المباشر للأمن الأردني، وتتنصّل من التزاماتها الأخلاقية والسياسية. وهنا، تتجلّى قيمة المواقف التي سُجّلت في وقتها، لا بوصفها معارضة، بل شهادات وطنية صادقة للتاريخ.
أيُّ بُنَيّ…
هكذا تُفهم التسعينيات في السردية الأردنية... مرحلة اختارت فيها الدولة الواقعية القاسية بدل المغامرة، وسجّل فيها رجال دولة مواقفهم بوضوح، بعضهم تحمّل عبء القرار، وبعضهم تحمّل كلفة الاعتراض. وبقي الأردن، رغم ذلك كله، ثابتًا على جوهره: دولة تعرف حدودها، وتحمي نفسها، ولا تساوم على هويتها، حتى وهي تمشي في أكثر الطرق وعورة.
أي بني ذوقان...
وبموازاة مسار البناء السياسي والتنموي، برز دور سمو الأمير الحسن بن طلال بوصفه عقل الدولة الهادئ الذي اشتغل على المستقبل بصبرٍ وبعد نظر، وبتوجيه مباشر من المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال. فمنذ ستينيات القرن الماضي وحتى تسعينياته، اضطلع الأمير الحسن بدور محوري في توجيه وقيادة عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، واضعًا الأسس الفكرية والمؤسسية للتخطيط طويل الأمد، في بلدٍ محدود الموارد واسع الطموح. فكانت الخطط الخمسية والعشرية الشاملة للتنمية المستدامة. فنفذت بتوجيهاته ورعايته ومتابعته الحثيثة. فبنيت المدارس والمستشفيات والجامعات ومراكز البحث العلمي والمنتديات الفكرية، مثل المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا والجمعية العلمية الملكية وجامعة الأميرة سمية للتقنية ومنتدى الفكر العربي، وشيدت المصانع، الإسمنت والفوسفات والبوتاس وشركة الكهرباء وغيرها، وأنشأت شبكات الطرق والمياه والإتصالات والكهرباء لتخدم الوطن والمواطن من أقصاه لأقصاه. لم يكن دوره توجيهيا أو تنفيذيًا عابرًا، بل دور عقلٍ استراتيجي عمل على ربط التعليم بالاقتصاد، والتنمية بالعدالة، والنمو بالاستدامة، وأسهم في إطلاق مبادرات فكرية وتنموية هدفت إلى بناء الإنسان قبل البنيان، وإلى تحقيق التوازن بين متطلبات الحاضر وحقوق الأجيال القادمة.
وفي الوقت ذاته، شكّل الأمير الحسن صوت الحكمة الأردنية في العالم، ومرجعًا دوليًا في حوار الأديان والثقافات، مدافعًا عن قيم الاعتدال والعيش المشترك، ومؤكدًا أن الدين، في جوهره، جسر تواصل لا أداة صراع. بهذا الدور، لم يكن يمثل الأردن فحسب، بل قدّم نموذجًا أخلاقيًا وفكريًا لدولة صغيرة تؤمن بأن مكانتها تُبنى بالعقل والمعرفة كما تُبنى بالمواقف. ومع انتقال الراية، كان الأمير الحسن ثابتًا في دعمه المطلق لمسيرة الدولة، مساندًا جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين في مشروعه الإصلاحي والتحديثي، ومؤكدًا وقوفه الكامل خلف ولي العهد المحبوب سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ودعمه لسموه، بوصفه امتدادًا طبيعيًا لنهجٍ هاشميٍّ يقوم على الحكمة والاستمرارية والمسؤولية التاريخية. هكذا اكتمل المشهد: قيادةٌ تبني، وعقلٌ يخطط، ومرجعيةٌ فكرية تحمي البوصلة، ليبقى الأردن، كما كان دائمًا، دولة توازنٍ ورشدٍ في إقليمٍ قلّ فيه التوازن وكثُر فيه الاضطراب...
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
حين تولّى جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين سلطاته الدستورية عام 1999، لم يكن الأردن يدخل عهدًا جديدًا فحسب، بل كان يدخل قرنًا مختلفًا بالكامل: قرن العولمة المتسارعة، والثورة الرقمية، والاضطرابات الإقليمية المفتوحة، وانهيار اليقينيات القديمة. ورث دولةً مستقرة سياسيًا، لكن مواردها غير مستغلة، ومحاطة بإقليمٍ لا يعرف الهدوء. وكان التحدي الأكبر أمامه أن يحافظ على توازن دقيق: أن يُحدّث الدولة دون أن يفقدها هويتها، وأن ينفتح على العالم دون أن يذوب فيه، وأن يحمي الاستقرار دون أن يُجمّد الطموح. لم يَعِد الأردنيين بالمعجزات، ولم يبعهم أوهامًا، بل اختار الطريق الأصعب: طريق بناء الدولة تحت الضغط، لا الهروب من الواقع. قاد مسارًا شاقًا لتحديث الأردن سياسيًا واقتصاديًا وإداريًا، في زمنٍ لم يكن فيه الإصلاح رفاهًا، بل ضرورة بقاء. واجه الأردن خلال ربع قرن أزمات لو اجتمعت على غيره لأسقطته: طاقة شحيحة، مياه نادرة، أزمات مالية عالمية، حروب أغلقت الأسواق، وجغرافيا تحوّلت من نعمة إلى عبء. ولم تمرّ سنة دون زلزال: العراق، الربيع العربي، سوريا، الإرهاب، كورونا، الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى أبشع ما عرفه هذا العصر من إبادة جماعية وجرائم حرب وتهجير قسري في غزة. ومع ذلك، لم ينكسر الأردن، ولم يبدّل بوصلته، ولم يساوم على أمنه ولا على كرامته.
وفي قلب العاصفة، وبرؤية وقيادة جلالته، لم تتوقّف الدولة، بل عملت. أُطلقت رؤية التحديث السياسي لتوسيع المشاركة وبناء حياة حزبية حقيقية، وتعدّل الدستور وقوانين الأحزاب والانتخابات وغيرها، وفُتحت الأبواب أمام مشاركة الشباب والمرأة الفاعلة، لا كزينة خطابية، بل كقوة سياسية قادمة. وأُطلق برنامج التحديث الاقتصادي ليحوّل القيود إلى فرص، فتنوع الاقتصاد، ونمت الصادرات، وبرزت صناعات أردنية تنافس عالميًا في الدواء والتقنية والتعدين والملبوسات وغيرها، وانطلقت مشاريع كبرى ومدن جديدة وبنى تحتية، رغم كل الضغوط. وتقدّم التحديث الإداري بخدمات رقمية ومنصّات موحّدة، لأن الدولة القوية تُقاس بقدرتها على خدمة مواطنيها بعدالة وكفاءة.
لم تتحقق كل الطموحات بني، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الأردن حافظ على تماسكه، وتجنّب الانهيار الذي أصاب دولًا أكبر وأقوى وأغنى.
وفي إقليمٍ يشتعل، كان الأردن بقيادة جلالته صوت الحكمة لا ضجيج المغامرة. لم ينجرّ إلى الفوضى، ولم يُصدّر الأزمات، وحمى أمنه الداخلي ونسيجه الاجتماعي، وفتح بابه للاجئين بإنسانية نادرة رغم الكلفة الثقيلة. وكان ذلك ممكنًا لأن القيادة كانت هادئة، والمؤسسات صامدة، والشعب واعيًا يعرف أن البديل عن الدولة هو الفوضى. وعلى الساحة الدولية، لم يكن موقف الأردن مجاملة ولا استعراضًا؛ كان موقف ضرورة وضمير. دافع عن فلسطين بثبات، وحذّر من التطرف، وحمل رسالة الاعتدال والحوار، ووقف في وجه الظلم حيثما كان.
وتجلّى هذا الموقف في غزة، حين قال الأردن كلمته بوضوح لا لبس فيه: لا للإبادة، لا للتهجير، لا لجرائم الحرب. رفع جلالة الملك صوته في كل المحافل، بلا تردد ولا مواربة، فالتقت القيادة مع نبض الشارع، وتوحّد الموقف الوطني. وحين عاد جلالته وولي العهد المحبوب إلى الوطن، خرج الأردنيون بالملايين، يهتفون لقائدهم، يستقبلونه بالورود، في مشهدٍ عفويٍّ صادق قال للعالم كله: هنا شعب يعرف قائده، وهنا قيادة تعبّر عن شعبها.
في كل هذا بني كان الشعب الأردني دوما السند الحقيقي لقيادته ووطنه التي التف حولها والتحم معها وعض عليها بالنواجذ. فمهما قيل عن الحكومات ورؤسائها وشخوصها وسياساتها وأدائها، إيجابا أو سلبا، فإن أعظم إنجازات هذا العهد كان الحفاظ على تماسك المجتمع الأردني. شعبٌ متنوّع الأصول، موارد إما محدودة أو غير مستغلة لقلة الإمكانات وكثرة الضغوطات الآنية، كثير الأعباء، لكنه بقي متماسكًا، معتزًا بدولته، وملتفًا حول قيادته في أصعب اللحظات. هذا الالتفاف لم يكن خوفًا، بل وعيًا جماعيًا بأن البديل عن الدولة ليس الحرية، بل الفوضى...
هكذا نُعرّف هذا العهد: إصلاح تحت النار، وصمود في وجه العواصف، وموقف أخلاقي حين يختبر التاريخ الرجال. لم يكن الطريق سهلًا، ولا الكلفة قليلة، لكن الأردن بقي واقفًا… لأن قيادته اختارت الحقيقة، ولأن شعبه اختار الدولة...
أي بُنيّ…
أما سردية الغد... فيجسدها سمو ولي العهد... ففي قلب هذا المشهد، برز سمو ولي العهد المحبوب، الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، بوصفه وجه المستقبل الأردني. يمثّل الأمير الحسين جيلًا جديدًا من القيادة... جيلكم... قريبًا من الشباب، ملمًّا بلغتهم، واعٍ بتحديات العصر الرقمي، وحاملًا لرؤية تربط بين الطموح والواقعية. يحمل ولي العهد خطابًا واضحًا: أن الأردن لا يملك ترف الانتظار، وأن المستقبل يُصنع بالعمل، وبالابتكار، وبإطلاق طاقات الشباب، وببناء اقتصاد إنتاجي، ودولة أكثر كفاءة وعدالة.
أيُّ بُنَيّ ذوقان…
حين ننظر إلى الأردن اليوم لا نزعم أنه وطن بلا تحديات، ولا نقدّمه لك وجيلك بأنه دولة مثالية بلا أخطاء، بل نقدّمه بصدق بوصفه قصة صمودٍ مستمر. قصة بلدٍ صغير رفض أن يكون ضحية الجغرافيا والسياسة، واختار أن يكون فاعلًا رغم كل القيود...
هذه هي سرديتي الأردنية، أضعها بين يديك، لا لتكتفي بفهمها واستيعاب معانيها وحفظها، بل لتُكملها أنت وكافة أقرانك كما جدك الأكبر وجدك وأنا وكافة رجالات أزماننا قمنا... هذه ليست حكاية ماضٍ نرويها للتفاخر، بل أمانة نحملها، حملها الآباء والأجداد بالوعي حينًا وبالعرق حينًا وبالدم حينًا آخر، وسلّموها لنا لا لنحفظها في الذاكرة فقط، بل لنحميها بالفعل. وقد تختلط في هذه السردية سيرة الوطن، عامه بخاصه، لا ادّعاءً ولا تعظيمًا، بل لأن تاريخ الأردن كُتب بأسماء رجالات عظام كما كُتب باسم الدولة، ولأن الاستقلال والبناء لم يكن قرارًا فوقيًّا فحسب، بل مسيرةً شارك فيها الناس جميعًا. ومع ذلك، فليكن واضحًا بأن كل ما سرد، على طوله، ليس إلا جزءًا يسيرًا من السردية الوطنية الأردنية الكبرى، فسردية الوطن ليست رواية فرد ولا حكر جيل، بل فسيفساء وطنية لا تكتمل إلا إذا أضاف كل أردني
حجره فيها...
ولهذا نقول اليوم بثقة ومسؤولية أن الأردن لم يُخلق ليكون ذكرى، ولا ليُدار بالحنين، بل مشروعًا مفتوحًا على المستقبل، لا يعيش إلا بوعي أبنائه ولا يستمر إلا بأمانتهم... وإذا سُئلتم يومًا بني لماذا بقي الأردن، فقولوا دون تردد: لأنه يملك سردية، ولأن أبناءه، في كل جيل، اختاروا أن يكونوا أمناء عليها...
هنا تمّت السردية بني… وهنا تبدأ المسؤولية...
حفظ الله الأردن عزيزا وقويا ومنيعا... وحماه شعبا وأرضا وقيادة....