أين أنتم من جريمة ضد عشرة ملايين قلب؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
14-02-2026 06:05 PM
كنا نرى في وحدة الجرائم الإلكترونية.. حصنا يحمي الناس من الطعن الخفي.. وسندا لكل من يُستهدف ببهتان.. وما زال الأمل أن يبقى دورها أوسع من مجرد ملاحقة الكلمات.. وأن تمتد حمايتها إلى صون السلم المجتمعي بكل ما فيه من هشاشة وحساسية..
غير أن سؤالا يتردد في وعي الناس بهدوءٍ قلق.. هل ضاقت المساحة.. حتى باتت بعض الأقلام تخشى مجرد التلميح إلى شبهة.. أو دعوة جهة رقابية إلى النظر.. لا إلى الإدانة؟!.. وهل أصبح السؤال نفسه مخاطرة.. والإشارة إلى خلل محتمل تُقرأ كقدح أو ذم؟!..
لسنا هنا في مقام اتهام.. بل في مقام رجاء أن تبقى المعادلة متوازنة.. فلا يخاف الصادق من طرح تساؤل مشروع.. ولا يختبئ أي خلل خلف رهبة النصوص.. بل يكون القانون مظلة تحمي الجميع.. أفرادا ومجتمعا.. ووجدانا عاما قبل كل شيء..
ثم يمر أمام أعيننا مشهد لا يحتاج إلى تأويل.. شاب يستعرض ثلاثة كلاب.. أحدها بثمن 15 ألف دولار.. وسلاسل من ذهب وألماس.. تصل قيمة إحداها إلى 45 ألفا والأخرى 25 ألفا.. ومصروف شهري 1500.. عدا عن قص الشعر والحمام بحوالي 60 دينار.. والمشهد يُنشر ويُروّج ويُصفّق له..
وهنا لا أتحدث عن مقطع عابر في فضاءٍ افتراضي.. بل عن صورة تُبث.. وتُضخ.. في شرايين مجتمع تعصف به تسوناميات الفقر والبطالة.. عن وطنٍ يئن فيه كثيرون من العوز.. ومن غياب الأساسيات قبل الكماليات.. بيننا مَن لا يجد قوت يومه.. مَن يغوص في حاويات القمامة.. بحثا عن بقايا طعام.. مَن احدودب ظهره.. وهو يلتقط علب المشروبات ليبيعها بقروش قليلة يشتري بها رغيف خبز.. في هذا السياق تحديدا.. لا يعود المشهد استعراضا شخصيا بريئا.. بل يتحول إلى طعنة في وجدان منهك.. وإلى رسالة قاسية تُقرأ في بيوتٍ يغلب عليها الصمت والقلق..
لسنا ضد رزق أحد.. ولا نحاسب الناس على ما يملكون.. فالرزق بيد الله.. ولكننا نسأل عن التوقيت.. عن الحس الوطني.. عن معنى أن تُبث مثل هذه المشاهد في فضاءٍ مكتظ بالفقر..
أليس في ذلك استفزاز لمشاعر المنهكين؟!..
أليس فيه إشعال لفتيل غضب قد لا يُحمد عقباه؟!..
أليس من مسؤولية الناشر قبل المتلقي.. أن يزن أثر ما ينشر.. لا عدد المشاهدات فقط؟!..
إذا كانت الجرائم الإلكترونية تلاحق كلمة قد تسيء لسمعة شخص.. أفلا يحق للمجتمع.. أن يُحمى من محتوى يطعن كرامته الجمعية؟!..
إذا كان التشهير يُقاس بضرر يقع على فرد.. فماذا نسمي ضررا معنويا يُبث في وجه شعب بأكمله؟!..
وهل التحريض يكون فقط بخطاب سياسي مباشر.. أم قد يكون أحيانا بصورة لامعة في غير مكانها.. وفي غير زمنها؟!..
الوطن ليس شاشة.. والمجتمع ليس جمهورا عابرا.. نحن أمام حساسية لحظة اقتصادية واجتماعية لا تحتمل العبث.. والمسؤولية هنا أخلاقية.. قبل أن تكون قانونية.. لأن القانون قد يُمسك بالنص.. لكنه لا يمسك بالوجدان.. والوجدان إذا انكسر.. لا تعالجه محكمة..
ليست القضية كلبا.. ولا سلسلة ذهب.. أو ألماس.. بل فجوة تتسع بين واقعين.. واقع مَن يملك أن يُنفق الآلاف على الرفاه.. وواقع مَن يحصي الدنانير ليشتري خبزا.. وحين تُعرض الفجوة بلا وعي.. فإنها لا تكون استعراضا شخصيا فقط.. بل عنوانا لشرخ اجتماعي يتسع بصمت..
فهل تتحرك الجهات المعنية لحماية السلم المجتمعي.. كما تتحرك لحماية السمعة الفردية؟!.. وهل ندرك أن أخطر الجرائم ليست دائما تلك التي تُكتب بحروف.. بل تلك التي تُبث بصور تُشعر الملايين.. بأنهم خارج المشهد؟!..
هنا السؤال.. وهنا الامتحان.. بين قانونٍ يطارد الكلمات.. وضميرٍ يحرس الوطن..