السلط تستنهض ذاكرتها .. نداءُ الوفاء لبيوتها التراثية (2)
م. عبد الغني طبلت الايوبيين
15-02-2026 08:14 AM
تجلى المشهد الحضري لمدينة السلط بهويةٍ بصرية تشكل معظمها من أبنية عامة وبيوت حجرية صفراء ، انتجت شخصية حضرية نابضة بمحتوى ديناميكي زاخر بالأحداث والمواقف التي تعاقبت عليها ، وغدت بمثابة المستوعب الأمين للذاكرة الجماعية التي اختزنت تفاصيل الحياة اليومية السلطية وجسدت أبهى صور السلم المجتمعي والتعايش المشترك بين مختلف مكوناتها المجتمعية ، وأنتجت نسيجا إنسانيا متناغماً وبنياناً متراصاً شد بعضه بعضا الى يومنا هذا
إن ما أبدعته الأيادي الماهرة لأصحاب الخبرات النوعية من بنائين وفنيين ومتخصصين ؛ ممن وفدوا بمالهم وعيالهم لمدينة السلط من شتى مناطق بلاد الشام ليستقر غالبيتهم ويتوطنوا فيها ، ويخرجوا افضل ما في جعبهم - حيث تميز هؤلاء في قدراتهم على التعاطي مع الطرز المعمارية والأنظمة الإنشائية ذات النمط والطبيعة الحضرية التي كانت سائدة ومنتشرة إبان الحقبة العثمانية (التي استمرت حتى عام 1920) في الحواضر القريبة منها ؛ بما فيها دمشق ونابلس وبيروت والقدس - وتمكنوا من تطويعها وتكييفها وإدخالها لمدينة السلط بكل سهولة ويسر ؛ لكن بشخصية تتفاوت نوعا ما عن نظيراتها ، نتيجة لتباين جغرافية وطبوغرافية المكان - الانحدارات الجبلية والأودية وطبيعة التربة - واختلاف خواص وامكانيات مواد البناء المتوفرة في محيطها وبخاصة الحجر بشقيه الأصفر المهذب والغشيم - بخصائصه الجيرية الطرية وطبيعته المسامية - المستخرج من المحاجر المحلية في السلالم ووادي السلط
ومن هنا فإننا نستطيع القول بإن كل ماسبق يظهر جليا مدى الجهد الكبير الذي بذل في سبيل إخراج صورة مدينة السلط بشكلها وأبعادها الحضرية الزاهية ، وإظهار ابنيتها على وجه الخصوص ، وكأنها لوحة فنية ذات ابعاد ثلاثية متسقة لكنها فريدة ، اتسمت بمعاني الدفئ والرقة ، وتحلت برمزية الرصانة والوقار ، قامت برسمها أنامل فنان ملهم أبدع في تجسيد رونقها وجمالها ، وأجاد في إبراز تناسق عناصرها وتناغم ألوانها الذهبية الصفراء التي انتجت تباينا ماديا خلق أثرا سيكولوجيا مريحا للنفس ، بعد ان تداخل مع غطائها النباتي الأخضر ، وتكامل مع مناظرها الجمالية اللافتة ، وانسجم مع صخور جبالها ذات الألوان التي تتغير مع كل حركة لأشعة الشمس في سمائها الزرقاء الصافية ، وبذلك فإن أبنية الحجر الأصفر المشرئبة ، غدت جزءا أصيلا من كينونة المدينة وتاريخها المتجذر ، وأصبحت مكونا أساسيا في تراثها المتأصل بشقيه المادي واللامادي
الا ان مايحز بالنفس ويترك أثرا عميقا فيها ، هو أن تلك اللوحة الفنية الحضرية الرائعة الزاخرة بكل أبعاد الأبنية التراثية في المدينة ، كانت ومازالت تتعرض للخدش والعبث والتخريب ، نتيجة لزحف عوامل الطبيعة من انهيار وتعرية وهبوط وتآكل وتراكم لغبار السنين من جهة ، ومن نتائج المؤثرات البشرية على ديمومتها من هجران ورحيل وتخلي وإزالة وإهمال وتقصير وعدم صيانة من جهة أخرى ، الأمر الذي حولها الى خرابات ومجمعات للقاذورات والنفايات ومرتع خصب للحيوانات والقوارض وملجأ لأصحاب النفوس المريضة ، وبات يهدد بطمسها وفنائها واختفائها عن الوجود إن لم تمتد إليها سواعد الرعاية والعناية
إن بيوت السلط التراثية تنادي أبناءها وأهلها ومحبيها ومختلف الجهات الشعبية والرسمية والتطوعية ذات العلاقة ، وتوجه اليهم عتبٍا نبيلا ومناشدة إنسانية صادقة تحثهم على ان تتظافر جهودهم وتتكاتف سواعدهم في وقفة وفاء واعتراف بالفضل ، تعيد لهذه البيوت التراثية ألقها وصحتها وسلامتها ووجهها المشرق ما أمكن ، من خلال تنفيذ مبادرات ونشاطات وفعاليات تبدأ بأعمال التنظيف وإزالة المخلفات والتخلص من القوارض وإزالة الخرابات في أقرب فرصة ممكنة ، باعتبارها خطوة استباقية مهمة ولازمة تمهد لأعمال الترميم المؤسسي الممنهج في المستقبل القريب
وللحديث بقية