عبد الرؤوف الروابدة .. حين تتكلم ذاكرة الدولة بصوتٍ واثق
أ.د. أحمد منصور الخصاونة
15-02-2026 09:49 AM
في زمنٍ تتآكل فيه الذاكرة السياسية، وتتقدّم الشعارات السريعة على حساب التجربة العميقة، تبدو الحاجة ماسّة إلى أصواتٍ تعرف الدولة من داخلها، لا من هوامشها. وفي هذا السياق، يبرز اسم عبد الرؤوف الروابدة بوصفه أحد أبرز من جسّدوا مدرسة الدولة الأردنية في معناها المؤسسي الرصين؛ لا باعتباره رئيس وزراء أسبق فحسب، بل بوصفه حالة سياسية متكاملة، وذاكرة وطنية حيّة ما تزال متصلة بجذورها الأولى.
لم يكن الروابدة عابراً في مسيرة الدولة، ولم يتعامل مع مواقع المسؤولية بوصفها درجاتٍ في سلّم المناصب، بل بوصفها تكليفاً وطنياً يقتضي الفهم والإحاطة والصبر. عايش الدولة الأردنية في مراحلها المفصلية، ورأى كيف تُصاغ القرارات في لحظات الهدوء كما في أوقات الأزمات، وكيف تُدار التوازنات الدقيقة بين الداخل والخارج، بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات الإصلاح، وبين الثوابت الوطنية وضغوط الإقليم.
ينتمي الروابدة إلى جيلٍ تشكّل وعيه السياسي في مدرسة الانضباط المؤسسي والاحتكام إلى الدستور والقانون، حيث كانت الخبرة تُبنى بالتراكم لا بالقفز، ويُقاس الأداء بميزان المسؤولية لا بميزان الشعبية. لذلك، حين يتحدث عن الهوية الوطنية، أو أولوية الدولة، أو مفهوم المواطنة، فإنه لا يستند إلى تنظيرٍ مجرّد، بل إلى تجربةٍ عايشت تفاصيل الإدارة العامة، وتعرّفت إلى خفايا صنع القرار، وواجهت تحديات الواقع بلا شعارات زائفة.
لقد عرف الدولة فكرةً قبل أن يعرفها منصباً؛ فهم فلسفتها واستوعب بنيتها، وأدرك أن استقرارها ليس أمراً تلقائياً، بل نتيجة إدارة دقيقة للمصالح والتوازنات. خبر صراع المصالح، وتقاطعات القوى، وحساسية الموقع الجغرافي والسياسي للأردن، ولذلك جاءت مواقفه محكومة بحساباتٍ عميقة، لا بردود أفعال آنية.
اكثر من ستون عاماً من العمل العام ليست رقماً عابراً في سيرة رجل، بل مساراً طويلاً من الاحتكاك المباشر بمراكز القرار، ومن المعايشة الحقيقية لتعقيدات الحكم وإكراهاته. ولهذا، حين يتحدث، لا ينجرف وراء مزاج اللحظة، ولا يبحث عن عناوين جذابة، بل يقدّم قراءة واعية لمسار الدولة، مستحضراً دروس الماضي في مقاربة الحاضر.
وفي زمنٍ أصبح فيه النقاش العام سريع الإيقاع، ومختزلاً أحياناً في عباراتٍ حادّة أو مواقف آنية، يمثّل الروابدة نموذج السياسي الذي يفضّل وضوح الفكرة على بريق العبارة، وعمق التحليل على سرعة الانتشار. قد يختلف البعض مع بعض أطروحاته، غير أن الاختلاف لا ينتقص من حقيقة أنه يتحدث من موقع المعرفة المتراكمة، لا من موقع التجريب أو الانفعال.
إن حضوره المستمر في المشهد العام، بعد عقودٍ من الخدمة، لا يُقرأ بوصفه سعياً إلى دورٍ رمزي، بل تعبيراً عن قناعة راسخة بأن الخبرة مسؤولية، وأن رجل الدولة لا ينفصل عن وطنه بانتهاء المنصب. فهو ما يزال يقرأ الواقع بعينٍ خبيرة، ويطرح رؤيته بجرأةٍ ووضوح، انطلاقاً من إيمانٍ عميق بأن حماية الدولة وترسيخ هويتها المؤسسية واجبٌ دائم.
في لحظةٍ إقليمية مضطربة، وتحدياتٍ داخلية متشابكة، تتأكد أهمية الاستماع إلى أصواتٍ عركتها التجربة وامتحنتها المسؤولية. فالسياسة، في جوهرها، ليست مسابقة خطابة، بل إدارة معقّدة للمصالح، وصياغة دقيقة للتوازنات، وحماية مستمرة لهيبة الدولة ومكانتها. ومن هنا، فإن حضور عبد الرؤوف الروابدة في النقاش العام يظل إضافة نوعية، لأنه يذكّر بأن الدول تُبنى بالتراكم، وتُحفظ بالوعي، وتستمر حين تحترم خبرتها وتستفيد من ذاكرتها الحيّة.
يبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وتاريخه الممتد، نموذجاً للدولة التي صمدت في وجه العواصف، وحافظت على توازنها وسط إقليمٍ مضطرب. قوة الأردن لم تكن يوماً في الضجيج، بل في حكمة مؤسساته، ووعي نخبته، وصلابة شعبه. وحين تتكامل الخبرة مع الإرادة، وتتقدّم مصلحة الوطن على ما سواها، يظل الأردن قادراً على العبور من التحديات بثقةٍ وثبات. إنها دولة بُنيت بالتراكم، وحُفظت بالوعي، وستبقى ما دام أبناؤها يدركون أن حماية الوطن ليست خياراً، بل قدرٌ ومسؤولية.