facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"ثورة إنتاجية" تحت عنوان "عطلة ثلاثة أيام"


فيصل تايه
08-02-2026 11:30 AM

يبرز المقترح القاضي بتعطيل المؤسسات الرسمية ثلاثة أيام أسبوعياً في لحظة فاصلة من عمر الدولة ليبدو للوهلة الأولى انه مجرد تعديل روتيني في جدول الدوام، لكنه في جوهره يفتح نافذة لإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والدولة، وبين الأداء والكفاءة، وبين النظام والرفاهية ، اذ انه ليس مجرد يوم عطلة إضافي، بل دعوة لإعادة هندسة العمل، وترتيب الأولويات، ووضع الموظف في قلب العملية وليس في هامشها.

من وجهة نظري فان الإنسان المنهك لا يمكن أن يكون منتجاً فعالاً ، والموظف الذي يعيش حالة إرهاق مستمر لن يخدم المواطن بالكفاءة المطلوبة مهما بلغت درجات الالتزام والانضباط ، فالتجارب الدولية، مثل تجربة "أيسلندا" التي خفضت ساعات العمل للموظفين الحكوميين، وأدت إلى ارتفاع الإنتاجية، وانخفاض الأخطاء، وتحسن التركيز الذهني، أو تجربة "اسكتلندا" مع الأسبوع الأقصر في مؤسستين حكوميتين، حيث أُعيد ترتيب الأولويات وتقليل الاجتماعات غير الضرورية، أظهرت أن الراحة المدروسة تزيد الكفاءة ولا تخلق فراغاً إدارياً ، فالموظف الذي يحصل على الراحة اللازمة يصبح أسرع في اتخاذ القرار وأكثر قدرة على الابتكار، ما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات العامة واستمراريتها.

في الأردن، الواقع الإداري أكثر تعقيداً ، فالجهاز الحكومي يعمل وفق نمط تقليدي يثقل كاهل الموظف ويستنزف قدراته، دون أن يحقق دوماً أفضل النتائج في ظل الموارد المحدودة ، لذلك ، فإن التفكير في نموذج عمل غير تقليدي يعتبر ضرورة استراتيجية لإعادة صياغة علاقة الدولة بموظفيها، وتعزيز فعالية الخدمات المقدمة للمواطنين.

انا اعتقد ان ثلاثة أيام عطلة أسبوعياً ليست هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لإعادة التوازن بين الحياة والعمل، ولضمان صحة الموظف النفسية والجسدية، الأمر الذي يرفع الإنتاجية العامة، ويقلل الأخطاء، ويزيد رضا المواطنين عن الخدمات ، فالموظف الذي يشعر بأن الدولة تراعي إنسانيته سيكون أكثر ولاءً لمؤسسته وأكثر رغبة في تقديم أفضل ما لديه.

تطبيق المقترح يجب أن يكون مدروساً وخاضعاً للقياس، بدءاً بتجربة محدودة في قطاعات معينة، ثم تقييم النتائج قبل التعميم ، فهذه المرحلة التجريبية ليست ضعفاً، بل ذكاء إداري يضمن اتخاذ القرار على أساس نتائج فعلية قابلة للقياس، لا افتراضات.

انا اقول ان من يرفض النقاش خوفاً من التغيير يغفل أن الخطر الحقيقي يكمن في التمسك بالقديم الذي لم يعد يخدم الإنسان أو الدولة بكفاءة فالتغيير الذكي هو استجابة لمتطلبات العصر، وحاجة الإنسان إلى حياة صحية ومنتجة، تمكنه من تقديم أفضل ما لديه لوطنه ومجتمعه ، والدول التي تتقدم ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تجرؤ على التجربة، وتقيم النتائج، وتعيد صياغة السياسات وفقاً لما يحقق رفاهية الإنسان وكفاءة الأداء.

الأمر يتجاوز الموظف الفرد ليصل إلى مستوى الدولة بأكملها ، فالإدارة الذكية هي التي تستثمر كل دقيقة عمل بطريقة فعالة، تعيد ترتيب الموارد، وترفع كفاءة المؤسسات، وتضمن استمرارية الخدمات الحيوية دون إرهاق الإنسان أو تعطيل مصالح المواطنين ، وإنها إدارة تقوم على العقل والمنطق، لا على التقليد الجامد.

في النهاية، السؤال ليس عن عدد الأيام في الأسبوع، بل عن استراتيجية واضحة لإدارة الوقت والطاقات البشرية، بحيث تكون الدولة أكثر مرونة وقدرة على تلبية احتياجات المواطنين في عالم سريع التغير ، والأردن أمام فرصة لإثبات أن التغيير الذكي ليس شعاراً يتردد في الكلمات، بل طريق عملي نحو ازدهار حقيقي، وأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي لا يخسر أبداً .

بقي ان اقول ان كل جهة، وكل مواطن، وكل مسؤول مطالب اليوم بأن يعيد النظر ، في التساؤل : هل نحن بصدد مجرد “أيام عطلة إضافية”، أم أننا أمام فرصة لإعادة تأهيل جهاز الدولة، وتحقيق أداء أكثر حكمة وعدلاً وإنسانية؟

القرار الشجاع اليوم يكتب المستقبل الذي نتمنى لأجيالنا القادمة، ويثبت أن الإنسان معيار النجاح الأول والأخير، وأن الدولة الذكية ترى الإنسان قبل العملية، والكفاءة قبل الشكل، والنتائج قبل الإجراءات الشكلية.

والله ولي التوفيق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :